آراء

عبد الباسط سيدا وكتابه: “المسألة الكوردية في سورية”، قراءة تحليلية في الفكر والهويّة

آناهيتا حمو. باريس

يُعدّ الدكتور والكاتب الكُرد ي عبد الباسط سيدا أحد أبرز المفكرين الكُرد المعاصرين، الذين سعوا إلى إماطة اللثام عن فصول طويلة من التهميش التاريخي والاضطهاد السياسي الذي طال الشعب الكُردي في سوريا. وُلد في كوردستان سورية عام 1956، وقد تنقّل بين فضاءات الفكر والسياسة، فكان باحثاً في الحضارات القديمة، ثمّ سياسياً وطنياً حين تقلّد رئاسة المجلس الوطني السوري عام 2012. يقيم في السويد منذ عام 1994، وهناك واصل إنتاجه الفكري باللغة العربية، واضعاً القضية الكُردية في قلب نقاشات الهوية والعدالة والتحول الديمقراطي.

يأتي كتابه “المسألة الكوردية في سورية: فصول منسية من معاناة مستمرة” كصرخة معرفية وإنسانية في وجه سياسات الإنكار والتهميش التي مارستها الأنظمة السورية المتعاقبة ضد أبناء الشعب الكُردي. الكتاب ليس فقط تأريخاً للمعاناة، بل هو تحليل فلسفي-سياسي للمنظومة الذهنية التي تأسست عبر عقود داخل بنية الدولة السورية، وأثرت حتى في خطاب الكثير من المثقفين العرب الذين تبنّوا، بقصد أو دون قصد، مفاهيم المركزية القومية الأحادية.

يركّز سيدا في كتابه على ما يسميه بـ”المعاناة المزدوجة”، حيث يعاني الكُرد من التهميش القومي داخل وطنهم الأم، ويُحمّلون في ذات الوقت وزر انتمائهم العرقي. هذا الازدواج الظالم يضعهم في موقع الضحية الدائمة، محرومين من أبسط حقوقهم الثقافية واللغوية والسياسية، ويُنظر إليهم غالباً كخطر وجودي أو “قضية أمنية”، لا كمكوّن وطني أصيل.

واحدة من القيم المضافة الكبرى في الكتاب، هي استعادته للمصطلح الكُردي في دلالته الإنسانية، حيث يسعى سيدا إلى تجاوز ثنائية الضحية/الجلاد، باحثاً عن أفق تفاهم داخلي يرتكز على الإعتراف المتبادل والإحترام المشترك بين مكوّنات الشعب السوري. وفي هذا السياق، تتداخل الرؤية الفلسفية للكاتب مع تحليله السياسي، فتظهر دعوته الصريحة لتفكيك النزعة الإقصائية وبناء عقد إجتماعي جديد يتّسع للجميع، ويكرّس المواطنة المتساوية.

الكتاب غني بالوثائق والمعاهدات الدولية التي لعبت دوراً مفصلياً في تقسيم كوردستان تاريخياً، لا سيما تلك التي تمّت في أعقاب الحربين العالميتين الأولى والثانية. في الصفحات من 161  نجد تتبعاً دقيقاً لمسارات التفاوض والخذلان التي تعرّض لها الكُرد، مما يجعل من الكتاب مصدراً توثيقياً  هاماً، إلى جانب قيمته الفكرية والسياسية من الكتب القيمة في مكتبة المعهد الكُردي في باريس. كان إهداءاً من الكاتب لمكتبة المعهد.

إن عبد الباسط سيدا، في هذا العمل، لا يقدّم مجرد سرد للآلام، بل يعرض مشروعاً فكرياً متكاملًا، تتجسّد فيه رؤيته للعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية، بوصفها شروطاً  ضرورية لحلّ المعضلة الكُردية في سوريا، ولبلورة مستقبل سوري جديد.

كان ذلك تعريفاً مختصراً بالكتاب،وذلك من خلال ستاج انهيته في المعهد الكُردي في باريس،

كان هذا الكتاب من بين الكتب التي قمت بترجمة محتواه بإختصار باللغتين:العربية والفرنسية، كي يسهل على الباحث العثور الفرنسي قراءة محتواه.

كان لابد أن نختم بأنه و في زمن الإنهيارات والهويات المتصارعة، يبرز صوت عبد الباسط سيدا كمفكر كُردي سوري، يدعو إلى العقلانية، وإلى مصالحة الذات الوطنية مع تاريخها المهمّش، عبر الإعتراف بالمكوّن الكُردي، لا كـ”مشكلة”، بل كرافد أساسي من روافد الهوية السورية الجامعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى