فشل الكُرد في تقسيم العراق.. لكن من سيُوحده؟!

أحمــد الزاويتي

تشكل إقليم كُردستان العراق على أساس قرار من مجلس الأمن بحماية منطقتهم بعد أحداث تحرير الكويت من غزو الجيش العراقي له عام 1991، حيث انتفض وقتها الشيعة في جنوب العراق، ثم الكُرد في شماله، فأطلق الأمريكان يد الجيش العراقي الهارب من الكويت، ليقضي على انتفاضة الجنوب ويتوجه فورا نحو الشمال الذي لم يقاوم! فلم تزل كارثة حلبجة وقتها معلقة في الذهن الكُردي عندما استخدمت الأسلحة الكيماوية على المدنيين في حلبجة عام 1988 وقتلت 5000 مدني، ففضل الكُرد هروبا جماعيا تجنبا لكارثة مماثلة، وسُميت كُرديا حينها الهجرة المليونية، لتحصل كارثة من نوع آخر وهو موت المئات من الأطفال والعجائز بسبب الظروف الجوية من برد وثلج، ناهيك عن جوع..

حدث ذلك أمام مرأى الإعلام الدولي فهزّ ضمير المجتمع الدولي الذي تحرك ليصدر قراره رقم 688 الصادر في ابريل من عام 1991، بإعادة هؤلاء إلى مناطقهم وحمايتهم وإرسال الدعم الإنساني إلیهم من قبل المنظمات الدولية.. ليكون أول قرار يصدر من مجلس الأمن بحق الأكراد ولصالحهم، ومنذ ذلك الوقت برز موقع خاص لكُرد العراق يتميز عن بقية أجزاء العراق، تبلور تدريجيا لكيان شبه مستقل عن العراق سمي بـ (كردستان العراق) كان له برلمانه الخاص وحكومته، وكان النظام في العراق يتعامل وینسق معه كجزء منفصل عنه حتى قبل سقوطه عام 2003، استفاد إقلیم كُردستان من ذلك باعتباره بوابة العراق نحو الخارج عن طريق معبره الدولي إبراهيم الخليل مع تركيا، ساعد تشكيل هذا الوضع الخاص لكُرد العراق، قرارات خاطئة من بغداد كَرَد فعل على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 688، فأول هذه القرارات كان سحب النظام لإداراته من المدن الكُردية، بهدف إحداث فوضى في الإقليم! لكن ولملأ الفراغ الإداري أجريت انتخابات برلمانية ومن ثم حكومة ما أدى إلى تشكيل إدارة كردية منفصلة عن بغداد.

القرار الخاطئ الثاني الذي أصدرته بغداد كان إسقاط العملة العراقية!! تلك العملة التي كانت تسمى محليا بـ (الطبعة السويسرية) وهي كانت رصيد المرحلة الذهبية للاقتصاد العراقي، الهدف من القرار كان قتل الإدارة الكردية اقتصاديا، وإخلائه من أي عملة مالية ليرجع طوعا إلى بغداد، دون أن يعلم النظام بأنه يقتل نفسه اقتصاديا، وبأن الأمر كان عملية انتحار اقتصادي!! ما حصل هو العكس تماما، تعامل المجتمع الدولي فقط مع العملة العراقية (الطبعة السويسرية) التي أعلن العراق عن إسقاطها، ولم يتعامل مع العملة الجديدة التي سميت (بالطبعة المحلية)! فأصبحت عملة كُردستان هي العملة العراقية في عصرها الذهبي! ساعد ذلك أصحاب رؤوس الأموال العراقيين علی إرسال عملتهم (الطبعة السويسرية) إلى إقليم كُردستان كي لا يخسروها وليستمر التعامل بها.

تعامُلُ المجتمع الدولي مع هذه العملة بهذه الطريقة جعل من إقليم كردستان منطقة تجارة حرة وحلقة وصل بين العراق والخارج، دفع ذلك ليكون الإقليم أغنى منطقة مقارنة بغيرها من المناطق العراقية، بعدما كانت أفقرها، هكذا أصبحت لكُردستان إدارة منفصلة عن العراق، ولها عملتها الخاصة التي أصبح دينارها الواحد يساوي 250 دينارا عراقيا من العملة الجديدة (الطبعة المحلية)!! استمر الحال حتى احتلال أمريكا للعراق عام 2003، فأجبر الأمريكان كُردستان على العودة إلى بغداد لتشكيل نظام سياسي جديد ويكون الكُرد جزءا منه، للأسف لم تحاول القيادات الكُردية على إقناع الأمريكان بخطأ الخطوة، وجازفت بالمشاركة في اكبر تحدي وهو تشكيل نظام سياسي مع بعد صدام حسين! خاصة بعد حرب احتلال دمرت البنية التحتية في العراق!!

هذه كانت القشة التي كسرت ظهر البعير!! وكان الخطأ الاستراتيجي الكبير الذي ارتكبه السياسيون الكُرد، كان الأولى ألا ينظم الكُرد للعملية السياسية التي تشكلت ما بعد الاحتلال، وألا يجعلوا أنفسهم جزءا منها، كان الأولى أن يتوحد الكُرد في موقفهم، ويبلغون الأمريكان والمعارضة العراقية التي ستحل محل نظام صدام حسين، بأن لهم إدارة قائمة، ستنتظر تشكيل نظام بغداد السياسي ليبدؤوا مرحلة التفاوض معهم حول آلية العلاقة مع بغداد وحل المشاكل، مثلما كانوا في حالة تفاوض مع نظام صدام حسين دون أن يكونوا جزء منه، فلا يمكن أن تتفاوض مع نظام لحل مشاكلك معه وأنت جزء من ذلك النظام..!!

تلك كانت الخطوة الأولى لتراجع الانفصال الكٌردي الذي حصل واقعيا من عام 1991 واستمر حتى 2003، لم يدرك السياسيون الكُرد هذا الخطأ بل كانوا أكثر حماسة من الشيعة والسنة في تشكيل النظام السياسي الجديد، وعملوا على صون حقوقهم عبر الدستور العراقي الذي كان الكُرد هم العامل الأقوى لتمريره‌ دون أن يدركوا أن المشكلة ليس في الدستور بل المشكلة في إرادة حل المشاكل والقدرة على ذلك، فصدام حسين عندما منح الحكم الذاتي لكردستان العراق عام 1970 لم يكن يملك دستورا يوصي بذلك! لكن كانت هناك إرادة وكانت هناك قدرة على الفعل..

جلال الطالباني الكُردي الذي رأس العراق حتى وفاته اثبت انه كان أكثر حرصا من كل السياسيين العراقيين الآخرين شيعة وسنة على وحدة العراق وسيادته، وأكثر حرصا على وئد الفتنه‌ الطائفیة‌ وقتها بین الشیعة‌ والسنة‌، ناهیك عن أي مؤشرات لفتنه‌ عرقیة، وهو الذي عندما جلس على كرسي الرئاسة قال بأنه لبس الآن العباءة العراقية، وكثيرا ما وقف عائقا أمام محاولات مسعود البارزاني لإزاحة نوري المالكي رئيس الوزراء العراقي استجابة لمطالبة بغداد منه ذلك!

أما هشيار الزيباري وزير خارجية العراق لعقد من سنين ما بعد الاحتلال، كان أكثر وزير عراقي عمل من اجل إعادة العراق إلى محيطه العربي والإقليمي ونجح في ذلك، بعدما ابتعد العراق زمن نظام صدام حسين عن هذا المحيط، وهو الذي عمل جادا من أجل إخراج العراق من تحت طائلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، ونجح أيضا، لكن هل حُسب هذا لهذين الكُرديين؟! موقفيهما!! أم بقيا كرديين.. وسيبقيان كذلك..! كان الموت أسرع إلى الطالباني لينجو من إلقاء التهمة عليه فيما آل إليه الوضع العراقي، لكن الزيباري انتهى به الأمر بسحب الثقة عنه بتهم الفساد، لا أدافع عن الزيباري هنا، لكن السؤال هل كان وزراء الشيعة نزيهين إلى درجة ألا يتعرض أحد منهم لاستجواب او سحب الثقة عنه في مجلس النواب العراقي؟!

عندما تصر الأطراف العراقية غير الكُردية على أن كركوك عراقية وليست تابعة لكُردستان، ويعملون على ذلك، ويعطلون المواد الدستورية التي وضعت لحل تلك المشكلة، ألا يعني هذا أنهم لا يعتبرون كُردستان جزءا من العراق!! وإلا ماذا بشأن أربيل والسليمانية ودهوك وتلك هي المحافظات في إقليم كُردستان.. هل يتعبرونها غير عراقية؟!! عندما تشتد الخلافات الشيعية الداخلية في بغداد، تحاول الأطراف الشيعية إيجاد مبرر لابراز صراع مع كُردستان ليوحدوا صفهم الداخلي، ألا يعتبر هذا تعاملا تميزيا مع كُردستان يعرضه وكأنه واقعيا ليس جزءا من العراق؟!

عندما يريد طرف سياسي أو شخصية سياسية عربية في بغداد الحصول على أكبر عدد لأصوات الناخبين العرب العراقيين في أية عملية انتخابية، يُصعّد من لهجته ضد الكُرد وضد إقليم كُردستان، ألا يعتبر هذا تعاملا تميزيا خطيرا أيضا مع الكُردي والكُردستاني لإبلاغه رسالة بأنه ليس جزء من العراق، ويدفعه واقعيا نحو الابتعاد عن هذا العراق.

سرعان ما شعر الجانب الكُردي بخطر عودة التفرد بالقرار إلى بغداد، فسابقا كان بيد صدام حسين وحزب البعث، هذه المرة بيد الشيعة المدعومين إيرانيا، حيث كان هناك إبعاد متعمد للسنة وإضعافهم تدريجيا، وكذلك الكُرد، حتى وصل الأمر بالخروج عن التوافق بل ابعد من ذلك حیث قطعت الموازنة‌ عن الإقليم عام 2014، بل وتوقفت بغداد عن إرسال رواتب موظفي الإقليم! هذا ما دفع الجانب الكُردي إلى عملية الاستفتاء يوم 25 من ديسمبر عام 2017 لإبلاغ الرأي العام العالمي عن رغبته في الاستقلال عن هذا العراق، فليس هو العراق الذي أرادوه، لكن الإقليم رأى نفسه منفردا أمام إرادة إقليمية توحدت بالضد من الكُرد وسط صمت أمريكي وأوروبي في وئد حلم الاستقلال من جديد، وإحباط كُردي جديد بعد أن فقد ما يقارب نصف المناطق التي كانت تحت سيطرته ومن بينها كركوك.

للأسف لا يقف الأمر عند أحد خيارين حاسمين:

1- أما مع العراق وانتهى الأمر، ليبدأ عصر بناء هذا العراق بشراكة حقيقية، فهي دولة الكل وعلى الكل بنائها وحمايتها.

2- أو يصل الأمر إلى (أو تسريح بإحسان) العبارة التي قالتها القيادة الشيعية في العراق للوفد الكُردي المفاوض قبل الاستفتاء لتدفعهم بخطى متسرعة نحو الاستفتاء.. حيث اعتبر (الكُرد) ذلك موافقة ضمنية! دون ان يعوا أن أصحاب تلك المقولة كانوا يريدون أصلا سوءا بهم وبكُردستان من وراء ذلك.. كأنهم (القيادة الشيعية) كانوا يدركون نتائجها (الاستفتاء).. فلا يصل الأمر إلى هذا الانفصال بالتراضي.

بعد كل كرة، نرجع للمربع الأول، فها هو مقتل قاسم سليماني يعيد بالأمور إلى الانقسام الحاد والواضح بين الحاكمين الشيعة في بغداد وشركائهم في الحكم من الكُرد والسنة، فينفرد الشيعة وحدهم في قرار مصيري واستراتيجي ومستعجل عن إخراج القوات الأمريكية من العراق، فقط ترضية لإيران، وإيران تعطي درسا للمقاطعين عن جلسة التصويت على هذا القرار، بحرمانهم من التشكيلة الحكومية التي يعمل عليها المرشح محمد توفيق علاوي الذي لا يبدو حتى مستعدا للتفاوض مع الطرفين لتشكيل حكومته، ويبدو انه سيمررها دون الموافقة مع الطرفين، ليعطي إيحاء بأن حكومته ستتجاوز المحاصصة وهو حق يريد به باطل، فليس ذلك تجاوزا للمحاصصة بل تجاوزا للتوافق، وتفردا بالقرار..

لا يستبعد أن يكون الأمر مدبرا بليل لإحداث مشاكل جديدة مع الأكراد لتهدئة الشارع الشيعي المتظاهر بل المنتفض ضدهم والمطالب بإصلاحات، مبررين بخطر التهديد الكُردي على العراق وتقسيمه، دون ان يدركوا أن الكُرد قد فشلوا حتما في تقسيم العراق.. لكن السؤال: من إذن سيوحد العراق؟!!

مدونات الجزيرة

جميع المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر كتابها ولا تعبر بالضرورة عــن رأي يكيتي ميديا

قد يعجبك ايضا