في إعادة إنتاج الذات.. حزب الاتحاد الديمقراطي أنموذجاً

وليد حاج عبد القادر \ دبي

بغض النظر عن جميع المواقف والإرهاصات التي ظهرت كنتاج عملي لمجمل النكبات والخسائر التي أبدعت فيها منظومة PKK، والتي أضفت على غالبية أجزاء كوردستان وبخاصية مميزة في مناطقنا بهاءً لمقابر رخامية فخمة. هذه المقابر وعلى أرضية كل مظاهر الخلاف مع هذه المنظومة ومشتقاتها سيبقى ساكنوها من أنبل من نفتخر، ودماؤهم أوسمة مجتمعية مستدامة.

نعم، بغض النظر على وعن كل شيء، وبعد سقوط “سري كانييه وكري سبي” ومسلسلات ديار الشوك!، كنت أتوقع -كأنموذج- من السيد آلدار خليل “السيستمي” وصاحب نظرية -برخودانا سردمي- في ظهوره الأخير أثناء تشييع دفعة من الشهداء بمدينة قامشلو، أن يتعرج ولو بغمغمة أو التفاف على بعض من النقد التنظيمي في فن القيادة وأسلوب ومسلك التعامل الشخصاني مع الجميع وصوب المجتمع، وأن يتعرج خاصة على شخصيته وذلك الكم الفظيع الذي مارسه في بهرجة القرف ونشرها وسياسة القطيعية، والتي ارتكز فيها ولفترة طويلة على تقية سنظل -نحترم- ولكن؟.

وللأسف الشديد كان ذات الظهور وعين المنطق والديكور والاستعلاء بديماغوجية فظة. ذكرني بما قلته قبل فترة زمنية قصيرة لضابط طيار بزعم معارض اشتهر بمعاداته للكورد: ما زلت ترى بعين الطيار المنفصم عن الواقع لا تصحوا منها إلا حينما ترتطم إطارات طائرتك بأرض المطار، والمشكلة هنا هي أن غالبية قيادات “PYD” هم في ومن ذات الصنف والمستوى، وقد تثقفوا بذات الممارسة، والتي هي في الواقع أنموذج ممنهج في التدريب المسلكي الاستخباراتي سيفهمها كل من تعرض للاعتقال أو التحقيقات المتعسفة، والتي هي أشبه ما تكون بدورات يُجهز منتسبيها ويدربون على أساليب الشتم كرهاب لفظي (أسلوب آلدار خليل)، ومن ثم اللامبالاة في مواجهة الحقيقة أو نفيها مهما كانت واضحة، كموضوع “بيشمركة روج” وصالح مسلم حينما سُئل عن وضعهم، وإجابته المشهورة: من هم؟، أنا لم أسمع بهم؟، وأيضاً أنموذجي معاتبة الشعب في الانكسارات كما فعل مسؤول آسايشهم بقامشلو واتهام الشعب بمسؤولية عدم إيقاف شاحنة الموت بانفجارها المشهور وتوكيد “الجقمقدار” مراد قره يلان، بتحميل أهل كوباني مسؤولية تركها والفرار نتيجة لعدة فذائف تعرضت لها المدينة.

وهنا وبالعودة إلى السيد آلدار خليل، وظهوره الأخير في مدينة قامشلو. هذا الظهور ربما بانت عليه ملامح مختلفة لم يستطع مطلقاً إخفاءها، وإن كانت الغاية منها بدت واضحة أكثر، أجل، لقد أراد أن يوصل رسالة وبسلاسة ووضوح، وأن يسعى ليطمئن كل منظماته البينية المتشددة من “ستار” والمرأة والشهداء والشبيبة… إلخ،  والأهم فيها كانت هي ذات الرسالة الأعنف إلى كل من الأطر والكيانات التي تسعى أو ستحاول تجاوزهم -حتى البينية منهم- في أي خطوة إجرائية، سواء في اللقاءات الخارجية أو بناء العلاقات البينية، وعليه لنا أن ندرك أسباب وجود السيدة إلهام أحمد على رأس الوفد الخارجي، والتي قبضت على ذلك الملف بقوة ضغط قنديلي ممغنط.

إلا أن الصورة الأوضح لمجمل ما تسعى إليه المنظومة هو السعي الحثيث في محاولة البقاء بشرنقة الوجود، وذلك ضمن منطق -عسى ولعل- أن تعود داعش وتتنشط، فيعود لهم بعض من كثير مما فقدوه ولا أقول خسروه. إن مصيبة الأحزاب الراديكالية التي تعتاش على أنقاض شعارات أشبه ما تكون بالانشداه الديني –الجذب، أو تويني بالكوردية- يضاف عليه ظاهرة القطيعية وتربية الولاء الحتمي في تحول كل الهزائم وبمسميات لا يفهمها مطلقها، فتضاف كلها إلى انتصارات كونية وجماهيرها بالرغم من وضوح الحقائق.

ولكن، وبعقلية السمكة التي تبتلع الصنارة تلو الأخرى، وفي تلخيص شديد، أن ما تسعى إليه إدارة الأمر الواقع، وبعد كل المصائب التي أنتجتها، وخسارتنا لعفرين و”كري سبي” و”سري كانييه”، والأهم عشرات الألوف من شبابنا بين شهيد وجريح ومئات الألوف ممن هجروا، وبالتأكيد انعكس ذلك في الصميم عندهم بنيوياً أيضاً، وإن كان سيف الشرعية الثورية ومحاكم تفتيشها سيبقى مسلطاً فوق رؤوس الجميع.

هذه الحقيقة التي تشي، لا بل تظهر أيضاً أن رعب التصفيات البينية في صفوفهم يزداد يوماً بعد آخر، وهي مثار قلق حقيقي نتلقطه جميعاً، ونتمنى بالمطلق ألا تصل المرحلة فيهم إلى ذلك، وعليه فإن كل هذه المقدمات تفتح أمام المتابع لهذه المنظومة، أن يفهم ببساطة أمرين هامين: أولهما هو إبعاد غالبية الوجوه التي كرست كل جهدها في تعميق الشرخ البيني -وإن كان السيد آلدار نسفها كما أسلفنا وتعزز أكثر في الاحتفاظ بإلهام أحمد كتوكيد مطمئن أكثر لقنديل-، لا بل إن الاصح هو أن قنديل هي من لا تزال تحدد وتعين!، وتؤكد بجهارة: نعم، نحن ما زلنا هناك.

والأمر الثاني، والذي هو مثار استغراب حقيقي في الواقع، وذلك اللبوس الذي يتم فيه تقديم شخصية السيد مظلوم عبدي، ومن ثم طرحه مبادرته!. هذا التقديم والمبادرة اللتان تعيشان في دوامة من التناقضات، التي تذكرنا بحجم وقوة السلاسل التي تقيده من جهة، فيطرح ذاته كمؤسسة عسكرية وأنه يمثل مؤسسته “ق س د”، وعليه فهو إنما يعمل كوسيط، وهذه النقطة -الالتفافية بالذات- هي أولى الملاحظات التي سجلها على نفسه بنفسه، فكلنا يعلم من أي جهة جاء ومن أين، ومن كان يمثل قبل ظهور أو تشكل “ق س د”، ومعها كذلك نتذكر تلك المرجعية الأساس التي تطوق كل من في سويته بقبضات محكمة لا يستطيع حتى مجرد التنفس خارج نطاقيتها، وأعني بها المنظومة ودهاقنتها.

وعليه، فإن احتمالات تقديمه لشخصه كوسيط، هي فاشلة، وعزز هذا الأمر بعدم إقدامه/استطاعته على أي خطوة عملية تشجيعية ولعل أبسطها هو إطلاق سراح المعتقلين الكورد في سجونهم، والنقطة الأهم التي يرتكز عليها المتابعون لمبادرة مظلوم، والتي تتمثل أيضاً في شقين: أولها أنه طعم من صقور PKK من خلال PYD بهدف غرق الساحة الكوردية في التفاصيل لتضييع الوقت في انتظار -غوته- والظروف الدولية، ولهذا جاءت المبادرة باسم طاقمه العسكري والذي هو في الأساس ستكون نطاق عملهم على مبعدة 32 كم في عمق المناطق والمدن الكوردية، وبالتالي، وهذه ثانياً -لطالما أن مهام “ق س د” انحصرت وحددت في مناطق جنوب تلك المسافة وممنوع على وحدات الحماية وكل منظمات PYD العسكرية في التواجد ضمن تلك المنطقة، فهل علينا إذاً تفسير السبب الرئيس في محاولة السيد عبدي أن يتبوأ المشهد وفي تعويم صريح لعودة PYD وبغطاء سياسي وبشكل متدرج ليمارس مستقبلاً ذات العادة؟.

الكورد قالوها منذ زمن سحيق: -Kurmê şîrî ta pîrî-، هذا المثل الذي لا أتمناه كسياسة قاتلة ووأد لأي حلم كوردي، إلا أن المبادرات المفرغة من مضامينها في الأساس هي الأسرع دائماً في الكشف عن ذاتها، وهنا، أتمنى صادقاً أن تكون كل تكهناتي خاطئة.

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي Yekiti Media

قد يعجبك ايضا