
عندما يدخل الموروث الاجتماعي إلى الحزب
قراءة في أزمة التجديد داخل الحركة السياسية الكردية في سوريا
برزان علي
منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي وحتى اليوم، مرّت الحركة السياسية الكردية في سوريا بمراحل كثيرة. تغيرت أسماء الأحزاب، وانقسمت تنظيمات، وظهرت قيادات جديدة، وتبدلت التحالفات والشعارات والظروف الإقليمية والدولية. ومع ذلك، عندما ننظر بعمق إلى طريقة التفكير وإدارة الخلاف والعلاقة بين القيادة والقاعدة، نجد أن بعض الأنماط القديمة ما زالت تتكرر.
وهنا ينبغي ألا نكتفي بالسؤال: لماذا لم تتطور الأحزاب؟
ربما علينا أن نطرح سؤالاً أعمق:
هل يستطيع الحزب أن يصبح مؤسسة حديثة إذا كان الإنسان الذي يديره لا يزال أسير بعض أنماط التفكير الموروثة؟
الحزب لا يبدأ من الصفر
عندما يدخل الإنسان إلى حزب سياسي، لا يترك تربيته وثقافته وعاداته خارج باب الحزب.
إنه يدخل حاملاً معه ما تشكّل في الأسرة والقرية والحي والمجتمع: نظرته إلى الكبير والصغير، إلى السلطة، إلى الاختلاف، إلى النقد، إلى المرأة، إلى الآخر، وإلى معنى الطاعة والزعامة والمكانة الاجتماعية.
فإذا نشأ الفرد في بيئة تعتبر نقد الكبير إساءة، فقد يجد صعوبة لاحقاً في نقد المسؤول الحزبي.
وإذا تربى على أن الاعتراف بالخطأ ضعف، فقد يصبح من الصعب عليه، عندما يصبح قائداً، أن يقول أمام رفاقه: أخطأنا في هذا القرار.
وإذا تعلّم أن الخلاف مع الشخص يعني الخصومة معه، فقد يحمل هذه الثقافة إلى الحزب، فيتحول الاختلاف السياسي من نقاش بين رؤيتين إلى صراع بين أشخاص وجماعات.
وهنا تبدأ المشكلة البنيوية.
قد تتغير الشعارات ويبقى السلوك
يمكن للحزب أن يغيّر برنامجه واسمه وشعاراته، وأن يتحدث عن الديمقراطية والمؤسسات والتجديد، ولكن ذلك لا يكفي إذا بقيت الثقافة الداخلية على حالها.
فالمؤسسة الديمقراطية لا تُبنى بالنظام الداخلي وحده.
هي تحتاج إلى إنسان يستطيع سماع الرأي المخالف، وقائد يقبل المساءلة، وعضو لا يرى الطاعة العمياء فضيلة، وهيئة تستطيع تغيير قرارها عندما تثبت التجربة أنه كان خاطئاً.
ولهذا يمكن أن نجد أحياناً مفارقة مؤلمة: خطاب حديث، ولكن أدوات إدارة قديمة.
نتحدث عن الديمقراطية خارج الحزب، بينما نضيق بالنقد داخله.
نطالب المجتمع بالاعتراف بحقوقنا، بينما قد نعجز عن الاعتراف بحق رفيقنا في الاختلاف.
ننتقد الاستبداد السياسي، لكن بعض أشكال الثقافة السلطوية قد تتسلل إلى علاقاتنا التنظيمية من دون أن نشعر.
لماذا يخاف الحزب من الاعتراف بالخطأ؟
ما ينطبق على الفرد ينطبق، بدرجة ما، على التنظيم.
قد تتبنى قيادة سياسية موقفاً لسنوات طويلة. ثم تتغير الظروف، وتظهر تجربة تثبت أن جزءاً من ذلك الموقف يحتاج إلى مراجعة.
هنا يصبح الاعتراف صعباً، لأن السؤال يتحول من: ما الموقف الصحيح الآن؟ إلى: ماذا سيقال عنا إذا اعترفنا بأن موقفنا السابق كان خاطئاً؟
وهكذا يصبح الدفاع عن الماضي أحياناً أقوى من التفكير في المستقبل.
لكن الحزب الحي ليس الحزب الذي لا يخطئ.
الحزب الحي هو الذي يمتلك آليات لاكتشاف أخطائه وتصحيحها.
فالاعتراف بالخطأ السياسي ليس انهياراً للهيبة. قد يكون دليلاً على النضج والمسؤولية واحترام الجماهير.
الانشقاقات ليست دائماً علاجاً
ومن الظواهر التي تحتاج الحركة الكردية إلى دراستها بجدية كثرة الانقسامات والانشقاقات التي عرفتها عبر العقود.
لا يمكن تفسير كل انقسام بسبب واحد، ولا يجوز وضع جميع التجارب في سلة واحدة؛ فقد كانت هناك خلافات سياسية وتنظيمية حقيقية وظروف قمع وتدخلات خارجية وتحولات إقليمية.
لكن يبقى السؤال ضرورياً:
كم مرة حاولنا معالجة الخلاف داخل المؤسسة قبل أن يتحول إلى انقسام؟
إذا كانت ثقافتنا السياسية لا تعرف إلا خيارين: أن توافقني أو تفارقني، فلن نبني مؤسسة ديمقراطية مهما كانت برامجنا جميلة.
المؤسسة الحديثة هي التي تستطيع أن تضم داخلها آراء مختلفة، وتحول الاختلاف إلى طاقة لإنتاج القرار، لا إلى سبب دائم للتخوين والانقسام.
من حزب الأشخاص إلى حزب المؤسسة
الحركة السياسية الكردية اليوم بحاجة إلى مراجعة لا تقتصر على البرامج والتحالفات والمواقف السياسية. إنها بحاجة أيضاً إلى مراجعة الثقافة الحزبية نفسها.
هل القرار تصنعه المؤسسات أم الأشخاص؟
هل يستطيع العضو أن ينتقد قيادته من دون خوف على مستقبله التنظيمي؟
هل تتغير القيادات وتُفتح الطريق أمام الأجيال الجديدة؟
هل تُقيّم المسؤوليات على أساس الكفاءة والإنجاز أم على أساس العلاقات والولاءات؟
وهل المؤتمر الحزبي مكان حقيقي للمحاسبة والتغيير، أم مجرد مناسبة لتجديد ما هو موجود؟
هذه الأسئلة قد تكون أكثر أهمية من تغيير اسم حزب أو إضافة مواد جديدة إلى نظامه الداخلي.
التجديد يبدأ من الإنسان
إذا أردنا أحزاباً كردية مؤسساتية وجماهيرية تستعيد ثقة الناس، فلا يكفي أن نطالب بتغيير القيادات وحدها.
يجب أن يتغير أيضاً مفهوم القيادة.
القائد الحديث ليس الأب الذي يعرف كل شيء، ولا الزعيم الذي يجب أن يوافقه الجميع. وظيفته إدارة مؤسسة، والاستماع إلى الخبرات المختلفة، وصناعة القرار الجماعي، وتحمل المسؤولية عندما يفشل القرار.
وفي المقابل، العضو ليس تابعاً. هو شريك في المؤسسة، وله حق السؤال والنقد والمحاسبة، وعليه أيضاً واجب احترام القرار الديمقراطي والعمل ضمن المؤسسة.
وهنا نعود إلى جوهر مشروع «بناء الإنسان»:
لا نستطيع بناء حزب ديمقراطي بإنسان يخاف السؤال، ولا مؤسسة حديثة بعقل يعتبر النقد إهانة، ولا حركة جماهيرية بقيادة تخشى مراجعة نفسها.
لقد دفعت الحركة الكردية ثمناً كبيراً عبر عقود من النضال، وقدمت تضحيات لا يجوز إنكارها أو التقليل منها. لكن احترام هذه التضحيات لا يعني تقديس التجربة بكل أخطائها.
بل ربما يكون أفضل وفاء لها هو أن نسأل بشجاعة:
ماذا فعلنا بشكل صحيح؟ أين أخطأنا؟ ماذا انتهى زمنه؟ وماذا يجب أن نبني للأجيال القادمة؟
فالماضي يمنحنا التجربة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى سجن.
والحزب الذي يريد أن يقود مجتمعاً نحو المستقبل، عليه أولاً أن يمتلك الشجاعة لكي يغيّر نفسه.
وهنا يصبح تحرير العقل من الخوف والموروث الجامد ليس قضية فلسفية فقط، بل شرطاً من شروط تجديد الحركة السياسية الكردية وبناء مؤسسات يثق بها الشعب.






