/شمال – شرق سوريا و شرقي الفرات/.. إشكاليّة المصطلح

بهجت شيخو

في نهاية الحرب العالمية الأولى قامت الدول المنتصرة بتوزيع تركة الدولة العثمانية وذلك بموجب اتفاقية سايكس بيكو عام ١٩١٦ م ولم تراع تلك الاتفاقية خصوصية الشعب الكُردي القومية ضمن هذه التركة وتمت تجزئة كوردستان للمرة الثانية ليلحق قسم منها بدولة العراق والآخر بدولة سوريا ناهيك عن الجزء الأساسي الذي ترك على حاله تحت ظل استعمار الدولة التركية الحديثة.

وتكونت سوريا كدولة لها حدودها الجغرافية الحالية وألحقت بها المناطق الكُردية الثلاثة (الجزيرة – كوباني – عفرين) والتي ترتبط بامتدادها الجغرافي والقومي الموحد مع كلا من الشطرين الكُرديين الشمالي مع تركيا والشرقي مع العراق كما تتميز جغرافية تلك المناطق المذكورة ببعض المد والجزر في العمق السوري وهذا التفاوت يعتبر اولاً: أمراً طبيعياً في رسم الحدود بين الدول، و ثانياً: الاجراءات العنصرية التي اتبعها النظام البعثي بحق المناطق الكُردية كالحزام العربي لاحقاً، ولكن بقت هذه المساحة تمثل وحدة جغرافية متكاملة ويسكنها أغلبية كُردية مطلقة.

وأما سوريا التي بقت منتدبة بين الحربين العالميتين للدولة الفرنسية بدءاً من عام ١٩١٨م و انتهاءً بعام ١٩٤٦م حيث قامت الأخيرة بتأهيلها كدولة محدثة بوسائل الإدارة اللازمة كأنظمة الحكم و المؤسسات التشريعية و التنفيذية و الانتخابات وغيرها ورغبت فرنسا حينها بدعم كيانات كانت قائمة وشبه مستقلة أو استحدثت لاحقاً شبه دويلات كأنظمة تشبه نظام الكونفدراليات مثل دولة العلويين أو دولة الدروز أو حتى المحاولة مع الجانب الكُردي الذين رفضوا الفكرة آنذاك لعدم بلورتها لهم كشكل ايجابي من أشكال النظم لحكم سوريا المستقبلي وبسبب شعورهم ان أي خطوة في هذا الاتجاه سيهدد وحدة المشروع الوطني.

وطيلة فترة الإنتداب الفرنسي كانت هناك تجاذبات وتنافرات لهذه الحدود السياسية وأحدثت في بعض الاوقات تغيرات جوهرية كتسليم لواء اسكندرون لتركيا عام ١٩٣٩ م ولم يحترم الى حد ما قدسية تثبيت الحدود الناشئة وكانت دوماً توازي لعبة المصالح بين الدول ذات الشأن السوري وما قد يترتب عنه اشكالية جديدة في رسمه.

وبعد الحرب العالمية الثانية، وانسحاب فرنسا من سوريا ازداد الحرص أكثر على التمسك بوحدة الحدود الجغرافية والسياسية للدولة السورية وخاصة بعد وصول الأنظمة الشوفينية إلى سدة الحكم وطموحها العروبي في بناء وطن عربي كبير يمتد من المحيط الى الخليج، ولكن تلك الأنظمة عملياً لم تستطع حماية حدودها واحتل الجولان السوري من قبل اسرائيل في عام ١٩٦٧م.

وبقت حالة الاستقرار هذه قائمة منذ ١٩٦٧م بسبب المناخات السياسية الشبه المستقرة او المؤجلة الاستقرار طيلة كل هذه المدة التي فاقت النصف قرن حتى تم تجاوزها لأول مرة من قبل تنظيم الدولة في العراق وبلاد الشام (داعش) وذلك بمهاجمته لمدينة الموصل العراقية انطلاقا من الرقة السورية وذلك في العاشر من حزيران عام ٢٠١٤ م وبذلك يكون قد تم انتهاك حرمة الحدود بين الدولتين وأصبحت دولة الخلافة المزعومة ممتدة بين العراق وسوريا وتمارس في كلا الدولتين نظام حكمها كدولة واحدة.

ومع بداية البدأ بمحاربة الارهاب بدأت تظهر مناطق نفوذ جديدة سواء لتلك القوى والفصائل المسلحة على الأرض التي حاربت ارهاب داعش بشكل مباشر او لتلك الدول التي سميت بالتحالف الدولي ضد الارهاب وفي مقدمتها أمريكا حيث اتخذوا لمناطق تحركهم تسميات ومصطلحات تخدم مصالحهم أولاً، وربما تكون اشكالية للمكونات السورية، خاصة الشعب الكردي الذي يبحث عن حقيقة عدالة قضيته ضمن الجزء الكُردستاني (كُردستان سوريا) الذي يعيش على ارضه التاريخية ويتمتع بوحدة جغرافية متكاملة يعزز وجوده القومي.

وهنا سعت إدارة ال pyd ومنذ تسلمها المناطق الكُردية الثلاث لأن تفرض عليها تسميات وابداعات بدأت بها من اسم الكانتون وانتهت مؤخرا باسم شمال وشرق سوريا لتتقصد من وراء ذلك عدم الاقرار بوجود جزء كُردستاني في سوريا ولتخدم اجنداتها الحزبوية الذي يناهض المشروع القومي الكُردي برمته. كما ان هذا المزج المفتعل بالتسمية من قبل ب ي د يؤدي الى انهاء جدلية وجود شعب يعيش على ارضه التاريخية.

و في هذا الصدد ايضا مصطلح  شرق الفرات الذي يتم التناول به من قبل الادارة الامريكية حاليا و يخلط بين اقليمين احدهما كوردي و الاخر عربي دون التمييز بينهما و دمجهما كوحدة جغرافية بتسمية واحدة هي ايضا  نوع من الإشكالية و سياسة إدارة الأزمة التي تتبعها واشنطن لخلق نوع من التوازن الاقليمي والدولي ريثما تكتمل ملامح مستقبل اللوحة السورية المرتقبة وهو ما يخلق شعور لدى الكرد بأن يكون المصطلح انتقاص للقضية الكردية والذي ناضل طيلة السنوات الماضية وتفاعل بشكل ايجابي مع الثورة السورية وأصبح مكون رئيسي من أطر المعارضة السورية  لتدويل قضيته ونيل حقوقه القومية عبر دستور يضمن حقوقه وكافة المكونات السورية .

لذا يعتبران المصطلحان السابقان مصدر الإشكالية لدى الشعب الكُردي في هذه المرحلة

ما لم يثبت عمليا حقوق الشعب الكُردي في دستور سوريا المستقبلي.

 

المقالة منشورة في جريدة “يكيتي” العدد 265

قد يعجبك ايضا