آراء

في الجدل وهيمنة النرجسية الشخصانية (الشخصانية والتشظي التنظيمي)

وليد حاج عبدالقادر / دبي

في حديثٍ مع صديقٍ عزيز عاتبني بخصوص بعضٍ من مقالاتي ، التي رأى فيها تشعبات كثيرة ، لا خاصية محدّدة ، ونسي هذا الصديق مآلات العمر من جهة وبخريفه وتكرار المكرّر في الحدث السوري والكُردية منها بشكلٍ أخص ، وذلك الشعار – المثل الأومري ( أو إيزنكي من )*، وعطفاً على كلام الصديق وفي استذكار وتدوين بعضٍ من الشذرات التي رافقت بداية تشكل وعينا الذاتي كشخوصٍ.

وباختصار في عودة الى مرحلة التأسيس التنظيمي للحركة الحزبية الكٌردية، وبعد أقلّ من عقدٍ ونصف، وبالأخصّ ما تلى حالتين من الاعتقال لأعدادٍ كبيرة من قادة وكوادر وشخصيات قومية ذات شأن ( اعتقالات 1960 و 1967 ) ناهيك عن الحالات الفردية ، وبتصوري المتواضع أنّ تلك السنين هي الأرضية التي تشكّلت عليها قاعدة التشظي البنيوي من جهة ، ومعها الاختراقات الأمنية لا على أساس الشكل الكلاسيكي بقدر ما كانت اشبه بزراعة / صناعة أدوات استُخدمت لتفعيل وتنشيط الخلافات والتنافس على شعاراتٍ ورقية تتقاذفها طفرات الخريف في الفضاءات العبثية، مستولدةً معها طروحات وبيانات ومؤتمرات تجاوزت نسبياً مع طروحات ومنشورات – دار التقدم – ، كلّ ذلك جرت واستمرت كسرطانٍ أخذ يتضخّم تنظيمياً وتنمّراً سايكولوجياً لشخوصٍ أبدعت في صناعة الذات وباستغلالٍ فظيع لظاهرة الجهل والأمية، وضيق الأفق السياسي وبعض الشعارات المبهمة للغالبية العظمى لا من الجماهير فحسب، بل حتى في أعلى الهرميات الحزبية ، وبات بعضهم يستغلّ بعض الوجوه القيادية البارزة في تسويق غير المستوعب من المصطلحات وتطويبها جدالياً ، وليصبح ذات الأمر بالترافق مع شعبوية الاتهامات بالعمالة للجهات الأمنية كورقة جوكر، يظهرونها لحظة العجز في مجابهة الحقيقة.

هذه المرحلة وبكلّ بساطةٍ استمرّت وتضخّمت، وكانت كما أسلفت واحدة من أهم الركائز التي أنتجت وعينا التنظيمي بآفاقه السياسية ، وأسّست خارطتنا السياسية – التنظيمية من جهة وكذلك – فطاحلة – ذوي الطاقيات المخفية ولكنها المكشوفة مطلقاً ، ولم يمضٍ سوى فترة قصيرة على انقلاب حافظ أسد ومن ثم تنفيذه لكلّ المخططات التعريبية الشوفينية، أيضاً الاعتقالات بحق مجموعةٍ من قادة البارتي ، في حين ظلّ الآخرون يسرحون ويمرحون تحت بند مقارعة الممارسات العنصرية و .. لتشهد الحركة السياسية تنظيمياً بداية تمظهر ما سأسمّيه – شخصياً – بداية وصول الخلايا السرطانية إلى أقصى درجاتها، وأخذت بوادر التفتت والتشظي التنظيمي، وكلّ واحدةٍ منها تزخرفت بما هبّ ودبّ من طوباويات مخيالية لم ترتقِ أبداً لساعة اعتقال واحدة للقيادات والكوادر في أسوأ سجون النظام ، وفي الواقع وباختصارٍ مترافق بجملة اسئلة تجاوزت حدّ الظن ، كانت تتخاطر في أذهاننا كجيلٍ شاب خاصة مع الطفرة التعليمية في أواسط سبعينيات القرن الماضي، بعد تطبيق حافظ أسد لقانون التعليم الإلزامي وتوسيع وتسهيل القبول في الجامعات ، فظهرت نواة لفئات متعلّمة ، او ما يمكن تسميتها بالمتعلّمين لا المثقّفين، هذه الطبقة اتخذت طابعاً شللياً، واتخذت الشهادات التعليمية سلالماً لترتقي عليها ولكن – بكلّ أسف – وكبرجٍ عاجي ارتكزت على مجمل الخروقات، أو ما يمكن تسميتها بالهذيان الأيديولوجي والمصطلحي واللعب على المفردات المهجّنة ، والأهم فيها اعتماداً على منشّطات النظام وتحفيزاتها للانشطارات التنظيمية، هذه الحالة – شخصياً – والتي عشتها مستغرباً وبذهولٍ في تجربة البارتي بعد استقدام العرب المغمورين وبداية استيطانهم في بقاعنا ، هذه الحالة التي كانت تستوجب وحدة في الموقف السياسي لولا لهّاية النظام وبراعة حافظ أسد ومعها اخذ الجليد الهشّ يتكسّر ومعها سلسبيل الانشقاقات في صفوف مَن تسمّوا باليسار ، والبارتي الذي كان – وبكلّ مصداقية – مازال المستهدف الأول ! ..

نعم ! لقد أخذت وبالتدرّج بعض ممّا أراه شخصياً مقدمات لمفاصل وكعناوين حقوقية وفكرية تتسرّب إلى الشارع السياسي، وحاول بعض القادة – ولا يزالون – بحكرها وربطها بشخوصهم ، وفي عسفٍ عملي / حقيقي وتجاهل لابل واستخفاف بالطاقات التي برزت وسعَت بكلّ جهدٍ في الارتقاء بالوعيين التنظيمي والسياسي ، إلا أنّ المقاصل كانت تعمل وبطاقاتٍ مذهلة في الإبعاد الممنهج لتلك الطاقات ودفعها هرباً أو : أن تتكفّله ماكينة حلقة الأقوى في التشويه الممنهج وأبسط التهم كانت – عميل الأمن – ! . إذن ؟ هي عوامل كثيرة أوجِدت وتمّ تفعيلها لجعل الحركة الحزبية الكُردية مطوّقة وبفعالية يتحكّم النظام بها ( بنظر غالبية المستنكفين أو غير المنظّمين ) وأخذت تستخدم كوسيلة تهرب وكسلاح تهجم وتشكّلت مجموعات وحلقات شللية رأت في كامل الحركة القومية الكُردية مجرد قاعٍ من الجهل وتخبطات رغم الكمّ الهائل من التجارب والدروس و النضالات والاستهدافات التي حصلت ، ولكن ؟ وبكلّ أسفٍ تناسى هؤلاء جهلاً أو تقصّداً ، بأنّ هذه الحركة هي في الأصل نتاج أو منسوب تدفق لمؤسسات ساهم في تأسيسها قادة ثورات وكتّاب وشعراء ظلّوا في وعيهم يجسّدون رؤى ومنابر في الفكر القومي الكُردي ، ولكن سطوة وطغيان النظم ومن تعاونوا معهم سخّرت كلّ إمكاناتها إن في القضاء أو تشويه سمعة تلك القامات وكمثال : هل سندرك الآن مَن كان د ، نورالدين ظاظا وسويته الفكرية / الأكاديمية ؟ و : هل مارس سطوته العلمية والفكرية على حزبٍ كان ولازال قاعدتها الجماهيرية الأمية كانت في الغالب ؟ .. أم أنّ المناضل عثمان صبري والذي سخّر كلّ حياته في النضال لنيل حقوق الشعب الكُردي وعانى من النظم التركية والسورية الأمرّين من اعتقالٍ وتشريد ، وبقدرة قادر يتحوّل إلى عميلٍ للمخابرات التركية ! وهو ذاته القامة الثقافية، وليسعى بعض من تلامذته فيتهمونه بمؤتمر ويعيدون إليه ( الإعتبار ) في مؤتمر ؟؟!! آخر ! .. موضوع أقرّ شخصياً بأنه شائك وطويل ويحتاج فعلاً لاستنطاق مَن بقي حياً من معاصري تلك الفترة ، وأيضاً الجرأة في تناول إحداثيات المرحلة بروح تدوينية وبمنهجية توثيقية بعيداً عن الولاءات الشخصانية والحزبية.

هذه المقدمات إن استطاع المهتمّون بالفعل توثيقها كهدف أساس – أثق شخصياً – بأنّ قبعة التخفي والتي تمزّقت في الأصل ستكشف بسهولة ما لم يبقَ – مطلقاً – خافياً ، بالرغم من كلّ الكهنوتيات التي استجلبت ومزجت عنوةً في سعيٍ للهيمنة على عقول المتحزّبين وانتاج قطيعيات مرياعية لانزال ندفع ضريبتها غالياً ..

– يتبع – …

* إيزنكي من:مثل من جبال مردين وتطلق على المتزمتين في النقاش والجدل البيزنطي الدائرة في حلقات مفرغة تلف وتدور .

مقالات ذات صلة

التعليقات

زر الذهاب إلى الأعلى