شرق الفرات (التدخل والتداخل الدولي) إلى أين؟

فؤاد عليكو

شهدت سوريا منذ تسع سنوات وحتى اليوم تدخلات دولية كثيرة وكبيرة طالت كل الجغرافية السورية  وتوزعت مناطق النفوذ بين هذه الدول حسب مدى تأثير تلك  الدول على تلك البقعة الجغرافية، وكان لروسيا وإيران النصيب الأكبر في الكعكة السورية، نظرا لغياب الدور الأمريكي الفاعل في الأزمة السورية في عهد الرئيس السابق أوباما حتى عام 2016 حيث كانت إدارة الأزمة عن بعد هي السمة الغالبة للسياسة الامريكية السائدة حينذاك، مع تقديم بعض الدعم العسكري اللوجستي غير المؤثر في المعارك للمعارضة السورية، باستثناء تحركها المباشر ضد منظمة داعش الإرهابية  في أعقاب حصار كوباني  في نهاية 2014، حينها قدمت امريكا  لقوات الحماية الشعبية y p g الدعم اللوجستي والجوي المطلوبين؛  و على إثرها  تم تشكيل تحالف دولي كبير لمحاربة داعش حصرا، دون التصادم مع النظام، واستمرت هذه السياسة في عهد خلفه ترامب، حتى تم إسقاط آخر قلاع داعش في الهجين وباغوز في بداية 2019م.

كما أن تركيا استغلت أيضا محاربة داعش في السيطرة على جرابلس والباب بدعم من الفصائل العسكرية السورية المعارضة، تلاها تفاهم تركي/ روسي للسيطرة على عفرين في بداية 2018 وطرد قسد منها، وبعد ذلك حصل تفاهم امريكي /تركي للسيطرة على تل ابيض ورأس العين  2019م.

تلاها مباشرة تفاهم روسي /تركي مرة أخرى، للقيام بترتيبات أمنية مشتركة في منبج و كوباني والدرباسية وعامودا حتى ديريك وعلى عمق 10 كم وترافق ذلك بانسحاب أمريكي من تلك المناطق مسافة 30 كم لصالح تركيا وروسيا ، باستثناء منابع النفط في رميلان، وبذلك تحولت منطقة شرق الفرات إلى ساحة عسكرية محلية وإقليمية ودولية بشكل لم يسبق له مثيل في أية بقعة جغرافية من سوريا للقوى المختلفة في التوجة والرؤى، حيث نجد الآن على الأرض ؛ النظام وحلفاءه المحليين من الدفاع المدني تؤازره في ذلك مجموعات  ايرانية وحزب الله، وتتمركز جل هذه القوات حول المدينتين الرئيسيتين قامشلو والحسكة، بالإضافة إلى التواجد العسكري الروسي مؤخرا وبشكل كبير، بعد التفاهم مع تركيا، والتي تتوزع بالدرجة الأساس  على الشريط الحدودي بين الدولتين  ومطار القامشلي، بينما تتواجد قوات سوريا الديمقراطيةفي معظم مناطق شرق الفرات باستثناء المناطق التى تحت السيطرة العسكرية التركية وفصائل المعارضة الحليفة لها المتمركزة من غرب تل أبيض حتى شرق راس العين بطول 120 كم وعمق 30 كم،أما القوات الأمريكية وحلفاؤها من الفرنسيين والبريطانيين  والايطاليين  فهي تتمركز جميعها  على بعد 30كم من الحدود التركية السورية باستثناء، حقول النفط في رميلان.

كما أن قوات ايرانية كبيرة مع النظام تتمركز شرق دير الزور حتى البوكمال على الحدود العراقية بمحاذاة نهر الفرات .

إزاء هذا التواجد الكبير لجميع القوى الإقليمية والدولية والمحلية المنخرطة في الأزمة السورية، مع عدم وجود حدود فاصلة بينها، وعدم وجود تفاهم حول مناطق تواجدها، مع اشتراك الكثير منها باستخدام  الطريق m4 الذي يربط منبج بمعبر تل كوجر (اليعربية) مع العراق، وخاصة من قبل امريكا وروسيا القوتين الأكثر تأثيرا في المعادلة.

كل هذا التعقيد في توزيع القوى لايبشر بحالة استقرار في المنطقة، بل العكس يزيد من حالة التوتر وعدم الاستقرار، وقد يؤدي إلى التصادم بين هذه الأطراف المناوئة لبعضها في اية لحظة، ولأسباب قد تبدو بسيطة أو عرضية في ظل عدم وجود أية توافق بين هذه القوى على الأرض، خاصة وأنه لم يسجل التاريخ حالة سريالية كالتي نشهدها في شرق الفرات، من حيث التواجد العسكري الروسي /الأمريكي في منطقة واحدة، ويستخدمان  طرقا مشتركا، وحتى يتواجدون احيانا في مدينة واحدة ودون وجود أي تفاهم حول هذا الوجود، لابل أن لهما أهدافا ورؤى مختلفة حول الأزمةالسورية.

فروسيا تعلن صراحة بأن الهدف من تواجدها تمكين النظام من السيطرة على كل الجغرافية السورية والعمل سياسيا على تأهيل النظام دوليا؛ أما الأمريكيون فإنهم ينظرون للأزمة السورية عكس ذلك حيث يطالبون بتغيير النظام، وعليه لن يسمحوا للنظام بالسيطرة على منابع النفط، ولن يسمحوا باعادة الإعمار، ويؤكدون على الحل السياسي عبر الأمم المتحدة ووفق القرارات الدولية، وعليه فإن تواجد القوتين العظميين دوليا في بقعة جغرافية واحدة،  وكذلك القوى المحلية والإقليمية الأخرى الموالية لهذا الطرف او ذاك يثير مخاوف كبيرة و يعتبر قنابل  موقوتة قد تنفجر في أية لحظة، وما المناوشات التي تحصل بين قسد وتركيا على بعض خطوط التماس أو بعض المناكفات بين الجنود الروس والأمريكان في بعض المدن، كما حدث في تل تمر أو  على مسارالطرقات يؤكد ما ذهبنا إليه، كما يجب أن لاننسى قوة عامل التصادم الإيراني /الأمريكي خاصة بعد التصعيد الأمريكي ضد إيران ومقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني، الذي كان يعتبر قائد جميع المليشيات الشيعية في الشرق الأوسط والشخص الأكثر تأثيرا في إيران بعد المرشد خامنئي.

إزاء هذه اللوحة العسكرية المعقدة في المنطقة نلاحظ بأن موقف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) هو الأكثر ضعفا وحراجة، فمن جهة هي في حالة عداء مع تركيا بحكم اتهامها من قبل تركيا بأنها جزء من منظمة حزب العمال الكردستاني p k k، ومن جهة أخرى يتعرض لضغط روسي لدفعها باتجاه التقارب مع النظام أو بالأحرى تسليم نفسها للنظام، ليكون جزءا من قوات النظام دون مقابل يذكر ودون أي اعتراف بوجودها الاداري او القومي، ومن جهة ثالثة تحثها أمريكا بالابتعاد عن النظام والتقرب من المجلس الوطني الكردي ومن المعارضة السورية ليكونوا جزءا من هيئة التفاوض للمعارضة في جنيف.

بينما قسد تلعب الآن على عامل الوقت وتحاول ما أمكن عدم اغضاب  اي طرف، ومسك العصا من المنتصف بين روسيا وأمريكا ، وهذه اللعبة مع الكبار خطيرة وغير مجدية ومكشوفة، والضريبة ستكون كبيرة وانعكاسها على الشعب سيكون أكبر بكثير، وما حصل لأهلنا في عفرين وسرى كانية(راس العين) وكرى سبي(تل ابيض)  من مآسي نتيجة هذه السياسة المزدوجة بين اللاعبين الكبار.

لذلك نؤكد بأن المخاطر جدية اذا ما استمرت بهذه السياسة الملتوية ، ومن الأفضل لها ولشعبنا ولكي لاتكرر المأساة مرة أخرى في مناطق أخرى عليها العمل على توسيع رقعة المساحة للجهة الضاغطة وإزالة كل الذرائع امامها ولن يتم ذلك الا عبر سلسلة من الإجراءات العملية الفعالة أهمها:

– فك الارتباط مع العمال الكردستاني عمليا وابعاد كل كوادر ب ك ك من سوريا.

– العمل على بناء تحالف حقيقي مع المجلس الوطنى الكردي بحيث يشمل النواحي العسكرية والسياسية والإدارية والأمنية والاقتصادية وفق مشروع قومي كردي سوري  ووطني سوري، ثم مشاركة الأحزاب الكردية الأخرى في المشروع، وبتعبير اوضح ترتيب البيت الكردي من جميع جوانبه.

– بعد ذلك الدخول في تحالف مشترك مع المعارضة السورية في هيئة التفاوض وفق الرؤية المتفقة عليها بين الطرفين، والابتعاد عن أي  تقارب مع النظام

– بناء علاقات طبيعية ومميزة مع إقليم كردستان لما للاقليم من ثقل سياسي كبير في المعادلات الإقليمية والدولية في المنطقة.

– توثيق العلاقات مع قوى التحالف الدولي برئاسة امريكا، مع الابقاء على مساحة من التفاهم مع روسيا بعيدا عن  النظام.

حينها فقط نستطيع القول بأن الكثير من عوامل الضغف قد زالت من الوسط ، وذلك لأن اي قوة تحاول النيل منها ، حينها ستجد نفسها أمام صراع مع الشعب الكردي ككل ومع المعارضة السورية ومع التحالف الدولي، وبالتأكيد فإن هذه الوضعية اذا ما تحققت (وهو ليس حلما) فإن المخاوف ستتقلص وستتجه المنطقة نحو الهدوء والاستقرار ولن تنكر المأساة مرة أخرى.

 

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “270”

قد يعجبك ايضا