آراء

عفرين وسري كانيه أمام اختبار العدالة.. لا مكان لمن انتهك حقوق الكرد في سوريا الجديدة

إلى الرأي العام الكردستاني وإلى حكومات الدول التي تقتسم كردستان

برزان علي

إلى الرأي العام الكردستاني، وإلى حكومات الدول التي تتقاسم جغرافية كردستان وتتحمل مسؤولية مباشرة عن حقوق الشعب الكردي ومستقبله، نتوجه بهذا المقال في لحظة تتجدد فيها الأسئلة حول مصير عفرين وسري كانيه/رأس العين وحقوق سكانهما الأصليين. إن ما جرى في هذه المناطق ليس شأناً محلياً عابراً، بل قضية تتصل بحقوق الإنسان والعدالة وحق الشعوب في البقاء على أرضها وصون هويتها وكرامتها.

أعادت شهادة نادين ماينزا أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي قضية عفرين وسري كانيه إلى الواجهة، وفتحت من جديد ملف الفصائل المسلحة المدعومة من تركيا والانتهاكات التي ارتبط اسم عدد منها بالمناطق الكردية في شمال سوريا. لكن القضية بالنسبة للكرد ليست مجرد شهادة أمام الكونغرس الأميركي، ولا موقفاً سياسياً عابراً يصدر من واشنطن. إنها قضية شعب اقتُلع قسم من أبنائه من أرضه، وفقد كثيرون منازلهم وممتلكاتهم، وتعرضت مناطقهم لتحولات سكانية واجتماعية خطيرة خلال سنوات الحرب.

عفرين وسري كانيه… لا يمكن شرعنة نتائج القوة

ما حدث في عفرين منذ عام 2018، وفي سري كانيه منذ عام 2019، لا يمكن أن يتحول مع مرور الزمن إلى أمر واقع مقبول. عودة السكان الأصليين إلى مدنهم وقراهم ليست منّة من أحد، بل حق لا يجوز التفاوض عليه. ومن حق كل مهجّر أن يعود إلى منزله وأرضه بأمان وكرامة، وأن يستعيد ممتلكاته، وأن يعيش من دون خوف من فصيل مسلح أو جهة أمنية أو من استولى على ملكيته. وأي مشروع سياسي لسوريا المستقبل يتجاهل هذه الحقوق إنما يؤجل الصراع ولا يحله.

المسؤولية التركية لا يمكن تجاهلها

لا يمكن مناقشة واقع عفرين وسري كانيه من دون الحديث عن مسؤولية تركيا السياسية والعسكرية عن الفصائل التي دعمتها ومولتها ومكّنتها من السيطرة على مناطق واسعة من شمال سوريا. لقد كان لأنقرة نفوذ مباشر وواسع على هذه الفصائل، ولذلك فإن عليها مسؤولية سياسية وأخلاقية في ضمان عودة المهجرين، وإنهاء الانتهاكات، وإعادة الممتلكات إلى أصحابها، وعدم السماح بتحويل الوجود العسكري الذي فرضته الحرب إلى تغيير دائم في هوية المناطق وتركيبتها السكانية. وإذا كانت تركيا تتحدث عن الاستقرار ووحدة سوريا، فإن أول اختبار لهذا الخطاب هو ضمان عودة أهالي عفرين وسري كانيه إلى أرضهم بحرية وأمان.

دمشق أمام امتحان حقيقي

وفي الوقت نفسه، لا تستطيع الحكومة السورية أن تعلن انتهاء مرحلة الفصائل ثم تستوعب البنية نفسها بأسمائها وقياداتها ونفوذها السابق. دمج الفصائل في مؤسسات الدولة لا يمحو الماضي، وتغيير اسم الفصيل أو رقمه العسكري لا يعفي أي شخص من المسؤولية عن الانتهاكات التي تثبت بحقه. وإذا أرادت دمشق بناء دولة تحترم مواطنيها، فعليها إخضاع جميع التشكيلات المسلحة لسلطة القانون، وإبعاد كل من تثبت مسؤوليته عن جرائم وانتهاكات عن المواقع العسكرية والأمنية، وفتح المجال أمام تحقيقات مستقلة ومحاسبة قانونية عادلة. لا يجوز أن يُطلب من الضحية أن تنسى، بينما يحتفظ من انتهك حقوقها بالسلاح والسلطة والنفوذ.

أين الحركة السياسية الكردية؟

لكن المسؤولية ليست مسؤولية دمشق وأنقرة والمجتمع الدولي وحدهم. هناك سؤال يجب أن نطرحه على أنفسنا نحن الكرد أيضاً: أين الموقف الكردي الموحد من عفرين وسري كانيه؟ لا يكفي إصدار بيان عند وقوع اعتداء، ثم الانتقال بعد أيام إلى قضية أخرى. على الأحزاب والقوى السياسية الكردية، وفي مقدمتها المجلس الوطني الكردي، وكذلك القوى الكردية الموجودة ضمن مؤسسات الإدارة الذاتية وقسد، أن تجعل قضية المهجرين واستعادة الممتلكات وحماية الوجود الكردي في مناطقه التاريخية قضية مركزية لا تخضع للخلافات الحزبية. كما تقع مسؤولية على كل شخصية كردية تشارك في المؤسسات السورية الجديدة، سواء في البرلمان أو الحكومة أو الجيش أو المؤسسات المدنية. الموقع السياسي ليس امتيازاً شخصياً؛ إنه مسؤولية.

رسالة إلى حكومات الدول التي تقتسم كردستان

إن القضية الكردية لا يمكن التعامل معها في كل جزء بمعزل عن الأجزاء الأخرى، ولا يجوز أن تبقى حقوق الكرد رهينة حسابات أمنية وحدود رسمتها الصراعات الدولية. إن حكومات تركيا وسوريا والعراق وإيران مطالبة بالتعامل مع الشعب الكردي بوصفه شعباً أصيلاً له حقوق قومية وسياسية وثقافية مشروعة، وبالانتقال من سياسات الإنكار والضغط والصهر إلى الاعتراف والشراكة والحلول الديمقراطية. وما يجري في عفرين وسري كانيه يجب أن يكون إنذاراً بأن الاستقرار الدائم لا يصنعه تغيير السكان أو فرض الوقائع بالقوة، وإنما العدالة والاعتراف المتبادل وضمان الحقوق.

لا مصالحة من دون عدالة

يمكن للسوريين أن يتصالحوا، بل يجب عليهم أن يفعلوا ذلك إذا أرادوا إنقاذ بلدهم. لكن المصالحة الحقيقية لا تعني دفن الجرائم ولا مطالبة الضحايا بالصمت. المصالحة تبدأ بالاعتراف بما حدث، وإعادة الحقوق، وضمان العودة، ثم المساءلة وفق القانون. ولا يجوز تحميل المكونات والشعوب مسؤولية جرائم الفصائل. فالعربي ليس مسؤولاً عن جريمة ارتكبها فصيل عربي، كما أن الكردي ليس مسؤولاً عن تجاوزات أي قوة كردية. الصراع يجب ألا يتحول إلى صراع بين الكرد والعرب. المشكلة هي مع من ارتكب الانتهاك، أياً كانت قوميته، ومع المنظومة التي سمحت له بالإفلات من المحاسبة.

المطلوب موقف كردي يتجاوز البيانات

المرحلة المقبلة تتطلب من الحركة السياسية الكردية الانتقال من ردود الفعل إلى استراتيجية واضحة: توثيق الانتهاكات والممتلكات المصادرة، متابعة ملفات المهجرين قانونياً، التواصل مع المؤسسات الدولية، والضغط السياسي من أجل ضمان العودة الآمنة، ورفض تثبيت أي تغيير ديموغرافي فرضته الحرب. كما يجب إدراج قضية عفرين وسري كانيه ضمن أي مفاوضات تتعلق بالحل السياسي والقضية الكردية ومستقبل الدولة السورية. فالقضية الكردية ليست مجرد لغة أو إدارة أو مقاعد في البرلمان؛ القضية تبدأ من الإنسان ومن حقه في أرضه وبيته وكرامته.

سوريا الجديدة لا تُبنى فوق مظالم قديمة

إن شهادة نادين ماينزا مهمة لأنها تعيد تسليط الضوء دولياً على قضية يحاول البعض التعامل معها باعتبارها من ملفات الماضي. لكن عفرين ليست من الماضي، وسري كانيه ليست من الماضي، والمهجّر الذي لا يزال يحمل مفتاح منزله وينتظر العودة ليس جزءاً من الماضي. إنهم جميعاً جزء من حاضر سوريا ومستقبلها. ولهذا فإن معيار نجاح أي سلطة سورية جديدة لن يكون في عدد الفصائل التي استطاعت دمجها، ولا في عدد الاتفاقيات التي وقعتها، بل في قدرتها على إعادة المواطن إلى منزله وحمايته، وإخضاع السلاح للقانون، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته عن الانتهاكات.

خاتمة

إن هذه الرسالة موجهة أولاً إلى الرأي العام الكردستاني كي تبقى عفرين وسري كانيه حاضرتين في الوعي والوجدان والعمل السياسي، وموجهة كذلك إلى حكومات الدول التي تقتسم كردستان: إن السلام والاستقرار لا يتحققان بإنكار القضية الكردية أو بتجزئتها أو بإدارة نتائج القوة، وإنما بالاعتراف بالحقوق والعدالة والشراكة. لا سوريا جديدة بعقلية الفصائل القديمة، ولا استقرار مع استمرار التهجير، ولا مصالحة بلا عدالة، ولا عدالة من دون عودة الحقوق إلى أصحابها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى