
ضحايا المديح …. حين يبتلع السياسي صورته
صباح حمدو
في الحياة السياسية الكُردية، كثيراً ما تظهر شخصيات تبدأ رحلتها من مواقع متواضعة، دون أن تمتلك مشروعاً شخصياً للزعامة أو طموحاً استثنائياً للسلطة. أشخاص دفعتهم ظروف شعبهم، وإخلاصهم لقضيتهم، والشعور بالمسؤولية الوطنية إلى الانخراط في العمل العام، فتدرّجوا في المهام والمواقع حتى وجدوا أنفسهم في قلب المشهد السياسي.
في البداية، يكون الأمر طبيعياً؛ جهد يبذل، ومسؤولية تُحمَل، وحضور يلفت الانتباه. لكن مع مرور الوقت تبدأ دائرة المديح بالاتساع، وتتضخّم التوقعات، ويتسابق المؤيدون إلى إبراز الإيجابيات وتجاهل النواقص. ثم يأتي الإعلام، ومعه وسائل التواصل الاجتماعي، ليمنح الصورة أبعاداً أكبر من الواقع. وهكذا يتحوّل السياسي العادي إلى رمز، والرمز إلى بطل في نظر الكثيرين.
ولعلّ المشكلة لا تكمن في الشخص نفسه بقدر ما تكمن في البيئة التي صنعت تلك الصورة. فذلك السياسي لم يكن بالضرورة باحثاً عن بطولة أو ساعياً إلى صناعة هالة حول نفسه، لكنه وجد نفسه محاطاً بأجواء من التمجيد والثناء المستمر. ومع الزمن قد يصدّق الإنسان الصورة التي يرسمها الآخرون له، أو على الأقل يجد صعوبة في الفصل بينها وبين حقيقته. فيصبح أكثر تأثراً بالمديح، وأكثر حساسيةً تجاه النقد، حتى تغدو صورته العامة جزءاً من هويته الشخصية.
وعندما تتغيّر الظروف أو تتعقّد التحديات، يبدأ الانقسام المعتاد. فريقٌ يصرّ على رؤيته بطلاً لا يخطئ، وفريقٌ آخر يحمّله مسؤولية كل الإخفاقات. وبين التقديس والتخوين تضيع الحقيقة، ويتراجع النقاش حول السياسات والبرامج لصالح الجدل حول الأشخاص.
لكن هل تبدأ المشكلة هنا فعلاً؟
إذا عدنا إلى الوراء قليلاً، وبالأخص إلى تجربة الحركة السياسية الكُردية في كُردستان سوريا، سنجد أنّ جذور المسألة أعمق بكثير من سلوك فرد أو تجربة شخصية. فقد نشأت الحركة السياسية الكُردية في ظروف استثنائية فرضتها عقود طويلة من التهميش والحرمان وإنكار الحقوق القومية. وفي ظلّ هذه الظروف، لم يكن العمل السياسي خياراً مهنياً أو تخصصاً أكاديمياً بقدر ما كان واجباً وطنياً فرضته الحاجة.
ولهذا دخلت السياسة أعداد كبيرة من أبناء المجتمع من خلفيات مختلفة؛ معلمون ومثقفون وموظفون ومزارعون وطلاب، حملوا همّّ القضية الكُردية أكثر مما حملوا مشروعاً سياسياً متكاملاً. وقد نجح هؤلاء في الحفاظ على الهوية القومية والدفاع عن الحقوق المشروعة في أصعب الظروف، لكن الحركة السياسية بقيت تعاني من ضعف البنية المؤسساتية، وغياب مراكز الدراسات والأبحاث والتخطيط الاستراتيجي، ومحدودية برامج إعداد الكوادر والقيادات.
وفي ظل هذا الفراغ، أصبح الفرد بديلاً عن المؤسسة. وكلما برز شخص يمتلك حضوراً أو قدرة على التعبير أو فرصة للوصول إلى موقع متقدم، تعلّق الناس به وعلّقوا عليه آمالاً كبيرة. وهكذا تحوّلت الشخصيات السياسية إلى رموزٍ تتجاوز أحياناً حدود قدراتها الفعلية، لا بسبب رغبة شخصية دائماً، وإنما لأنّ البيئة السياسية نفسها كانت تبحث عن أشخاص يسدّون فراغ المؤسسات.
ومع توسع دور الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، ازدادت هذه الظاهرة وضوحاً. فبات من السهل صناعة صورة استثنائية لشخص ما، ومن السهل أيضاً هدمها عند أول تعثر. وبين المبالغة في التمجيد والمبالغة في النقد، تراجعت القدرة على تقييم التجارب السياسية بموضوعية وهدوء.
إنّ المشكلة الحقيقية ليست في السياسي البسيط الذي وجد نفسه في دائرة الضوء، وليست في الجمهور الذي بحث عن الأمل في شخص ما، بل في ثقافة سياسية ما زالت تميل إلى صناعة الأبطال أكثر من بناء المؤسسات. فحين تضعف المؤسسات يتضخّم الأفراد، وحين يتضخم الأفراد تصبح القضية كلها رهينة نجاح شخص أو إخفاقه.
لذلك فإنّ الطريق إلى مستقبل سياسي أكثر نضجاً لا يمرّ عبر البحث الدائم عن زعيم جديد أو بطل جديد، بل عبر بناء مؤسسات قوية، ومراكز تفكير ودراسات، وآليات للتخطيط والتقييم والمحاسبة. فالمؤسسات هي التي تحفظ الإنجازات وتصحّح الأخطاء وتضمن الاستمرارية، أما الأفراد، مهما كانت نياتهم وقدراتهم، فيبقون جزءاً من التجربة لا التجربة كلها.
لقد كانت القضية الكُردية في سوريا أكبر من أي شخص، وستبقى أكبر من أي شخص. أما السياسي البسيط الذي وجد نفسه يوماً في قلب العاصفة، فربما لا يستحقّ كلّ ذلك التمجيد الذي مُنح له، ولا كلّ ذلك اللوم الذي أُلقي على عاتقه، لأنه في النهاية لم يكن سوى مرآة تعكس أزمة أعمق: أزمة مجتمع سياسي ما زال يبحث عن الأبطال، بينما حاجته الحقيقية هي إلى المؤسسات. :::
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “٣٤٥”






