عامودا تحترق.. قراءة موجزة في الجزء الثاني

فيصل القادري

“طيلة نصف قرن من الفاجعة لحريق سينما عامودا كان الخوف والألم الشديد يلاحق الكاتب في اليقظة وفي النوم، وفي كل شارع من شوارع عامودا وأزقتها” هذا جزء من كتاب الكاتب والمحامي الراحل حسن دريعي، “عامودا تحترق”، وهو صادر عام 2015 عن مطبعة سيماف.

يتألف العمل من عدة أقسام، منها ملفات عن أسماء الشهداء وصورهم وصور مقابرهم، والأبطال الناجون. ويتناول في 299 صفحة كافة تفاصيل حريق سينما شهرزاد في عامودا عام 1960.

يقف كاتب المقدمة الروائي هيثم حسين عند تساؤلات تراود كل كردي وخاصة من أبناء عامودا: “لماذا الحريق كان من نصيب عامودا الصامدة والصامتة؟”

كتب الروائي والناقد هيثم حسين مقدمة للجزء الثاني، كما للأول، بحرقة قلبه وتأسفه على مأساة عامودا وخاصة الفراشات التي احترقت في أتون النار… فمن هنا انطلق الروائي والناقد هيثم حسين، قائلاً: “مرة أخرى لا بد من “عامودا تحترق” كي لا تحترق عامودا مرة أخرى” وأيضاً كتب عن عامودا “رنكين”… بأنها ألقت كل السلالات خلف ظهرها، وانتقدت لنفسها سلالة الحرائق، فاستحقت أن تكون سليلة الحرائق عن جدارة…

وكما وصف الروائي هيثم حسين مؤلف العمل حسن دريعي بأنه “صادق قبل كل شيء مع نفسه .. مع طفولته .. ومع أمه .. ومع مأساته.. ومأساة مدينته وشعبه”.

يوضح الكاتب السبب الذي دفعه إلى إعداد الجزء الثاني من “عامودا تحترق”؟ موضحاً في عدة جوانب منها: ألمه الشديد لتلك الفاجعة الأليمة التي حلت بأطفال عامودا… تلك المحرقة التي لا يتحملها العقل ولا القلب.

الراحل حسن دريعي سطر هذه المأساة على صفحات وصدر التاريخ لتبقى ذكراهم في القلوب، ولتكون وصمة عار على جبين المسببين… وأراد هذا العمل أن يرى النور لأنه إذا لم يسطر بأنامله توثيق وشرح لهذه الفاجعة الأليمة فلن يسامحه ضميره كما قال: “لن يسامحني ضميري ووجداني اليوم تجاه معركتي في فاجعة سينما عامودا، المعركة التي لن أخور فيها أو أركع أو أتوقف عن خوضها مهما كانت الصعاب قاسية ومستحيلة”.

طيلة نصف قرن من الفاجعة لحريق سينما عامودا كان الخوف والألم الشديد يلاحق الكاتب في اليقظة وفي النوم، وفي كل شارع من شوارع عامودا وأزقتها … وكان يزداد ألما عندما تأتي ذكرى الفاجعة لحريق سينما عامودا.

ومن جانب يصف الكاتب معاناته وألمه الشديد عند زيارته للأمهات الثكلى لضحايا فاجعة سينما عامودا، والبعض منهن تبدأ بالبكاء والحسرة وهنا يتحول الكاتب إلى طفل وهو يبكي على أمه لجوعه .. لمرضه .. لحرقه ولتشويه جسده، فهنا في نظر الكاتب يبدو أن كل شخص في عامودا يكره (النار) وفي قلوبهم خوف منه، وخاصة الأمهات لأنها التهمت قلوب وأكباد أهالي عامودا.

من جانب أخر يتحدث الكاتب الذي هو من الناجيين من فاجعة (حريق سينما عامودا) عن أدق التفاصيل عن شهداء سينما عامودا، وأعداد الناجين والأبطال المنقذين المنسيين مثل: رمضان أحمد ورمضان خاني صوري. وكما روى عن تفاصيل حريق سينما قائلاً: “عندما اشتعل النار بدأ صراخ الأطفال يتعالى ليسمعه الرب، لكن دون جدوى فمنهم من نجا ومنهم من احترق كالفحم”.

ويذكر الكاتب من خلال رؤيته وأحاسيسه الأليمة في هذا الكتاب لهذه الجريمة البشعة ويحملها المسؤوليين آنذاك، ويبين للقارئ بأنه احترق ثلاثة مرات: الأولى عندما نجا من ألسنة النار.. والمرة الثانية عندما بدأ الكتابة في الجزء الأول … والثالثة عندما استمر بكتابة الجزء الثاني من كتابه هذا، حيث اشتغله بكل أوجاعه ودموعه، وروحه المتألمة، بلهفة كبيرة على الكتابة وتوثيق هذه الجريمة من عدة أشخاص بما فيهم: المسؤولين والناجيين من أتون النار ومن الصحف والمجلات وغيرها، وأيضاً هنا يعاتب الكاتب كل الأقلام التي تأخرت عن الكتابة عن هذه الجريمة بحق أطفال عامودا. من جانب آخر لهذا الكتاب يصف الكاتب حديقة الشهداء في عامودا، وذلك باحياء ذكراها دون أي نشاط يليق بهم.

يرى الكاتب بأن عامودا تستمر بحرائقها، وهي مرشحة لنيل جائزة عالمية في الاحتراق، لو كانت متوفرة، لأنها دائماً تكون مرشحة لقائمة الحرائق العالمية. فهذه المدينة مرصودة ومطلسمة … مشحونة … وملغومة منذ عشرات السنين.

كانت أمنية الراحل بأن تحفرأسماء كل الشهداء، وأيضاً أن يكون للشهيد البطل محمد سعيد أغا دقوري نصب تذكاري في الموقع… وأن تجمع قبورهم المبعثرة المهددة بالضياع في مقبرة تليق بهم، متمنياً أيضاً أن تتحول فجيعة سينما عامودا يوما ما إلى فيلم سينمائي لتضاف إلى ملاحم الحزن الكردية.

رحم الله الكاتب، والشهداء، والعزاء لنا.

 

المقال منشور في جريدة “يكيتي” العدد 268

قد يعجبك ايضا