
في الذكرى العاشرة لمجزرة كوباني: بين الغدر والصمت والعدالة المؤجلة
نجم الدين كياض
تمرّ اليوم الذكرى العاشرة لما يُعرف بـ”مجزرة ليلة الغدر” في مدينة كوباني، تلك الجريمة البشعة التي هزّت ضمير المجتمع الكردي والسوري والإنساني عامّة. عشر سنوات مضت ولا تزال الحقيقة غائبة، والعدالة مؤجلة، والدماء التي سُفكت لم تجفّ من ذاكرة من نجا، أو من لا يزال يعيش على أمل كشف المستور.
في ليلة 25 حزيران عام 2015، تسللت مجموعات مسلحة إلى داخل المدينة في ساعة متأخرة من الليل. بحسب الرواية الرسمية من إدارة الأمر الواقع، والتي ما زالت تتستر على الجريمة منذ عشر سنوات دون الكشف عن الحقيقة الكاملة. ونتيجة لغياب الشفافية في الملف، يُقال إن المهاجمين كانوا تابعين لتنظيم داعش الإرهابي، أو ما يمكن تسميتهم بـ”دواعش الليل”. وقد ارتكبوا المجزرة بدم بارد، في ليلة ظلماء وهم ملثّمون، فاجأوا السكان الآمنين في بيوتهم، فقتلوا العشرات من نساء وأطفال ورجال، دون تمييز أو رحمة.
لكن بعد مرور عقد من الزمن، لا تزال الأسئلة عالقة بلا أجوبة شافية: لماذا لم يتم حتى الآن الكشف الكامل عن ملابسات الجريمة؟ ولماذا لم يُحاسب أي من منفّذيها أو مخطّطيها أمام القضاء؟ وهل صحيح أنه تم اعتقال بعض المتورطين كما أُشيع؟ وإذا كان ذلك صحيحاً، فلماذا لم تُجرَ محاكمات علنية؟
الأمر الأكثر إيلاماً هو أن صمت ما يسمى بالإدارة الذاتية في كوباني حول ما جرى لا يُفسّر إلا بأحد احتمالين: إما خوفها من عواقب كشف الحقيقة، أو تورطها في التستر المتعمّد عليها. وإن كان الهدف المعلن من هذا الصمت هو الحفاظ على “الاستقرار”، فإن هذا الصمت نفسه يُهدّد استقرار المجتمع، ويعيد إنتاج المظلومية والكراهية والانقسام.
العدالة ليست مجرد شعار يُرفع في المناسبات أو بيان يُتلى في الذكرى. العدالة موقف وسلوك وأخلاق والتزام دائم بتحمّل المسؤولية. فكيف يمكن الحديث عن العدالة في ظل هذا الصمت الرسمي المريب؟ ولماذا لم تُشكّل حتى الآن لجنة تحقيق مستقلة من شخصيات حقوقية وقانونية نزيهة؟ وأين دور منظمات المجتمع المدني والنخب الثقافية والسياسية في المطالبة بالحقيقة؟ وأين أولئك الذين يرفعون شعارات العدالة الاجتماعية ليل نهار؟
وأين كان المجلس الوطني الكردي من هذه الجريمة؟ لماذا لم تُدرج مجزرة كوباني وحيثياتها في أجندة مؤتمر وحدة الصف والموقف؟ أم أن المجلس غير معني بها ما دام هناك تفاهم بينه وبين الإدارة؟ على المجلس أن يجعل من كشف حقيقة مجزرة ليلة الغدر أولوية قصوى لاستعادة ثقة الشارع وإحقاق العدالة.
إن المأساة لا تكمن فقط في عدد الضحايا، بل في الطريقة التي تُدفن بها الجرائم الكبرى في متاهات السياسة والمصالح الضيقة. هناك عائلات لم تحصل حتى على شهادة وفاة رسمية لأبنائها. وهناك أطفال نجوا من المجزرة، لكنهم يعيشون بلا دعم نفسي أو اعتراف رسمي بما عانوه.
وما يزيد الجرح عمقاً هو التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي للإدارة الذاتية الذي يزعم تمثيل قيم الحرية والكرامة والعدالة، وبين ممارساتها التي تشبه – في هذه القضية تحديداً – أنظمة القمع التي ثارت عليها الشعوب. فإن كانت هذه الإدارة حقاً “إدارة شعبية” كما تدّعي، فأين هي من نبض هذا الشعب الذي ما زال ينتظر كلمة حق واحدة؟
كما تقع مسؤولية أخلاقية وتاريخية على أبناء المدينة الذين يتولون مناصب قيادية في الإدارة. فالصمت عن الحق، أو التواطؤ مع الجريمة، أو الخوف من قول الحقيقة، كلها أشكال من الخيانة لذاكرة الشهداء والمفقودين. والمؤسف أن بعض هؤلاء ما زالوا يختبئون وراء الولاء لجهات أو شخصيات نافذة، بدل أن يواجهوا الحقيقة بشجاعة.
إن ذكرى مجزرة #ليلة_الغدر في كوباني ليست مناسبة للندب، بل هي محطة للمراجعة الجادة، ومناسبة لإعادة تقييم المسار السياسي والأمني في المدينة. فما لم تتحقق العدالة في هذه القضية، فإن الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم ستظل هشّة ومشوّهة. ولا يمكن بناء مستقبل آمن ومستقر دون مواجهة الماضي بكل تفاصيله المؤلمة.
آن الأوان لخروج الحقيقة من دائرة التعتيم، وأن يتحدث كل من يعرف شيئاً، وأن تتحرك مؤسسات العدالة – إن وجدت فعلاً – نحو كشف كل المتورطين ومحاسبتهم علناً وبشفافية كاملة، بعيداً عن المزايدات السياسية والاستغلال الإعلامي.
في الذكرى العاشرة للمجزرة، وبعد سقوط نظام الأسد وتشكيل الحكومة الانتقالية الجديدة في دمشق، وبموجب الاتفاقية الموقعة بين رئيس الحكومة الانتقالية وقائد قوات سوريا الديمقراطية، نجدّد الدعوة لتشكيل لجنة من القانونيين والحقوقيين لفتح تحقيق شامل في هذه الجريمة، على غرار ما حصل في الساحل السوري وجنوب سوريا. وهذا أقل ما يمكن أن تقدّمه الحكومة لأبناء مدينة كوباني، وهو واجب قانوني وأخلاقي في طريق تحقيق العدالة. ويجب أن يكون التحقيق مستقلاً وشفافاً، بمشاركة فعاليات المجتمع المدني والشخصيات الموثوقة التي تملك معلومات ووثائق عن المجزرة.
هذا ما يضع الحكومة والإدارة الذاتية أمام مسؤولياتهما التاريخية في كشف الحقيقة الغائبة منذ عشر سنوات. إنها البداية الحقيقية للمصالحة مع الشعب والتاريخ، ولمحاسبة كل من قصّر أو تواطأ أو تَستّر. لأن صمتكم – أيها المسؤولون – هو جريمة موازية للمجزرة ذاتها. وعلى كل القوى السياسية والحقوقية والاجتماعية الفاعلة أن تضغط من أجل تشكيل لجنة تحقيق مستقلة وعلنية، وأن تتحمل مسؤوليتها التاريخية في إنصاف الضحايا ومحاسبة الجناة، واستعادة الثقة إلى قلوب أنهكها الألم. فإذا صمتّنا اليوم، فقد نستيقظ غداً على مجازر جديدة… لن نجد حتى الدموع لتبكيها.






