صراع في سوريا أم صراع على سوريا..؟

صراع في سوريا أم صراع على سوريا..؟

فؤاد عليكو

لا يخفى على أحد بأن الثورة السورية بدأت سلمية بامتياز وذات مطالب وطنية واضحة  (حرية -عدالة -مساواة – ديمقراطية) على أن يتم ذلك عبر إصلاح مؤسسات الدولة وتعديل الدستور وإنهاء هيمنة حزب البعث على الدولة والمجتمع من خلال اذرعها الأمنية المتعددة الأسماء والتصنيفات ، لكن الهدف واحد وهو قمع الشعب السوري وإسكات كل صوت معارض يطالب بالإصلاح لدرجة بات المواطن يشعر بأنه يعيش داخل  سجن كبير تحسب عليه انفاسه في كل خطوة يخطوها، عدا عن الآلاف الذين كانوا يقبعون في سجون رهيبة ولسنوات عدة دون محاكمة أو بمحاكمات صورية.

هذا الواقع المؤلم قد ادى إلى تدمير الحياة السياسية في البلاد   لدرجة كبيرة وتحولت الدولة إلى دولة أمنية دون أي رادع قانوني او اخلاقي، لذلك خرج الشعب السوري بصورة عفوية إلى الشارع بعد حادثة اطفال درعا متأثراً مع ما أطلقوا عليه بالربيع العربي، وخلال شهر واحد عمت المظاهرات والاحتجاجات معظم المدن والبلدات السورية، لكن دون وجود قيادة جامعة تضبط إيقاع الثورة.

وفي المقابل وبدلا” من أن يستمع النظام لمطالب الشعب بحكمة وروية،  فقد لجأ إلى استخدم آلة قمعه العاري وذلك باستخدام الرصاص الحي على المتظاهرين أملا” في إخماد الثورة بفترة قصيرة ، لكن النتائج كانت عكسية حيث توسعت دائرة الاحتجاجات لتشمل كل سوريا إضافة إلى حصول انشقاقات كبيرة في صفوف الجيش رافضين زجهم في قمع الشعب،  وهكذا تحولت الثورة تدريجيا” إلى العسكرة منذ بداية 2012م وعندها بدأت التدخلات الإقليمية في مسار الثورة بين مؤيد للنظام ومؤيد للثورة، وكانت إيران والمليشيات الموالية لها في لبنان والعراق سباقة إلى نجدة النظام في قمع الثورة وهذا ما استشعرت به دول الخليج وتركيا من خطر التمدد الإيراني في سوريا،  وتأثير ذلك على أمنها القومي أيضا ، فبادرت بدعم  الفصائل العسكرية القائمة وانشأت أخرى موالية لها، وحينها انحرفت الثورة عن مسارها الحقيقي وأهدافها في الحرية والكرامة، وأخذ  الصراع طابعا طائفيا   (سني -شيعي ) تدريجيا”، ونتيجة لذلك فقد تمددت دائرة الصراع الطائفي إلى خارج سوريا لتشمل المسلمين من الطائفتين في كل أنحاء العالم وبنتيجتها بدأ الاستقطاب الطائفي الكبير  من قبل التيارات الإسلامية المتطرفة من الجانبين بالتوافد إلى سوريا بما فيه منظمة القاعدة والتي ولدت من رحمها منظمة داعش الإرهابية وأبعد معظم الضباط السوريين المنشفين الذين لا يؤمنون بتغيير مسار الثورة إلى الأسلمة ،  وبذلك خرج القرار السوري من يد النظام والمعارضة إلى درجة كبيرة  وبدأت الحرب بالوكالة بين الدول الإقليمية ،لكن وبعد تخلي الجامعة العربية عن ملف الأزمة السورية وتحويلها للأمم المتحدة إضافة الى التدخل العسكري الروسي  2015 امتدت دائرة الاستقطاب من الإقليمي إلى الدولي ولازال مستمرا” ومحتدماً حتى اليوم، وهكذا تحول (الصراع في سوريا الى صراع على سوريا ) ويتصدر الصراع حاليا  القطبين التقليديين عالميا امريكا وروسيا وحلفائهما الإقليميين والدوليين ولا يوجد في الأفق بوادر لأي حل سياسي في سوريا رغم كل القرارات الدولية ذات الشأن وخاصة القرار 2018 لعام 2012 والقرار2254لعام 2015 ورغم عدة جولات من المفاوضات تحت الرعاية الاممية في جنيف ،  منذ ذلك الحين و حتى اليوم احتدم حدة الصراع بين القوى الإقليمية والدولية حول تقسيم مناطق النفوذ والتي أضحت بعضها واضحة والبعض الآخر لازال غير محسوم.

ففي شرق الفرات حيث يتم الآن تقسيم المنطقة إلى شمالية تحت النفوذ التركي وجنوبية تحت النفوذ السعودي والمنطقتين برعاية وتوجيه ودعم أمريكا لضبط ايقاعهما السياسي والأمني والعسكري والإداري بالاعتماد على القوى المحلية.

أما غرب الفرات وحتى شمال حلب فقد أصبحت تحت النفوذ التركي وبموافقة روسية أمريكية ولازال الصراع محتدما في إدلب وشمال اللاذقية بين تركيا من جهة وإيران والنظام وبدعم روسي من جهة اخرى وعلى الأرجح سوف يتمخض الصراع الى تفاهم بين الطرفين وفق ما يخطط له الراعي الروسي، وحسب ما تم التفاهم عليه في سوتشي 2017 وذلك بأن يكون الطريق الدولي حلب – اللاذقية، حلب – دمشق الحدود الفاصلة بين المنطقتين وتكون الشمالية تحت النفوذ التركي.

أما جنوب دمشق حتى القنيطرة يفترض أن تكون خاليا من النفوذ الإيراني حسب ما تم التفاهم عليه بين روسيا واسرائيل، وتبقى المنطقة الواقعة غرب الفرات من الميادين والبوكمال شمالا وحتى الحدود الأردنية جنوبا بمحاذاة الحدود العراقية غير محسومة ولا يعرف لمن ستؤول، حيث يرفض الجانب الأمريكي اي تواجد لإيران في تلك المنطقة منعا في ربط الوجود الإيراني في سوريا بالعراق وهذه رغبة سعودية أيضا، لذلك قد تشهد تلك المنطقة صراعا كبيرا في المرحلة المقبلة على غرار ما يحصل الآن في جنوب إدلب وشمال حماة.

وهكذا نلاحظ أن معالم مناطق النفوذ بين الدول المعنية بالأزمة السورية تتضح تدريجياً رغم مرورها بمنعطفات حادة أحيانا والشعب السوري يدفع الثمن الباهظ يوميا.

كردياً: بات واضحا أن المناطق الكردية وذات الغالبية ستكون أما تحت النفوذ التركي بالكامل كما هو حاصل اليوم في عفرين أو تحت النفوذ التركي / الأمريكي المشترك كما يحصل الآن في شرق الفرات من خلال التفاهمات التي تحصل بين الطرفين.

والسؤال الكبير المطروح اليوم أين نحن الكرد مما يحصل؟ هل نقف متفرجين لهذه التطورات أم فاعلين ومتفاعلين معها؟

أو كما قال عالم النفس الشهير سيغموند فرويد (نكون أو لانكون تلك هي المسألة).

 

المقالة منشورة في جريدة “يكيتي” العد 265

قد يعجبك ايضا