آراء

صراع دمشق – قسد.. أم صراع مع الكُرد؟

محمد زنكنة

لم تكن الصراعات الحالية الموجودة على الساحة السياسية في سوريا، مابعد الاسد ، بغريبة، بل كان حصولها متوقعاً في أية لحظة، في ظل وجود فصائل تريد التحكم بالوضع السياسي بالقوة العسكرية، وفرض أمر واقع لايختلف مع الماضي الاليم الذي شهده البلد خلال العقود الماضية، تحت ظلّ حكمٍ قمعي لحزب واحد، وشخص واحد، وولاء لجهة واحدة، بالتحكم بكل صغيرة وكبيرة في حياة المواطنين، ومن الواضح أنّ السلطة الحالية والتي تتحكّم بالواقعين السياسي والعسكري في سوريا، لاتريد أن تاخذ العبرة من هذا الماضي الأليم، بل تعمل وتكرّس على تكرار ذات الواقع ولكن بطريقة أخرى وباستغلال الدعم الدولي لها، في إطار دعم حكم جديد يتخلّله دستور وانتخابات مهما كان مشكوكاً في أمرها أو لم تنل رضا جميع مكونات الشعب السوري.

وعلى الرغم من الترحيب الكُردي بالحكم والواقع الجديد (على الرغم من الكثير من الملاحظات على خلفية أصحاب سلطة الأمر الواقع)، وعلى الرغم من إبداء الاستعداد التام للجانب الكُردي بتعدد اقطابه وأحزابه السياسية وبرغم عدم وجود جبهة كُردية موحدة تواجه دمشق بالمطالب القانونية والدستورية التي يجب ان تثبت في الدستور الدائم المنتظر لهذه الدولة، إلا أنّ مانقرأه من ردود الفعل من دمشق، لا يبيّن أي تجاوب إيجابي لبناء أساسٍ تستند عليه الدولة الجديدة، يلغي كل ماتعرّض له الكُرد وبقية مكونات الشعب السوري من مآسٍ وكوارث مازالت تشكّل عقدة لكلّ مواطن سوري عايش هذه الاحداث.

وبالاعتماد على الأحداث التي توالت على الوضع السياسي مابعد سقوط الاسد، بمواجهات عسكرية بين الفصائل المدعومة من الدولة والعلويين، وتراشق بالأسلحة واعتداءات وإهانات غير مقبولة ضد الدروز وصولاً الى المطالبة باستقلال منطقة جبل العرب وتغيير اسمها إلى إقليم باشان، ثم الالتفات إلى الكُرد بحجة قسد ، وهنا أتحدّث عن أحداث الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، يتضح لنا بأنّ الصراع لم ولن يكون ضد توجهات سياسية أو فصائل عسكرية أو حتى أحزاب من الممكن أن تشكّل وبنظرهم، خطراً على وحدة وسيادة وهيبة الدولة، بل هي تكريس لواقع من الممكن أن يصيب الدولة بخطر كبير.

وهنا يطرح السؤال نفسه في ظلّ هذه المستجدات: هل أرادت الحكومة السورية، وبفصائلها المسلحة، إرسال رسائل معينة لقوات سوريا الديمقراطية، وعن طريقهم للشعب الكُردي توضّح فيها النوايا الحقيقية تجاه هذا الشعب؟ وهل تمثّل قسد حقاً كامل الشعب الكُردي؟

المواجهات العسكرية في المناطق الكُردية بحلب، أتت متزامنة مع زيارة المبعوث الأمريكي لسوريا توماس باراك، ولقائه بقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، في أولى محطات زيارته ، وهذا ما أغضب الحكومة، ظناً منها بأنّ واشنطن تولي اهتماماً أكثر بقسد، على حساب دمشق، لتأتي زيارة عبدي إلى دمشق بعد ساعات معدودة، ويعقبها سفر وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى أنقرة، والإعلان عن موقف الحكومة حيال المواجهات العسكرية في مؤتمر صحفي جمعه بنظيره التركي هاكان فيدان، ومن خلال ربط هذه الأحداث، من الواضح أنّ دمشق تريد ومن خلال هذا الموقف، أن ترسل وعن طريق تركيا رسالة ذات وجهين لقسد والولايات المتحدة الامريكية، حول تسلسل وترتيب الأولوية والأهمية سياسية كانت أم عسكرية، وأنّ فرحتها بتصريحات باراك حول الفدرالية واللامركزية وإمكانية وجود أي فصل يهدّد المركزية المطلوبة من قبل دمشق، لم تدم طويلاً.

وفي تطور آخر، من الممكن أن يكون له دور في المواقف الأخيرة للسلطة السياسية الحاكمة في سوريا، أتت زيارة الرئيس المؤقت أحمد الشرع إلى موسكو ولقائه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والمطالبة بتسليم بشار الأسد ومن معه لمحاكمتهم في سوريا، كخيبة أخرى من الممكن أن نتوقّع من خلالها، تصعيداً وبشكلٍ آخر تجاه الكُرد، لأنّ الرد الروسي جاء بالرفض على هذا الطلب مع التأكيد على ضرورة بقاء الأسد في روسيا دون المساس به، وعلى هذا الأساس تشعر الدولة الحالية، بأنها فقدت القطبين، وإن كان شكلياً، لأنها مازالت تفسّر بأنّ ولاء قسد كان لنظام البعث، لتأتي التصريحات الأخيرة لعبدي، والتي بيّن فيها بأنّ قواته وافقت بعد اتفاق مبدئي مع دمشق، على اندماجها مع الجيش السوري، وتداولت وسائل الإعلام بأنّ عبدي طلب وبشكلٍ شخصي من الشرع، اعتماد مبدا الفدرالية في شكل العلاقة وإطار الدولة وطريقة الحكم.

هذه التصريحات جاءت بعد التحذيرات التي أطلقها الرئيس نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كُردستان حول مستقبل سوريا، مؤكّداً ومبيّناً بأنّ الدولة لايمكن أن تُحكم من قبل مكون او حزب او طرف واحد، على حساب الأطراف الأخرى، وبعد الزيارة المكوكية التي قام بها الرئيس إلى أنقرة والتي نتج عنها قرار إلغاء الحظر الجوي التركي على مطار السليمانية الدولي، تكرّرت صيحات المطالب بالفدرالية بشكلٍ مبالغ فيه، من قبل جهات مرتبطة بمجلس سوريا الديمقراطي (الجناح السياسي لقوات سوريا الديمقراطية)، أو مؤيدة لها أو تتعاطف معها بشكلٍ أو بآخر، في حين أنّ هذا المبدأ كان شبه مرفوض من قبلهم، وكان يُستعاض عنه بمبدأ اللامركزية، مع وجود رفضٍ تام من قبل الأطراف المرتبطة بحزب العمال، والتي أعلنت وعلى لسان قيادييها، بأنها لاتحبّذ أنظمة كلاسيكية وتقليدية، لتكشف عن تطور آخر، فيه شيء من الاقتناع، وصورة من الانقسام والتخبط واستغلال التطورات المحيطة للتأقلم مع الواقع الجديد.. بمعنى، أنّ لزيارة رئيس اقليم كُردستان، وتصريحاته حول الوضع في سوريا، وبعد نجاح التجربة السياسية في كُردستان، دور وأثر كبير في إقناع تركيا، بأنّ الفدرالية في سوريا، لن تشكّل تهديداً على أمنها القومي (على الرغم من أنها لاتجاهر بهذه القناعة، خوفاً على الرأي العام القومي في بلدها)، وهو موقف لاترفضه واشنطن، ولا موسكو. أما التخبط والانقسام، فهو واضح من الموقف السياسي للجهات السياسية التي تدّعي تمثيل الكُرد بحكم الأمر الواقع، وأن جزءاً منها بدأ يقتنع فعلاً بأنّ لا حلّ أمامهم غير القبول بالفدرالية.

وبالعودة إلى أصل الموضوع، وأصل الصراع ومن يغذّي هذا الصراع، فمن الواضح بأنّ العقلية التي تقاد بها الدولة، لم تختلف كثيراً عما سبق، وخصوصاً بوجود أناس محسوبين على النخبة، مهمتهم افتعال واختلاق الصراعات باختلاف أنواعها، وهم من يغذّي هذه الصراعات مع مختلف المكونات التي استهدفت من قبل الفصائل المدعومة من الدولة، وهم من أكثر المستفيدين من استمرار الأزمات، على الرغم من أنها تشكّل تهديداً صارخاً لأمن واستقرار الدولة، وفي المحصلة، ومع أنني لا أؤمن بأنّ قسد ومن معها، يمثّلون كلّ كُردستان سوريا، إلا أنّ محاربة هذه القوات والمواجهات العسكرية معها، لم ولن يكون صراعاً ضدها هي فقط، كتنظيم عسكري حاربته منذ أكثر من عقد، بل هو صراع يستهدف الوجود الكُردي ويهدف للنيل من هذا الشعب، وللأسف، بوجود بعض السواعد المحسوبة على الكُرد، بحجة معارضتها للمجلس الوطني الكُردي، وهو مبرر غير مقبول.

إنّ المستجدات الاقليمية والدولية، والتحركات السياسية في المنطقة والصراعات التي تختلق ضد التواجد القومي والوطني والإنساني الكُردي في سوريا، تضع قوى الأمر الواقع سياسياً وعسكرياً في كُردستان سوريا أمام خيار يجبرها على قبول الشراكة والإدارة المشتركة وتوحيد الصف الكُردي مع المجلس الوطني، والذي تحمّل الكثير من التصرفات السلبية، بحرق مقراته الحزبية، واعتقال أعضائه لأسباب غير مبررة، والإهانة المستمرة لعلم كُردستان، والتهجم الإعلامي بتنفيذ كلّ ماتمّ الاتفاق عليه في مؤتمر قامشلو، وهذا ما أكّد عليه الرئيس مسعود بارزاني، أثناء استقباله لوفد المجلس الوطني الكُردي.

وفي ظلّ الظروف الحالية، لايمكن الاستهانة بنصائح وتوجيهات الرئيس بارزاني، والتي ستكون سبباً لتقوية الحجة الكُردية وإجبار دمشق على تنفيذ اتفاق العاشر من آذار بين عبدي والشرع، وإلا.. فإنّ الصراع سيأخذ مناح أخرى أكثر سوءاً، وسيسهل بذلك استغلال  أي ثغرة من الممكن أن تحدث في صفوف الأحزاب الكُردية، فهل من مدركٍ لخطورة التغاضي عن الشراكة القومية، ومبدأ الفدرالية؟

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “337”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى