فزعة العشائر: سلاح الإدارة الجديدة في فرض رؤيتها على الشعب السوري
جوان ولي
لم تكن الأحداث الدامية التي شهدتها مناطق الساحل والسويداء مؤخراً مجرد موجة عنفٍ عابرة أو صراعًا أمنيًا محصورًا في جغرافيا بعينها، بل كانت لحظة سياسية مفصلية كشفت طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلتها سوريا، وهي مرحلة ابتكار وسائل جديدة للقمع الجماعي للمخالفين لها.
مع سقوط نظام بشار الأسد وصعود أحمد الشرع إلى رأس السلطة، ساد اعتقاد لدى الكثير من السوريين بأنّ البلاد على وشك دخول عهدٍ جديدٍ أقلّ قسوةٍ وأقرب إلى أحلام العدالة والمواطنة التي رفعتها الثورة السورية منذ أيامها الأولى.
غير أنّ الواقع سرعان ما صفع تلك التوقعات، لتتبيّن أنّ الإدارة الجديدة ليست سوى امتداد للمشروع القديم، بل وربما تعتبر نسخة أكثر براغماتية في إدارة القمع وتغليف الاستبداد بشعارات أصبحت مكشوفة.
أخطر ما كشفته الأحداث الأخيرة كان استغلال الإدارة الجديدة لما يُسمى بـ”فزعة العشائر”، التي تمّ توظيفها بشكلٍ ممنهج لقمع الدروز في السويداء، بعد سلسلة انتهاكات مشابهة في الساحل ، وإن كانت تحت مسميات أخرى مثل النفير العام أو محاربة الفلول أو الدعوة للجهاد من خلال استخدام منابر الجوامع.
لم تكن هذه التحركات مجرد استجابة تلقائية من مكونات اجتماعية، بل كانت عملية تجييش منظم بإشراف وتخطيط مركزي، ؛ هدفها خلق وهم “الدعم الشعبي” للسلطة، فيما هي في الحقيقة تسليح قبلي ضد مكونات بعينها، واستدعاء لآليات الثأر والفتنة الطائفية والجهوية.
إنّ تجنيد العشائر بهذا الشكل، وتحويلها إلى أداة قمع، لم يفتح فقط جرحًا عميقًا في النسيج الاجتماعي السوري، بل قضى على ما تبقّى من مفهوم الدولة.
فحين تتحوّل “الفزعة” إلى سياسة رسمية وتبارك ، تتراجع الدولة إلى مجرد كيان طفيلي يستند إلى الولاءات الجزئية، وتنهار فكرة القانون، لصالح منطق القوة والهيمنة والانتماء الضيق. والأخطر من ذلك، أنّ هذه المقاربة زرعت شعورًا بالغربة لدى فئات واسعة من السوريين، وعلى رأسهم أبناء السويداء، الذين وجدوا أنفسهم خارج الهوية الوطنية، ومستبعدين من الانتماء السوري نفسه.
ما جرى في السويداء ليس حدثًا منعزلًا، بل امتداداً لانقسامٍ بنيوي بدأ منذ عهد حافظ الأسد، وتمّ تكريسه في عهد ابنه بشار، ويعاد اليوم تدويره بأدوات مختلفة في عهد الشرع. هذا الانقسام لم يكن نتيجة الثورة، بل كان من مكونات النظام نفسه، الذي استخدم الفتنة و التفرقة كوسيلةٍ للبقاء، وجعل من نشر الحقد و التفرقة بين مكونات سوريا شرطًا من شروط استمراريته.
في هذا السياق، لا تبدو الإدارة الجديدة مهتمة بإعادة بناء سوريا، أو بتقديم نموذج حكم بديل. بل إنها، عبر “فزعة العشائر”، أظهرت بوضوح أنها تسير على نفس المسار، لكن بأدوات محسوبة بعناية. فهي تستخدم العشائر لإخماد الحراك في المناطق الخارجة عن السيطرة، وتضرب مكونات على حساب أخرى، وتعيد إنتاج منظومة السيطرة من خلال شبكات جديدة، لا تختلف من حيث البنية و الأسلوب عن الأجهزة الأمنية للنظام السابق.
لقد أنتج هذا النهج شرخًا حقيقيًا في مفهوم الوطن لدى قطاعات كبيرة من السوريين ، و لعل ما طالب به أهل السويداء بتاريخ 16.08.2025 من حق تقرير المصير ليس إلا دليل حقيقي على مدى أحساسهم بالغربة في وطنهم بعد ما تعرّضوا له من ظلم و قتل على يد الجهة التي كان من المفروض أن تقوم بحمايتهم.
كيف يمكن لمواطن أن يشعر بالانتماء إلى دولةٍ تموّل من يهاجمه؟ أو أن يؤمن بوطنٍ يشرعن الاعتداء عليه؟
إنّ هذه السياسة لا تنزع الشرعية فقط عن الإدارة الجديدة، بل تُفكّك الرابط الوطني نفسه، وتجعل من فكرة “العيش المشترك” مجرد وهمٍ، لا يصدّقه من يعيش واقع الاستهداف الممنهج.
في ظل هذه الاحداث و المتغيرات، لم يعد الحديث عن إصلاحات أو مؤتمرات أو وحدة وطنية ذات معنى، اذا ما استمرّ على نفس النهج السابق، ولابدّ من العودة إلى نقطة البدء، وذلك بإلغاء الإعلان الدستوري، والدعوة من جديد إلى مؤتمرٍ وطني شامل لجميع المكونات السورية ، والخروج بإعلان دستوري يرتكز على بناء الدولة الجدبدة على أسس لا مركزية “فيدرالية”، تضمن الحماية المتوازنة لجميع الأطياف ، و توزيع عادل للثروة و السلطة، وتمنع التمركز القاتل للسلطة الذي دمّر البلاد.
رغم الألم، فإنّ في هذا الانهيار العلني شكلًا من أشكال الوعي الجديد. فالسوريون الذين اكتشفوا مبكرًا زيف الشعارات الفضفاضة، أصبحوا أكثر قدرة على تحديد أولوياتهم، وأكثر إدراكًا لحقيقة أنّ الاستبداد لا يُواجه فقط بالشعارات، بل بتأسيس مشروع وطني جامع، ينطلق من الاعتراف المتبادل بالحقوق، لا من محاولات الإلغاء والإقصاء.
ما جرى في الساحل والسويداء كان لحظة انكشاف حقيقة الجانب الذي يجب ان ينتبه اليه السوريون ، وأن يتحرّكوا لضمان حقوقهم ، وأن لا يعتمدوا على شعارات نظرية، وأن يعلموا أنّ ما حصل ليس مجرد كارثة، بل إنما هو جرس إنذار له جانب ايجابي، لضمان مستقبل أفضل للسوريين. وهو بقدر ما شكّل مأساة إنسانية، حمل أيضًا فرصة لفهم ما نحن مقبلون عليه.
فلا دولة تُبنى على الدم، ولا وطن يمكن أن ينهض من بين الركام، ما لم يكن العدل هو القاعدة، والمواطنة هي الرابط، والدستور هو الضامن و ضمان تحقيق العدل، وأرى أنّ النطام الفيدرالي هو المخرج الوحيد لبناء الدولة السورية الحديثة دولة المواطنة الحقيقية لجميع السوريين دون استثناء ودون تمييز.
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “335”






