شرق الفرات.. متغيرات وتحديات بانتظار هندسة الإدارة الأميركية الجديدة

إعداد وحوار: اشتي تيشي – زارا سيدا

مع بدأ العد التنازلي لمغادرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب منصبه، عكست مواقع التواصل الاجتماعي نظرة الازدراء الشديد في الأوساط الكردية السورية من شخص الرئيس الذي كيل إليه العديد من التوصيفات المتناسقة مع النظرة تلك، وعبرت الأوساط تلك عن “بيع” أو “خيانة” الإدارة السابقة “لحلفائهم الكرد”، محملين الإدارة الراحلة جزءاً كبيراً من المسؤولية عن سقوط عفرين وسري كانيه/رأس العين بالإضافة إلى كري سبي/تل أبيض.

في الحين ذاته طغت ظاهرة من التفاؤل والترحيب بالإدارة الجديدة في البيت البيضاوي، مستندة في معظمها من تصريح سابق للرئيس جو بايدن يتحدث فيه عن “محاسبة لتركيا على دورها في المنطقة”، إلى جانب “التخوف” التركي الذي بدا واضحاً في تصريحات مرتبكة لمسؤوليها حيال الإدارة الأميركية الجديدة.

رغم إدراك الأوساط الكردية أنها ليست على احتكاك بتفاصيل الإدارتين وأنها ليست معنية بكثير من جوانيها، إلا أنه لا انفكاك – في هذه الأوساط- من التعويل على الموقف الأمريكي من القضايا المصيرية في كردستان سوريا، مع إغفال شديد للعوامل الداخلية المساهمة في المصير، والاستطالات الإقليمية في الملف السوري.

– بناء الأوهام

هذا التبدل في الإدارة انعكس بشكل ما على الأوساط السياسية الكردية أيضاً، وربما كان بالإمكان أن يستشف من خلال احتفاء الوسط الإعلامي المقرب من “الإدارة الذاتية” أو الدائر في فلكها بترشيح الرئيس الأميركي المنتخب، جو بايدن، بريت ماكغورك مسؤولاً عن ملف سوريا، مستذكرين “محاسنه” و “علاقته القريبة” من قيادة قوات سوريا الديمقراطية، على أنه “انتصار” أو “قرب موعد فتح دفاتر المحاسبة مع تركيا”، أو تصوير الأمر للعامة على هذه الشاكلة.

هذه التصورات انتقدها، فؤاد عليكو، عضو اللجنة السياسية لحزب يكيتي الكردستاني- سوريا، وشدد على أنه “من الغباء السياسي الاعتقاد بأن السياسة تبنى وفق منطق العاطفة والمحاباة كما يتصوره بعض السذج من الكرد”.

وأشار إلى أن “السياسة تبنى وفق قاعدة المصالح والمنفعة المتبادلة، ومن هنا تأتي المقارنة بين مصالح أمريكا مع تركيا ومصالحها مع حزب الاتحاد الديمقراطي PYD ، وبقراءة بسيطة لا يوجد أي شبه للمقارنة، لأن تركيا دولة حليفة تاريخيا لواشنطن وعضو قوي وفاعل في الناتو (ثاني قوة عسكرية حجما) ولها أهمية استراتيجية في الشرق الأوسط ويوجد العديد من القواعد العسكرية التي تختزن أسلحة نووية استراتيجية، كما أن الكثير من قطع أسلحة الناتو وأمريكا تصنع في تركيا (مصانع عسكرية مشتركة) إضافة إلى التبادل التجاري بين الطرفين تقدر بعشرات المليارات، وغيرها الكثير من العلاقات الثقافية والعلمية …الخ. وهناك خلاف بسيط بينهما حول صواريخ S400 الروسية والخلاف مع قبرص واليونان وهذه الخلافات لن تصل بهما إلى حالة التصادم أو البحث عن البدائل ومن الممكن حلها بسهولة”.

لافتاً أنه “في المقابل لا يوجد ما يشجع أمريكا على التضحية بكل هذه العلاقات من أجل الاستخدام العسكري لقسد في محاربة داعش حصرا. وعليه فقد صرح القادة السياسيين والعسكريين في عهدي أوباما وترامب هذه الحقيقة باستمرار بل إن ترامب وصفهم كأنهم مرتزقة عندهم (نحن ندفع لهم).

وإن علاقاتهم لا تتجاوز الحالة العسكرية كما أن بعض قادة PYD امتلكت الجرأة وعبروا عن هذه الحقيقة بمرارة.

وعلى ضوء ما تقدم فإن بناء الأوهام وبعث روح التفاؤل من قبل PYD لأنصاره لا يرتكز على أية معطيات سياسية عملية، وهم يدركون تماما بأن وظيفتهم تنتهي بانتهاء الأزمة السورية وأن ربيع سلطتهم يكمن في استمرار الأزمة لأن حاجة الآخرين لهم تكمن في استخدام سلاحهم تحقيقا لاستراتيجياتهم المستقبلية في المنطقة”.

– إدارة الأزمة لا حلها

يكاد يكون من المسلم به أن الوجود العسكري لقوات “قسد” طارئ ومرتبط بالأزمة السورية الممتدة منذ ما بعد تمكن النظام من القضاء على الحراك الشعبي المدني في بداية انطلاق الثورة السورية، وجر “المعارضة” نحو العسكرة، وإثر حسابات وتفاصيل وتعقيدات استخباراتية -يطول شرحها وتفاصيل لا مكان لسردها- شهدت كردستان سوريا تشكل وحدات حماية الشعب التي تحولت إلى “قسد” وفق ضرورات المرحلة وتطورات المواقف.

مستقبل هذه القوات كقوة متحكمة بالأرض مرهون إلى حد بعيد بالحل النهائي للأزمة السورية، وما سيصار إليه شكل الحل الذي ينتظره السوريون وتأثير الدول الإقليمية وتوافقات القوى الدولية الفاعلة على الساحة السورية.

عن هذا الوجود الشرطي المرهون بعمر الأزمة في سوريا، ذهب عليكو إلى أنه “منذ عهد أوباما إلى ترامب تعمل الإدارة الأمريكية على إدارة الأزمة السورية وليست معالجتها ، وعلى الرغم من وقوفها سياسيا وإعلاميا إلى جانب المعارضة -بشكل خجول عسكرياً، باستثناء أن فترة إدارة ترامب شهدت ضغطا اقتصادياً مميزا على إيران والنظام السوري دون العسكري-، اكتفت الإدارتين بمحاربة داعش بقوة وذلك باستخدام الأدوات المحلية الرخيصة التكلفة في ذلك وتحديدا (قسد) ولقد عبّر ترامب بوضوح ودون أية مراعاة لمشاعر المتعاملين معه .

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة. هل تستمر أمريكا بإدارة الأزمة السورية كما في السابق دون العمل على حلها؟ أم تتجه باتجاه المعالجة والبحث عن حل شامل لها من خلال الضغط باتجاه تطبيق القرارات الدولية المعنية بالأزمة السورية؟

فإذا كانت الإدارة الجديدة تتبع السياسة السابقة فلن يحدث أي تغيير يذكر وحينها تستمر الأزمة ولن نجد أي تغيير في السياسة الأمريكية الجديدة.

أما إذا تغيرت السياسة الأمريكية باتجاه حل الأزمة السورية فإننا سنشهد تحركا دبلوماسيا نشطا وتحولا ملموسا في سياسة بايدن. وستكشف لنا الشهور الثلاثة القادمة نوعية هذا التوجه في موقف الطاقم الأمريكي الجديد”.

– علاقات لا استراتيجية

في معرض اجابتها حول سؤال صحفي عن حدوث تواصل بين مجلس سوريا الديمقراطية ‹مسد› وإدارة الأمريكية الجديدة ، تحدثت إلهام أحمد، الرئيسة التنفيذية للمجلس بأن لدى مجلسها “قنوات عدة ممكن أن توثق العلاقة مع الإدارة بأمريكا”.

لكن لسان حال الواقع يقول إن لا اعتراف سياسي أميركي بـ “مسد” أو “الإدارة الذاتية” قد حدث إلى الآن، وأن أكثر ما يبقي هذا “التفاؤل” الذي أظهرته أحمد خارج السياق المنطقي أن المعركة الفعلية التي شارت فيها قسد مع التحالف ضد داعش انتهت وإن بقي التنظيم يتحرك هنا أو هناك، ولعل الموقف “المتحفظ أو المتشدد” للإدارة الجديدة من تركيا -كما يقرأه مسد -هو ما يدفع بهذه التصريحات لكي تطفو على السطح.

في هذا السياق، تحدث السياسي الكردي د. عبدالباسط سيدا تحدث لـ “يكيتي” عن قراءة مغايرة لتلك التصريحات التي أطلقتها القيادية إلهام أحمد، منوهاً أنه “ستبني الإدارة الأمريكية الجديدة على المقدمات التي وضعتها إدارة أوباما؛ واستمر العمل بتبعاتها في مرحلة ترامب. تعيين بريت ماكغورك في موقع منسق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجلس الأمن القومي الأمريكي يعطي رسالة في هذا الاتجاه.

التعامل الأمريكي مع الملف الكردي السوري سيكون جزءاً من الاستراتيجية الأمريكية العامة في المنطقة؛ لا سيما من جهة التعامل مع إيران وتركيا وروسيا ومراعاة المصلحة الإسرائيلية أولاً”.

العلاقة المتداخلة والمتشابكة بين حزبي الاتحاد الديمقراطي و العمال الكردستاني باعتقاد سيدا لا بد لها من “فك الارتباط الذي يعد الخطوة الأساسية لترتيب البيت الكردي السوري، فذلك يطمئن الكرد السوريين، والسوريين بصورة عامة، ويخفف الضغوط التركية، ويبعد الموضوع الكردي السوري عن التجاذبات الإقليمية”.

وذهب سيدا إلى القول: ” لا نعتقد بأن علاقات مسد الأمريكية استراتيجية في الحسابات الأمريكية. ولكن في جميع الأحوال سيكون من المفيد توظيف تلك العلاقات، بغض النظر عن طبيعتها ومستواها، لمصلحة الكرد السوريين، والسوريين بصورة عامة. أمريكا تستطيع مساعدة الكرد السوريين في هذا المجال. كما يمكنها الدفع باتجاه إحياء عملية السلام بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، وذلك لن يكون من دون وجود مشروع جاد للسلام لدى الطرفين”.

– عودة متوازنة

حديث الإدارة الأميركية المنتخبة عن مواقف “حازمة” تجاه تركيا وروسيا ودورهما في الأزمة السورية، وكيف يمكن أن ينعكس هذا “الحزم” حيال مناطق النفوذ التركية في شمال سوريا لا سيما في عفرين وسري كانيه يبقى الشغل الشاغل لمئات الآلاف من الكرد السوريين لا سيما المهجرين منهم، الذين ينتظرون الظروف المساعدة ليعودوا إلى ديارهم.

الباحث الكردي بدر ملا رشيد تحدث عن غلبة اعتماد الإدارة الجديدة على شخصيات حاضرة في مناصب متفاوتة الأهمية خلال عهد الرئيس أوباما الذي امتد لدورتين رئاسيتين متتالتين، ما يوحي بشكل أو بأخر “إلى وجود رغبة بمتابعة السير وفق نهج إدارة الرئيس الأمريكي السابق أوباما”.

معتبراً ذلك “أمراً في جزء مهم منه منطقي على خلاف الاستفسارات التي تحصل بإن بايدن سيكون نسخة من أوباما، فالأخير بقي لدورتين كاملتين في الرئاسة الأمريكية، وإذا ما قمنا بالفترة اللازمة قبل العملية الانتخابية، سنرى إن فريق أوباما بقي في إدارة أمريكا لفترة 8 سنوات بشكلٍ مباشر وجولتي تحضير للانتخابات بمقدار عامين، أي بالمحصلة عشرة أعوام من عمر الحزب الديمقراطي، وهي فترة ليست بالقليلة”.

في الحين ذاته استبعد الباحث في حديثه لـ “يكيتي” أن “تتغير الطواقم الحزبية المتخصصة في الملفات المختلفة خلال فترة قصيرة، خصوصاً إذا ما اخذنا بالاعتبار إن حالة حكم ترامب كانت هي الحالة الشاذة في تغيير عددٍ كبير من الإداريين والوزراء وقادة الجيش، أما في الحالات العادية فهناك استمرارية أكبر”.

مضيفاً أنه “انطلاقاً من هذه النقطة ورغم غياب تصريحات واضحة من الإدارة الأمريكية المنتخبة حيال ملفات الشرق الأوسط التي تغيرت خلال العامين الماضيين بشكلٍ كبير جداً، إلا إنه يمكن توقع عودة أمريكية متوازنة لسياسة الشرق الأوسط، بحيث نرى عودة للعلاقات المؤسساتية المتوازنة والبعيدة عن العلاقة الشخصية المباشرة كما كان يقوم بها ترامب في بعض الملفات.

وفي هذا الخصوص من المتوقع أن تزداد فاعلية دور “ماكغورك في إدارة قوات قسد وملف شرق الفرات -الذي كان هو من مهندسيه الرئيسين من العام 2015 حتى 2019، مع تقديمه استقالته اعتراضاً على سحب ترامب لقوات بلاده من شمال شرق سوريا-، لكن من المتوقع أن تكون الفاعلية المتزايدة لماكغورك متوازنة مع المنصب الجديد المتمثل بمنسق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في مجلس الأمن القومي، فهذا المنصب سيتطلب منه تنسيق وإيجاد توازن في مصالح الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لذا ليس من الضرورة توقع عودة علاقته مع قوات سوريا الديمقراطية لسابق عهدها عندما كان ممثل الرئيس الأمريكي لمحاربة داعش، وإدارة القوات المحلية المتحالفة من قبل واشنطن والمدارة من قبلها”.

“في هذا السياق يمكن توقع زيادة فاعلية قوات التحالف في منطقة شرق الفرات، لكن ضمن سياقاتٍ متوازنة في طبيعتها مع بقية القوى التي دخلت لها بعد عملية ‹نبع السلام› التركية”، وفقاً للباحث بدر ملا رشيد.

لا شك أن شرق الفرات بما يمثله من منطقة تطمح كافة الأطراف المتصارعة في الساحة السورية إلى الاستحواذ عليها، مفتوحة على تغييرات، فيما ينتظر الكرد دخاناً أبيضاً من الحوار الكردي – الكردي لعله يعيد إليهم بعض الشعور بالاستقرار ويبعد عنهم شبح تهجير جديد.

 

الحوار منشور في جريدة يكيتي العدد “282”

تمت قراءتها 585 مرة

قد يعجبك ايضا