غوغل ودونكيشوت وكورونا

العالم يجتمع كلّه على حماية الإنسانية من شرّ كورونا

مرح البقاعي

أعلنت واشنطن رسمياً حالة الطوارئ الوطنية! وخرج الرئيس دونالد ترامب في اليوم التالي للإعلان ليطمئن الشعب الأمريكي من طرف مناصريه، (وليخيّب آمال الطرف الآخر من خصومه)، معلناً نتيجة الفحوصات التي أجراها طبيب البيت الأبيض على حالته الصحية والتي أثبتت أنه خالٍ من فايروس “كوفيد – 19” المعروف عالمياً باسم كورونا.

أما الولايات المتحدة القابعة ما وراء المحيط فقد دخلت منذ إعلان حالة الطوارئ الوطنية في عزلةٍ كاملة عن جاراتها على الضفة الأخرى من الأطلسي في القارة الأوروبية بعد أن حظرت لمدة 30 يوماً على الأقلّ حركة الطيران المدني القادم إليها من دول القارة كافة، تلك الدول التي احتلّت المرتبة الأولى لجهة انتشار الفايروس من حيث السرعة وعدد المصابين بعد أن انحسر الانتشار في الصين، منشأ الفايروس، بشكلٍ ملحوظ.

وإذا كانت حركة التنقّل البشرية قد أصيبت بالشلل الجزئي بين القارات، وهي ليست أفضل حالاً على مستوى البلد الواحد وبين الأحياء والشوارع في بعض المدن الأكثر تضرّراً وصل إلى منع التجوّل الإلزامي فيها درءاً لخطر انتشار كورونا، فإنّ الحركة العولمية الأكبر الآن تجري عبر وسائل التواصل الاجتماعي حيث أدّى العزل الاختياري أو الإجباري للناس للجوئهم إلى المنازل تجنّباً للاختلاط واحتمال العدوى، وأصبح التخاطب عبر الإنترنت هو الوسيلة الأكثر أمناً للتواصل والعمل عن بعد دون الاتصال المباشر بالأشخاص.

لقد كان الغياب الافتراضي للحدود نتيجةً حتمية لنظامٍ جديدٍ معولم واكب ظهور الإنترنت منذ بداية اكتشافه حين كان حكراً على القلة القليلة من المؤسسات والمراكز الحكومية والرسمية، إلى أن أصبح اليوم مادة يومية متاحة كالماء والهواء، وحاجة خدمية مثل الحاجة للكهرباء والدواء، وغدا في متناول البشرية في أصقاع الأرض، وبأسعارٍ يكاد كلّ فردٍ في العالم قادراً على تسديد فواتيرها.

حملت العولمة أدواتها معها حين أحلّت نظام القرية العالمية الواحدة الذي يلغي الحدود المعرفية بين أهل الأرض كافةً، ويشجّع الأفراد على عبور الحدود الجغرافية للتعرّف وجهاً لوجهٍ إلى الثقافات التي اجتازت الحدود الافتراضية إليهم بدايةً.

في مقدّمة أدوات العولمة ومن أهمّها كانت تقنية الإنترنت وما ولّدت من أفكار خلّاقة تحوّلت بسرعةٍ قياسية إلى مؤسسات عملاقة لخدمة البشرية كمحرّك البحث غوغل، ومواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر وإنستغرام وغيرها.. أما التسوّق العولمي فحدّث ولا حرج، وقد اتضحت قيمته خاصةً في هذه الأيام من حال “الاحتباس المنزلي” الذي نعيشه خلال زمن جائحة كورونا. فالتسوّق عبر الإنترنت من الأسواق الرقمية العالمية الضخمة مثل أمازون وإيبيه وولمارت ارتفع إلى أقصى طاقته كما تشير أسهم هذه الشركات العابرة للحدود ضمن حركة أسواق المال، مقابل هبوطٍ هائل في شركات أخرى كالطيران المدني نتيجة حظر السفر الذي أعلنته العشرات من الدول والتي أغلقت مطاراتها لمدة 15 يوماً على الأقلّ.

وإذا كانت العولمة في بعدها الاقتصادي – من منظور أصحاب فكر الانغلاق والتقوقع على الذات – ليست سوى أداةٍ في يد الدول القوية والمهيمنة بهدف السيطرة على الدول ذات القدرة الاقتصادية الضعيفة أو النامية لإخضاعها للسوق العالمية واحتكار مقدّراتها من خلال الشركات الكبرى العابرة للحدود، فإنها وفي شقّها التجاري والخدماتي تعني أيضاً تبادل وانتقال الخدمات والمنتجات والسلع للمستهلك العولمي بيسرٍ و بأسعارٍ تنافسية يفرضها السباق المتواصل بين المنتجين على كسب الزبائن من خلال خفض الأسعار.

كما أنها في شقّها المؤسساتي والمالي تساعد على انتقال رؤوس الأموال بشكلٍ مقونن، وضمن اتفاقات مرعية، ودون حواجز أو عوائق، ما ساهم في تأسيس تجارة دوليّة حرّة لعبت دوراً بارزاً في رفع المستوى المعيشي للأفراد، وفي توظيف الموارد الاقتصادية العالمية بأقصى طاقتها، ناهيك عن انتقال الخبراء والمختصّين بيسرٍ بين المؤسسات المعولَمة من أجل رفع سويّة الخدمات وتبادل الأخصائيين وتحفيز الإنتاج العالمي. ولولا هذا الاقتصاد المعولم لما كان بالإمكان في ظروف كورونا والعزلة المنزلية المفروضة على الملايين من مواطني الدول الأكثر تضرراً بالجائحة، مثل إيطاليا واسبانيا وألمانيا والولايات المتحدة وكندا، من شراء حاجاتهم اليومية عبر الإنترنت دون مغادرة المنزل، وهذا ما نصحت به التعليمات الرسمية لمنظمات ومعاهد الصحة المحلية والعالمية بالاعتماد على التسوّق عن بعد تلافياً للتماس المباشر بين الأفراد في مراكز التسوّق، ما بإمكانه أن يساعد في الحدّ من انتشار عدوى كورونا.

أما العولمة السياسية، فهي من خلال إيجابياتها قد ساهمت في نشر الحريات المدنية على اختلاف مظاهرها كحريّة الفكر والتعبير والاختيار والعقيدة، وكذا حق تشكيل الأحزاب والمشاركة السياسية في الحكم؛ ووصلت منافع العولمة السياسية إلى نشر مبادئ وأصول الحياة الديمقراطية في الدول الأكثر تعصباً وانغلاقاً ودكتاتوريةً، وزعزعت المستبدّين في معاقلهم، وساهمت في سقوط الأنظمة الظلامية والتوتاليتارية مبشّرةً بولادة مجتمعاتٍ ديمقراطية حداثية بمعاييرها العولمية، ولو كانت الولادة متعسّرة في بعض الحالات كما حدث ويحدث في معظم دول “الربيع العربي” في الشرق الأوسط ولاسيّما في سوريا وليبيا واليمن.

ومن نافلة القول إنّ العولمة السياسية قد دفعت إلى قمة الاهتمامات الدولية، رسمياً وشعبياً، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اعتُمد في العام 1948 وتمّت ترجمته إلى 501 لغةٍ من لغات العالم كما تشير وثائق الأمم المتحدة، حيث أصبحت دساتير الدول الخارجة من نير الاستبداد والقمع والتغييب السياسي تُدرّج مبادءه في دساتيرها الجديدة العصرية، بهدف إشاعة السلم والسلام العالميين من خلال تحقيق العدالة الإنسانية.

فصل المقال يكمن في إعلان الرئيس الأميركي أنّ شركة غوغل تقوم بسرعةٍ قياسية على تطوير موقع على شبكة الإنترنت يعمل عليه 1700 خبيرٍ ومهندسٍ من فريق الشركة العملاقة بهدف تسهيل إجراءات اختبار الإصابة بفايروس كورونا للأمريكيين، مستخدمةً أحدث تقنيّاتها الرقمية، ريثما يتوصّل العلماء إلى إيجاد لقاحٍ فاعل للفايروس، وقد تمّت فعلاً أول تجربة بشرية للنسخة الأولى من لقاح كورونا في مخابر مدينة سياتل من ولاية واشنطن على أشخاص متبرّعين. كما قامت غوغل بالشراكة مع “منظمة الصحة العالمية” التابعة للأمم المتحدة ومركز “إعلام الخدمة العامة” في الولايات المتحدة بإعداد حملةٍ على الإنترنت للتوعية وإصدار الإرشادات والإجابة على أسئلة الأفراد حول كلّ ما يتعلّق بالوقاية من الإصابة بالفايروس والخطوات التي يجب اتخاذها لمن يُشتبه بإصابتهم، وذلك في سابقةٍ بأميركا يتشارك فيها القطاع الخاص مع القطاع العام بهدف حماية الإنسانية من شرّ كورونا، ذاك العدو المجهول الذي نحاربه اليوم كما حارب في الأمس القصيّ الفارس المغوار دونكيشوت طواحين الهواء!

مرح البقاعي

كاتبة سورية أمريكية

قد يعجبك ايضا