آراء

سوريا التي لا تتسع للكُرد، لن تتسع لأحد.

ماهر حسن

الكُرد في سوريا: كذبة ” الانفصال” وعفن العقل البعثي المعاد تدويره:

كلما طالب الكُرد في سوريا بحقوقهم، خرجت جوقة النباح نفسها، تلوك كلمة “الانفصال” كما لو كانت نصاً مقدساً، تشهرها بوجه أي مشروع خارج قاموس الدولة القمعية المركزية. هذه ليست سذاجة سياسية، بل تزوير واعٍ للحقائق، وامتداد مباشر لعقلية بعثية مريضة، غيّرت جلدها ولم تغيّر دماغها.

 

بعثيون بلا بعث… لكن بنفس الرائحة:

المثير للسخرية المقززة أنّ أغلب من يقودون هذه الهجمة الشرسة اليوم هم أنفسهم:

– من كانوا بعثيين،

– أو متواطئين مع البعث،

– أو صامتين صمت القبور حين كان البعث يسحق البلاد

اليوم فقط غيّروا القميص. خلعوا صورة القائد، ولبسوا صورة “الوطني الغيور”، لكن العقلية لم تتغير: عقلية إقصائية، شوفينية، ترى سوريا ملكًا حصريًا، وترى الكُرد حالة طارئة يجب كتم صوتها أو تخوينها. هؤلاء لم تزعجهم عقود سحب الجنسية، ولا سياسات التعريب، ولا الحزام العربي، ولا منع اللغة، ولا تحويل الكُردي إلى مواطن درجة عاشرة. كل هذا كان “شأنًا داخليًا” و”ضرورة وطنية”. لكن عندما قرر الكُرد إدارة شؤونهم بأنفسهم، صارت فجأة مؤامرة كونية.

 

الخوف الحقيقي: كسر المركز لا أكثر:

الهجمة على الكُرد ليست خوفًا على وحدة سوريا، بل رعباً من فقدان السيطرة. رعب من نموذج يقول: إنّ الدولة لا يجب أن تكون سوطًا بيد المركز، وإنّ الهوية لا تفرض بالقوة، وإنّ الحكم ليس امتيازًا أبديًا لفئة واحدة.

الفدرالية، التي يهاجمونها بهستيريا، ليست تقسيمًا. لكنها بالنسبة لهم أخطر من التقسيم، لأنها تسحب منهم وهم الوصاية. هي تقول إنّ السلطة توزّع، لا تحتكر، وإنّ الشراكة ليست ضعفًا، بل ضرورة. وهذا ما لا يحتمله من تربّى على عقلية: “نحن نقرّر، والبقية تلتحق أو تسحق”.

 

الوطنية كشماعة رخيصة:

الوطنية، في خطاب هؤلاء، تحوّلت الى عصا.

كل من يطالب بحق، خائن. كل من يختلف ،  انفصالي. كل من يرفض المركز  ، عميل

لا مشروع، لا رؤية، لا إجابة عن سؤال: كيف تدار سوريا بعد كل هذا الخراب؟

فقط شعارات جوفاء، وتخوين، ونباح سياسي يعوّض العجز. هم لا يريدون سوريا موحّدة، بل سوريا مسيطرًا عليها. لا يريدون دولة مواطنة، بل دولة إذعان. لا يخافون من التقسيم، بل من العدالة.

 

الحقيقة التي يهربون منها:

الحقيقة البسيطة التي تفضحهم هي هذه:

لو كانت الدولة السورية عادلة، لما احتاج الكُرد إلى إدارة ذاتية.

لو كانت المواطنة حقيقية، لما طرح أصلًا سؤال الفدرالية.

لكن حين تغلق كل الأبواب، يصبح التنظيم الذاتي فعل بقاء، لا مشروع انفصال. الكُرد ليسوا المشكلة. المشكلة هي دولة أنكرتهم، ونخب تكره الاعتراف، وعقول لم تغادر زمن الشعارات الخشبية.

 

الخلاصة بلا تزيين:

من يصرخ اليوم “انفصال” لا يدافع عن سوريا،

بل يدافع عن نظام تفكير متحلل، مهما بدّل لافتاته. أما الكُرد، فذنبهم الوحيد أنهم قالوا:

لن نعود إلى القفص،ولن نقبل بعد اليوم أن ندار بعقلية تعتبر الاعتراف ضعفًا.هذه ليست معركة حدود، بل معركة وعي.وسوريا التي لا تتسع للكُرد، لن تتسع لأحد.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “340 – 341”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى