في الانتقال إلى سوريا الجديدة
عبدالله كدو
منذ لحظة سقوط نظام الأسد، والحديث يدور حول مفهومَي الأكثرية والأقلية، لكن لا بدّ من القول إنَّ الأكثرية، سواء كانت سياسية أم طائفية أم قومية، هي صمام الأمان وعامل نشر الطمأنينة، خاصةً في بدايات تأسيس دولة المواطنة المتساوية الحقوق، التي لا بد أن تكون ديمقراطية ، وتعتمد مبادئ حقوق الإنسان.
وهنا يجب التذكير بأنَّ “اللامركزية”، بتعريفها الحقيقي غير المُشوَّه، هي الطريقة التي توفِّر قدراً أكبر من العدالة في توزيع السلطة والثروة، وتُمكِّن المجتمعات المحلية من المشاركة في تقرير مصيرها وإدارة شؤونها الإدارية والأمنية والخدمية.
ولابدّ من التساؤل: لماذا يتمّ تأجيج المخاوف من ميزة التنوّع القومي والديني والمذهبي والثقافي واستحقاقاتها الوطنية، طالما أنّ جميع السوريات والسوريين ـ ومنهم الكُرد الذين رفعت حركتهم السياسية منذ انطلاقتها شعار تمتين أواصر الأخوّة بين الكُرد والعرب ـ متمسكون بوحدة البلاد أرضاً وشعباً؟.
وهنا أجد من واجب العاملين في الشأنَين السياسي والثقافي عامة، والوزارات ذات الشأن خاصة، أن يقوموا بتسليط الضوء على مفهومَي اللامركزية والعلمانية بمعانيهما الحقيقية، حيث جرى تحريفهما على يد من لا تروق لهم الديمقراطية والتعددية التي تتسع لجميع السوريين بمختلف أطيافهم. فأولئك يريدون سوريا دولة أحادية دينياً وقومياً، لتكرار سياسات التفرد والإقصاء السابقة، هذا بعد أن كانت السياسة ممنوعة في سوريا طويلاً.
علماً أنّ برامج الأحزاب والتجمعات السياسية، مقرونة بجودة ومصداقية التطبيق العملي الذي يلامس مصالح الناس، هي التي ستدفع المواطنين إلى اختيار مرشحيهم، حيث لن يبقى الدين أو المذهب أو اللغة أو المنطقة أو القبيلة أساساً وحيداً في الاختيار.
وأضيف: لمصلحة مَن يتمّ زرَع الشك في وطنية القوميات غير العربية، والأديان والمذاهب غير الإسلامية السنية في سوريا، طالما أنّ جميع هذه المكوّنات تفصح عن حرصها على وحدة البلاد والعيش المشترك على قدم المساواة؟
من نافل القول أنّ الشعب السوري، عموماً، تعرَّض للاضطهاد على مدى أكثر من ستة عقود، ومنهم الكُرد الذين عانوا اضطهاداً مزدوجاً ،مرة سياسياً بحكم الاستبداد ، وأخرى قومياً عنصرياً تمثّل في سياسات التعريب والقوانين الاستثنائية التي كانت تهدف إلى الإقصاء والانصهار القسري.
مشروعية التخوف من السلطات:
انطلاقاً مما سبق، ينبغي على الإدارة السورية الجديدة أن تُدرك وتُقدِّر خلفية تخوّف السوريين وارتيابهم من السلطات الجديدة، طالما لم تتضح بعد ملامحها التي تبعث على الاستقرار، فضلاً عن حجم الانتهاكات التي ارتكبت بحق أبناء المكوّنات العلوية والدرزية والمسيحية خلال الأشهر الأخيرة والتجييش ضد الشعب الكُردي. إضافة لما كان قد ذاقه السوريون من قمع على يد الأنظمة البوليسية السابقة.
وعليه، فإنّ إطلاق الوعود المؤجلة بتحسين الأمن والخدمات وتوسيع المشاركة السياسية لا يكفي. فالحالة السورية تستدعي الحسم بإعطاء مؤشرات واضحة، حول التغيير، تُطمئن الناس وتخفّف من قلقهم، مع الإسراع في تنفيذ إجراءات عملية ممكنة بعيداً عن التسويف الذي يقدح ذاكرة السوريين المُترعة بخيباتهم السابقة.
فالقول الفصل في قضايا الشرعية ومفاهيم الأكثرية والأقلية والنزاهة والمحسوبية، هو الاحتكام إلى الديمقراطية التي تجبر الموظف المسؤول على أن يقف على مسافة واحدة من جميع المواطنين، ليقول: القانون السوري لا يسمح بذلك، بدلاً من اطلاق عبارات دينية أو قومية قد لا يتفق عليها جميع السوريون.
لذلك، ليس من الصعب على الحكومة السورية تنظيم انتخابات بلدية في عموم المدن والبلدات والقرى في أقرب وقت، وبأعلى درجات الشفافية، كمقدّمة تبعث على الاطمئنان، وتحدُّ من المخاوف من عودة التهميش والمحسوبيات.
كما يمكن فتح باب التطوع في سلك الأمن الداخلي / الشرطة، كمقدمة لبناء شراكة حقيقية تُشعر المواطنين بالأمان، وتبدأ مسيرة التعافي وإعادة الإعمار والتنمية.
توسيع المشاركة وتقدير الخصوصيات:
ما المشكلة إذا قرّرت الحكومة السورية المؤقتة الاجتماع مع الأحزاب والتيارات السياسية الوطنية، وفي مقدمتها ممثلو الحركة الوطنية الكُردية، نظراً لخصوصية القضية الكُردية وحساسيتها، للاستماع إلى مطالبهم وطمأنتهم على أنّ سياسات التعريب والتهجير والتمييز القومي قد توقّفت إلى غير رجعة، مع العمل على معالجة آثارها؟
إنّ أحد تجليات التمييز العنصري بحق الكُرد، على سبيل المثال، تمثّلَ في منع نقل قيود المواطنين الكُرد من مختلف المناطق إلى المناطق ذات الكثافة الكُردية، وخاصةً محافظة الحسكة التي شهدت مشروعي الحزام العربي والإحصاء الاستثنائي العنصريين، وفي المقابل منع نقل قيود المواطنين العرب من الحسكة إلى خارجها منعاً من أن تزداد نسبة الكُرد فيها أكثر، إضافة إلى منع تحويل مدينة القامشلي، كبرى مدن المحافظة ذات الثقل الكُردي المعروف، إلى محافظة جديدة، رغم المسافات الطويلة والمعاناة التي يتكبّدها أبناء المنطقة بسبب بعد مدينة الحسكة.
إنّ تقدير خصوصيات المكوّنات القومية السورية، من عرب وكُرد وتركمان وسريان آشوريين وشركس وأرمن، والمكوّنات الدينية من مسيحيين بطوائفهم المختلفة والإيزيديين، والمسلمين بطوائفهم من سنّة وعلويين وشيعة ودروز وإسماعيليين ومرشديين، لن يزيد سوريا إلا قوة ومناعة، ولن يزيد السوريين إلا مزيداً من الثقة بالدستور والقانون القائمَين على المساواة الحقيقية.
وفي الختام، أعتقد أنّ الحكومة المؤقتة بحاجة إلى منظومة سياسية وأمنية وعسكرية تُعلن أولوية الاحتكام إلى القانون و مبدأ الفصل بين السلطات، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع والتعددية بكل معانيها.
وعلى الإدارة الجديدة أن تُقرّ ـ قولاً وفعلاً ـ بأنّ إسقاط النظام السابق ليس سوى الحلقة الأولى من نجاح الثورة السورية، وأنّ الحلقات الأخرى لا تكتمل إلا بمشاركة ممثلي جميع السوريين، أفراداً وجماعاتٍ، في صنع القرار. وهذا يستدعي حواراً وطنياً واسعاً، للتوافق على تعديل الإعلان الدستوري وتأسيس مؤسسة تشريعية مؤقتة بطريقة مقبولة، تمهيداً لإعداد مسودة الدستور الدائم وطرحها على الاستفتاء الشعبي لتثبيتها ، ثم إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية تحظى بثقة الشعب السوري قبل المجتمع الدولي لإنجاز عملية الانتقال السياسي الحقيقي المنشود.
المقالة منشورة في جريدة يكيتي العدد 335






