عودة المبعوث الأمريكي الجديد إلى شرق الفرات.. ما المطلوب منه بالضبط؟

علي تمي/ كاتب وسياسي

بعد أن أحرزت المفاوضات بين المجلس الوطني الكُردي وحزب “الاتحاد الديمقراطي” وملحقاته السياسية تقدماً على الصعيد السياسي والإداري، وعودة المبعوث الأمريكي الجديد إلى شرق الفرات ولقائه مع (المجلس الوطني الكُردي وقيادة قوات سوريا الديمقراطية) المعنيّان بالمفاوضات، يعيد الأمل والطمأنينة إلى نفوس الملايين من الناس الذين ينتظرون معرفة مصيرهم بفارغ الصبر ..

من المعروف بأنّ الأمريكان يرغبون من خلال رعاية هذه المفاوضات انتزاع ورقةٍ تفاوضيةٍ من الروس في سوريا ، أمّا الهدف غير المباشر فهو إنشاء منطقة ( عازلة ) للمدنيين في شرق الفرات لاعتبارات إنسانية ، تتعلّق بنواياها و طموحاتها المستقبلية في سوريا ، فهذا بمجمله يفوق قدرات الحركة الوطنية الكُردية في سوريا ، ولا يمكن لأحدٍ مسّها أو التقرّب منها لأية اعتباراتٍ سواءً كانت داخلية أو خارجية فهي تفوق قدرات الجميع .

“العمال الكُردستاني” والأجندات المتداخلة في الصراع السوري .

كان متوقّعاً للكثير من المراقبين بأنّ حزب “العمال الكُردستاني” تختلف أجنداته تماماً عن ما “يُطبَخ ” في شرق الفرات على يد “قسد “، فمعظم المحلّلين يتّفقون، أنّ هناك مصلحة كُردية مشتركة على إنجاح المفاوضات ، لكنّ هذا يتناقض مع مصالح “العمال الكُردستاني” في سوريا ، بمعنى أنّ وضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق المرتقَب بين الكُرد، وإدراج بندٍ خاص فيه يدعو صراحةً جميع كوادر هذا الحزب إلى مغادرة المناطق الكُردية في سوريا هو بمثابة (محرقة ) لحاضرهم قبل ماضيهم ومستقبلهم ، وهنا يكمن مربط الفرس !؟ والأخير لا يجد نفسه مجرد( جمعية خيرية) ، حتى يذهب لنداءات الآخرين ويخرج عندما تنتهي المهمة !؟ ولا حتى يقبل على نفسه أن يكون مجرد ( مرتزقة أو مأجورين) لتنفيذ أجنداتٍ ميدانية على الأرض لقاء مكاسب مالية واقتصادية ، والأبعد من كلّ ذلك ، فإنّ هذه المنظومة معقّدة في هيكليتها التنظيمية والعسكرية ، وهناك عدة أطرافٍ في المنطقة تقوم (بتوليفها) وفق مصالحها وغاياتها المشتركة ،كما تتحكّّم العديد من الدول بقراراتها من بينها إيران ، من هنا يمكننا القول: إنّ حزب “العمال الكُردستاني” لا يمكن أن يتنازل عن مكاسبه العسكرية في سوريا لصالح تركيا ، أو إرضاءً لسياسة واشنطن في المنطقة ، وبالتالي وجد نفسه بين نارين ، نار (الروس والايرانيين ) ، فكلما انتزعت موسكو مدينةً من (قسد ) تحت التهديد التركي ( يقولون: هل من مزيد !!؟ ) بينما واشنطن هي الأخرى تقلقها هذه الممارسات والتلاعب مع استحقاقاتها في سوريا ، وتجد ذلك غير متوازنٍ ومنطقياً فهي أي ( واشنطن) لن تسمح لأحد أن يشاركها “الوليمة” أو يتقاسم معها المكتسبات على الأرض ، وبناءً عليه ،فإنّ خيارات” العمال الكُردستاني ” في سوريا باتت محدودة ، فتارةً (قسد ) تخرج أو تحاول الخروج عن الطاعة ، وتارةً أخرى ، تصغي لتوجيهاتها وأوامرها ( التكتيكية) فتصبح في موقفٍ محرج أمام الأمريكان وبقية الأطراف الكُردية ، فافتعال أزمة ( شنكال) لم ينبع من فراغٍ ، فهدفه الأول هو محاولة الطعن في المفاوضات في شرق الفرات أو محاولة الهروب إلى الأمام (إن صحّ التعبير ) ، ولتوجيه أنظار الرأي العام إلى قضيةٍ ثانوية أخرى، بهدف وقف ( مهزلة) المفاوضات لأنها في نهاية الحلقة ستطيح به وبتواجده في سوريا ، وبناءً عليه ، من الطبيعي أن يحرّك أدواته في سوريا ك ( فوزة يوسف ، و آلدار خليل ) للنيل من الاستحقاقات في شرق الفرات ولضرب الجهود المبذولة من قسد حول توحيد الصف الكُردي بعرض الحائط .

خيارات واشنطن الجديدة في شرق الفرات

بعد سيطرة الديمقراطيين عبر صناديق الاقتراع على البيت الأبيض والجدل القائم داخل ( المجمع الانتخابي) ، وكان ذلك مفاجئاً للكثير من الأوساط السياسية ، ومراكز الأبحاث ، فسياسة الرئيس ترمب كانت تستند على ( مَن يدفع أكثر) خدمةً للناخب الأمريكي الذي صوّت له في بداية الأمر وخاذله فيما بعد حتى لقّبوه ب ( البطة العرجاء) ، بالمقابل هذه السياسة أفقدت واشنطن مصداقيتها وهيبتها في الشرق الأوسط ، والأسوأ من كلّ ذلك أن تُفاجئ “الديمقراطيين” الجميع و تُقدِم على بيع ما تبقّى من الأراضي السورية بيد (المعارضة) للروس ، ومناطق سيطرة (قسد) للأتراك ، فبالعودة إلى سياسة ( الحمائم )- الديمقراطيين – الذين دعموا الحرب على العراق عام 2003، وكان ( جون بايدن) هو نفسه صاحب مشروع تقسيم العراق إلى مناطق فدرالية، لكنه تراجع عن مواقفه فيما بعد ، وأيّد انسحاباً أمريكياً من أفغانستان في 2010، وأصبح لا يحبّذ وجوداً عسكرياً ثقيلاً في العراق وسوريا ،. فهو يؤيّد ( أي بايدن) كما قال في المناظرات (التي ألقاها سابقاً )إبقاء قوة عسكرية خاصة في سوريا ، لكنه مع ذلك سيحاول تمييز نهجه عن نهج إدارة ترامب في شرق الفرات بعد نجاحه في الانتخابات الرئاسية الأمريكية .

ما علاقة “عين عيسى” و”شنكال” بالمفاوضات الكُردية؟

يبدو أنّ روسيا تجد في نجاح المفاوضات الكُردية – الكُردية تجاوزاً لطموحاتها وهيبتها في سوريا، رغم استقبال خارجيتها للوفود الكُردية السورية ،وبشكلٍ دوري مدّعيةً بأنّ واشنطن” تكذب” في وعودها لهم ،

و تحريك إيران لورقة ( شنكال) قبل اانطلاقة مركبة (بايدن ) نحو الشرق الأوسط، وتحريك موسكو لورقة ( عين عيسى ) وسلاح ( الاجتياح) التركي على طاولة لقاءاتها مع قسد ، توحي ومن دون شك ، أنّ المستهدف المباشر من تحريك هذه الأوراق كلها في المنطقتين المذكورتين ،هو مشروع واشنطن في شرق الفرات، وتحديداً المفاوضات الكُردية ، فالأخيرة لن تسمح لأحدٍ أن يشاركها الفريسة ( وهذه من طبعها التاريخي ) بينما موسكو تجد في نفسها أنها خُذلتْ وخرجت من ( المولد بلا حمص ) فموسكو ترى أنّ واشنطن فرضت قبضتها على المناطق الاستراتيجية في سوريا وتركت لها مهمة إدارة البلديات في درعا وحلب و ( كشرطي مرور لقسد حول كوباني والدرباسية ) ، وضبط إيقاعات المليشيات الشيعية في ديرالزور !؟ وكلّ ذلك بناءً على مطالب أو أوامر “تل ابيب ” لها ، وبناءً على ماذُكِر ، تجد موسكو إلى جانب إيران نفسها في موقفٍ ضعيف للغاية ، فتستنجد بالورقة التركية للضغط على واشنطن في “عين عيسى” و لاانتزاع بعض المكاسب في شرق الفرات ، بينما طهران هي الأخرى تجد نفسها محرومةً من الذهب (الأسود، والأبيض، والأخضر ) في سوريا بعد أن قدّمت وضحّت بالآلاف من مرتزقتها كوقودٍ لأجنداتها في سوريا .

الخلاصة : موسكو وطهران لن تسمحا لواشنطن بتناول “الفريسة” في شرق الفرات بمفردها ، فإمّا أن تتقاسم معهما أو تمنحان الضوء الأخضر للأتراك بالتدخل العسكري في “عين عيسى” كمرحلةٍ أولى ، الدرباسية وكوباني كمرحلةٍ ثانية ، وعلى الجبهتين أنقرة تجد نفسها مستفيدةً من التناقضات القائمة بين موسكو وواشنطن في شرق الفرات فهما يزرعان ( المحصول) وفي الختام أنقرة تحصد دون تردّدٍ بحكم سياستها الهادئة و الدقيقة ،فيما يتعلّق بالتعامل مع موسكو وواشنطن حول الملف السوري ، فيبقى عامل الوقت ومدى جدية المبعوث الأمريكي الجديد إلى شرق الفرات ، هو الكفيل بتحديد مسار وبوصلة الأحداث وتوجّهها نحو تحقيق أهداف ااستراتيجية في المنطقة ، أو أن تجرّّ المنطقة نحو دوّامةٍ و صراعٍ جديد وشاملٍ لا يُحمد عقباه.

 

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “281”

تمت قراءتها 231 مرة

قد يعجبك ايضا