سوريا على حافة الهاوية: حين يصبح التنوع تهمة والسلاح بديلاً للسياسة
بقلم المحامي: أكرم شمو
بعد سقوط النظام السابق، وقف السوريون أمام فرصة تاريخية لبناء وطنٍ يحمي كل أبنائه، لكن المسار الذي سلكته الإدارة الجديدة يكرّر أخطاء الماضي بدلاً من الوقوف عندها ومعالجتها.
الأقليات التي عانت من توظيف هويتها سياسياً تجد نفسها اليوم في دائرة اتهامات جاهزة – “خيانة” ، “انفصالية” إن تحدّثت عن الفيدرالية والدولة اللامركزية . هذه المفارقة المؤلمة تطرح سؤالاً مصيرياً: هل نستحقّ أخيراً أن نتعلّم من دروس التاريخ؟
في قلب أزمتنا معضلة جوهرية تتمثّل في صراعٍ بين رؤيتين للوطن. الأولى ترى سوريا جداراً إسمنتياً صلداً – سلطة مركزية ، هوية أحادية، ولغة واحدة تذوّب التنوع في بوتقتها. هذه الرؤية ترى في التعددية خطراً على الوحدة الوطنية. وفي المقابل، تقف رؤية أخرى ترى في سوريا واحة متنوعة تتنفّس تحت سماء واحدة، دولة بسيادة لا تتجزّأ لكن بسلطات تتوزّع بين المركز والأقاليم، وثروات تُوزّع بعدل واعترافٍ بأنّ الهويات الفرعية ثراء وطني وليس نقصاً. هذا الصراع ليس مجرد جدال نظري، بل هو الوقود الذي يغذّي أزماتنا اليومية، حيث يتهم كل فريق الآخر بتمزيق النسيج الوطني، بينما الخطر الحقيقي يكمن في رفض الحوار ذاته.
تتعامل الحكومة مع الملفات الشائكة كمن يسير في حقل ألغام يدوسها لتنفجر به بدل أن يحاول تفكيكها . وبدل البحث عن جذور المشكلات، تختار الحلول الانفجارية: فمطالب الأقليات بالحكم الذاتي تواجه باتهامات “الخيانة”، والمطالبة بالحقوق الثقافية تُختزل إلى “مشاريع تقسيم”، والاحتجاجات السلمية تُقمع بـ”حماية مكاسب الثورة”. الخطيئة الكبرى تمثّلت في استبدال السياسة بالسلاح، حيث سُلّمت زمام الأمور لجماعات مسلحة متعددة المشارب بدل الاعتماد على الأحزاب السياسية والمفكرين والمبادرات المدنية. النتيجة كانت كارثية: تحول السياسي من قائد مجتمع إلى تابع خائف يلوذ بحماية القائد العسكري، وتجاوزت الميليشيات دورها الدفاعي لتحتكر القرار السياسي، وتحول المجتمع إلى جزر طائفية معزولة.
في أخطر منعطف، كشفت السلطة عن أدوات قمع جديدة أكثر خطورة. في السويداء مثلاً، تُستخدم “الفزعات العشائرية” غطاءً لانتهاكات منهجية ضد الدروز، بينما تُقدم الذرائع الجاهزة (تواصل مع إسرائيل ) لتبرير العنف. هذه الآلية الملتوية ترافقها سياسة التملص من المسؤولية عبر تصوير العنف كـ”أعمال فردية” أو “فور دم”، رغم أنّ الوقائع تشير إلى تحرك هذه الجماعات بأوامر وتوجيهات من أجهزة امنية . ولتحويل الأنظار عن الإخفاقات، تُصنع الأعداء الوهميون عبر تحويل المطالب المشروعة إلى “مؤامرات خارجية”. هذه الآليات حوّلت الدولة من حامية للشعب إلى مولّد للإرهاب، كما ظهر جلياً في أحداث الساحل (مارس ٢٠٢٥) حيث تحولت عملية أمنية محدودة إلى مواجهات دموية بفضل سياسات الفتنة والتحريض الطائفي .
ما يُروّج عن “خطر” الفيدرالية على وحدة سوريا ليس سوى وهم يخدم مصالح النخبة الحاكمة. فتجارب دول مثل سويسرا (بتعدد لغاتها) والهند (بتنوع أديانها ولغاتها) تثبت أنّ توزيع السلطات يبني أوطاناً أقوى، بينما المركزية المتصلبة تنتج أنظمة هشّة. حجج “وحدة التراب الوطني” تخفي خوفاً حقيقياً من فقدان السيطرة على الثروات والسلطة. والمفارقة المؤلمة أنّ محاولات تلميع الصورة – بتعيين وجوه من الأقليات في مناصب شكلية – لم تعد تخدع أحداً، فالمشكلة ليست في الوجوه بل في هيكل السلطة نفسه.
المشهد اليومي ينذر بكارثة حقيقية: في السويداء، يتفاقم الصراع الدموي بالتخبط الحكومي والتواطؤ مع الانتهاكات تحت غطاء “الفزعات العشائرية”. خطاب الكراهية يصعد بنسب مقلقة على الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي ، يتحول من مجرد تعليقات إلى سياسة غير معلنة تستهدف مكونات بأكملها – الدروز بانتهاكات ممنهجة، العلويين باتهامات جماعية بـ”التواطؤ مع النظام السابق”، والأكراد بتوصيمهم بـ”الانفصالية” لمجرد المطالبة بالفيدرالية. هذه ليست أحداثاً منعزلة، بل حلقات في سلسلة انهيار النسيج الاجتماعي.
الخروج من هذا النفق المظلم يتطلّب شجاعة الاعتراف بأربع حقائق أساسية: أولاً: الشرعية لا تُكتسب بالسلاح بل بصناديق الاقتراع الشفافة والمؤسسات التمثيلية الحقيقية.
ثانياً: حكم الأكثرية ليس تفويضاً لاضطهاد الأقلية بل التزاماً بحماية حقوقها.
ثالثاً: التنوع الوطني ثروة وليس تهديداً، والدول الأقوى هي التي تحتضن تعددها.
رابعاً: العسكرة تقتل السياسة وعودة الحياة السياسية شرط لأي مصالحة حقيقية.
الخطوات العملية تبدأ بإحياء الحوار الوطني عبر طاولة مستديرة تجمع كل الأطياف دون استثناءات، ومراجعة دستورية جذرية تنتج دستوراً يعترف بسوريا المتعددة ، ولا يخاف من توزيع السلطات. كما يجب إعادة تعريف دور الجيش ليكون حارس الحدود لا مهيمناً على القرار السياسي، ومحاربة خطاب الكراهية بقوانين رادعة وبرامج توعية تعيد بناء الثقة، ووقف توظيف العشائرية سياسياً عبر نزع الشرعية عن أي عنف طائفي.
سوريا التي نريد لن تولد من رحم التهم الجاهزة، ولا باختزال الوطن في لون واحد. مستقبلنا يبدأ عندما ندرك أنّ قوتنا في تنوعنا، وأنّ الوحدة الحقيقية ليست في التشابه القسري بل في انسجام الألوان المختلفة. التحدي الأكبر ليس في تغيير الوجوه، بل في تغيير العقلية التي حوّلت التنوع من نعمة إلى نقمة. فالدولة التي تخاف من توزيع السلطات هي دولة تخاف من شعبها، أما الدولة الحقيقية فهي التي تثق بأنّ الاختلاف إثراء، والتنوع ضمانة ديمومة.
في النهاية، السؤال المصيري يبقى: هل نستحقّ أخيراً أن نتعلّم من دروس التاريخ، أم سنظلّ ندور في حلقةٍ مفرغة من الألم؟ الجواب بين أيدينا جميعاً، وفي قدرتنا على اختيار طريق المصالحة بدل الصراع، والبناء بدل الدمار.
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “334”






