في الرد على جمال سليمان حول سؤال المواطنة ومقترح الفدرالية في سوريا

هوشنك أوسي

عقب رحيل الانتداب – الاستعمار الفرنسي والإنكليزي، ثمّة تجارب مريرة وأليمة في بناء وإدارة الدولة في الشرق الأوسط، أبزر تجليّاتها ظهور أنظمة شموليّة ودمويّة، جعلت المواطن يترحّم على أيّام الفرنسيين والإنكليز. معارضات النظم الشموليّة في هذه المنطقة، هي أيضاً كانت وما زالت شموليّة النزعة والذهنيّة على أكثر من صعيد، ولم يغطِ على ذلك؛ التراشق بالمزايدات بين المعارضة والنظام؛ على أن أيّهما أكثر حرصاً على الدولة والشعب بالشعارات والتنظيرات والمواقف. ويمكن أن نجد اختلافات وتناقضات فظيعة ورهيبة بين النظام والمعارضة في تركيا أو سوريا أو العراق أو إيران، لكن هذه الأنظمة ومعارضاتها، متّفقة في جزئيّة القضيّة الكرديّة وشيطنة الحلول الناجعة لها، بما ينسجم مع القوانين والشرائع الدوليّة. والحال هذه، يمكن القول: إن تلك المعارضات، كانت مشتقّة من الأنظمة الحاكمة وليست منشقّة عليها، ورافضة تركتها الذهنيّة والسياسيّة ومعاييرها ومقاييسها في معالجة القضايا الداخليّة والوطنيّة. وعلى امتداد تاريخها، لم تنتج المعارضة في منطقة الشرق الأوسط، ما ينافس ويتجاوز إرث وتركة الأنظمة التي عارضها. ومثلما سقطت الأنظمة وفشلت في ما يتعلّق بقضايا الأقليّات القوميّة، كذلك فشلت وسقطت معارضاتها في نفس المحكّ والامتحان الوطني والديمقراطي هذا، ما يشير ويؤكّد أن تلك المعارضة كانت تصارع النظام على السلطة وحسب، ولم تقدّم برنامجاً حضاريّاً ديمقراطيّاً وطنيّاً ناجزاً يناقض ويعارض النظام، ويتجاوز برنامجه وتركته في شكل وأسلوب إدارة الدولة ومقدّراته، ويعارضه ويتجاوزه في البنية الفكريّة والمؤسسيّة والدستوريّة التي كانت تمنح النظام ذلك التفويض والتبرير والشرعنة في إدارة الدولة والمجتمع على منهجه الشمولي والمركزي قوميّاً أو دينيّاً أو طائفيّاً، أو كل ذلك مجتمِعاً. وعندما أقول معارضة مشتقّة من النظام، لا يمكنني في أي حال من الأحوال، إنكار وجود معارضين، خارج هذا السياق، لديهم أفكار مختلفة، وطنيّة وديمقراطيّة، بكل ما للتوصيف من معنى ودلالة.

لا أعرف متى سيقتنع بعض المعارضين السوريين، الليبراليين قبل اليساريين أو القوميين أو الإسلاميين، بأن الفيدراليّة ليست صنو الانفصال، لا على مستوى اللفظ والفهم، أو على مستوى الاصطلاح؟! ذلك أن مفهومي الفيدراليّة والانفصال على طرفي نقيض تماماً، لجهة المعنى والدلالات. لا أعرف على ماذا يستند هؤلاء في شيطنتهم للفيدراليّة أو الحكم الذاتي داخل سوريا؟! لا أعرف، ولا أفهم متى سيقتنع المعارض السوري أو الموالي لنظام الأسد، أن الدول الفيدراليّة هي أرقى أشكال الدولة الوطنيّة أو دولة المواطنة والمؤسسات والقانون والدساتير فوق الجميع؟! حين أقرأ وأسمع تصريحات بعض المعارضين السوريين أو أقطاب ورموز النظام أو المثقفين المحسوبين على الطرفين، أخال أنَّ المواطنين في بلجيكا أو سويسرا أو أمريكا أو ألمانيا…، لا يعيشون في دول مواطنة، بل في دول مهزوزة وقلقة ومرعوبة ومفخخة!؟ وعليه، وكأنّ دولة المواطنة لدى هؤلاء المعارضين السوريين، هي الخالية من أي توجّه نحو نظام الأقاليم المنفتح على الحكم الذاتي أو الفيدراليّة أيضاً.

وربما يقول أحدهم: الاتحاد السوفياتي ويوغسلافيا السابقتين كانتا من الدول الفيدراليّة، وتفككتا. فليسمح لي أن أضيف عليه؛ كذلك يمكن القول: إن السلطنة العثمانيّة التي استمرّت قرابة 400 سنة، والدولة الأمويّة والدولة العباسيّة، كانت تنطوي على أيضاً على أشكال من نظم الحكم والإدارة الفيدراليّة، ولو بصيغ متخلّفة (نظام الولاة والولايات التابعين للخليفة). لكن الشكل الفيدرالي لإدارة الحكم والدولة في أيّة دولة، صغيرة كانت أم كبيرة، يلزمه نظام حكم ديمقراطي تعددي، غير قائم على الخليفة، أو الأب القائد، أو الحزب الواحد؛ القائد للدولة والمجتمع كالحزب الشيوعي السوفياتي أو الحزب الشيوعي اليوغسلافي. ذلك أن النظم الشموليّة المركزيّة التوتاليتاريّة لا يمكنها إنتاج وإنضاج وحماية النظم الفيدراليّة، بقوّة الأمن والجيش والحزب، بل بالحريّات والعدالة الاجتماعيّة والسياسيّة والتنمية الاقتصاديّة.

مناسبة ما تمّ ذكرهُ أعلاه، التعريجُ على ما يجري الآن من حوارات ومداولات في جنيف ضمن أعمال اللجنة الدستوريّة حول صياغة دستور جديد للبلاد، والمتابعات الصحافيّة والتحليليّة وكميّة التصريحات ومقالات الرأي المصاحبة لذلك. وعلى سبيل الذكر لا الحصر، ما صرّح به الفنان والسياسي السوري المعارض جمال سليمان لـ “بروكار برس” يوم 30/10/2019[1]، حيث قال: “أرى أن الفيدرالية لا يمكن أن تطبّق في سوريا، وموقفي من ذلك واضح، ولن تنفع وتقود للانفصال، وفي الوقت نفسه يجب أن ننتبه أيضاً إلى أن الدولة المركزية لن تنفع أيضاً في سوريا، نحن بحاجة إلى قدر كافٍ وفعال من اللامركزية”. طبعاً، هكذا حكم وموقف، ينبغي أن يستند على أرضيّة رصينة وقويّة من القرائن والخبرات والتجارب التي تثبت وتؤكّد أن الفيدرالية، “لا تنطبق على سوريا، ولا تنفع، وتقود للانفصال“. والأستاذ سليمان مطالب، ومن يوافقه الرأي والموقف، بإبراز البراهين والقرائن التي تدعم موقفهم ورأيهم، لئلا يُفهم؛ أنه إطلاق كلام على عواهنه، غير مشفوع بالأدلّة والحجج والبيّنات الاجتماعيّة والقانونيّة والجغرافيّة والديموغرافيّة والسياسيّة.

طبقاً للتصوّر الذي طرحه سليمان لسوريا المستقبل، ولا اختلف فيه معه بـ “أن تكون سوريا دولة ديمقراطية، غير طائفية تقوم على التعددية السياسية والمواطنة المتساوية بغض النظر عن الدين والجنس والعرق، مع الاحترام الكامل وحماية سيادة القانون والفصل بين السلطات واستقلال القضاء والمساواة الكاملة بين جميع المواطنين والتنوع الثقافي للمجتمع السوري، وصيانة الحريات العامة بما في ذلك حرية المعتقدات”. طبقاً لهذا التصوّر، يجب إزالة الإحالة القوميّة (العربيّة) من اسم الدولة، وإعادة الاسم إلى ما كان عليه قبل مجيء البعث “الجمهوريّة السوريّة”. ويجب إزالة المادة التي تشير إلى أن دين رئيس الدولة الإسلام، ورفض تحديد جنسه. وأن يتضمّن الدستور الاعتراف الواضح والصريح بأن الشعب السوري يتكوّن من مزيج من الشعوب؛ العرب والكرد والسريان والتركمان والأرمن والشركس، وأن حقوق هذه المكوّنات الثقافيّة والسياسيّة والإداريّة مصانة في الدستور، ضمن وحدة البلاد.

وإذا كانت “الضمانات هي المرجعيات الدوليّة” بحسب ما ورد في تصريح سليمان، فإنه يحقّ للكرد في سوريا، تقرير مصيرهم، ضمن سوريا أو خارجها، طبقاً لمبدأ حق تقرير المصير الوارد في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان وفي العهدين الدوليين. وإذا طرح الكرد حقهم في الفيدراليّة، داخل سوريا، لا يمكن اعتباره خروجاً عن القوانين الدوليّة، بل يُعتبر تنازلاً عن حقهم في الانفصال. وإذا طرحوا الحكم الذاتي، كذلك لا يمكن اعتباره خروجاً عن القوانين الدوليّة، بل هو تنازل عن حقهم في الانفصال والفيدراليّة. وإذا طرحوا حقّهم في الإدارة الذاتيّة المحليّة، فهذا أيضاً، يعتبر تنازلاً عن حقهم في الانفصال والفيدراليّة والحكم الذاتي معاً. لكن، أن يتم مطالبة الكرد بالتنازل عن حقهم في الاعتراف الدستوري بوجودهم كشعب ضمن سوريا، بحجّة الالتزام بدولة المواطنة، لأن مفهوم دولة المواطنة لا يستقيم إلاّ ما نفي أو تجاهل أو التعمية على التنوّع القومي للنسيج الاجتماعي السوري، وإيفاء استحقاقات هذا التنوّع الوطنيّ والديمقراطيّة الوطنيّة عند هؤلاء المعارضين، فهذا ما لا طاقة لي على فهمه وهضمه أو تفسيره أيضا، ليس لأنني كردي سوري، بل لأن ذلك يسقط كل الكلام البرّاق عن دولة المواطنة والحقوق والقانون التي تقف على مسافة واحدة من جميع مكوّنات الشعب السوري! إذ لا توجد دولة مواطنة حقّة، لا تعترف دستوريّاً بهويّات مواطنيها القوميّة والثقافيّة.

وإذا كان الأهم من المرجعيات الدوليّة هي “الضمانات التي نمنحها لبعضنا كسوريين” على حد وصف وتعبير سليمان، فأعتقد أنه لا يشير إلى الأقاويل والضمانات القائمة على المشافهة أو التصريحات الإيجابيّة و”تبويس اللحى والمجاملات والتطمينات اللفظيّة والوديّة”، بل يقصد البنود الواضحة والصريحة التي لا تقبل اللبس والتأويل ضمن الدستور العتيد المأمول والمرتقب.

يبدو أن مفهوم المواطنة لدى النظام والكثير من أطياف المعارضة السوريّة قائمٌ على التنازل عن الحقوق القوميّة الجماعيّة والفرديّة أيضاً. فأنا كسوري، من حقّي أن يتم الاعتراف بوجودي القومي وبهويّتي الثقافيّة واللغويّة في دستور بلدي، كحقّ من حقوقي الفرديّة، قبل أن يكون حقّاً عامّاً يخصّ كل جماعة أهليّة سوريّة تختلف عن الأخرى، ومنصوصاً عليه أصولاً ضمن “المرجعيات الدوليّة“!

حاصل القول: سؤال المواطنة ودولتها، ليس بذلك العسر والصعوبة والالتباس والغموض والعصي على الفهم والتفسير والهضم. لكن مع حجم التلف الذهني والثقافي والقانوني والسياسي والمفاهيمي الذي أحدثه نظام البعث في سوريا، معطوفاً عليه، مستويات التلف والتمزق العالية والعميقة الحاصلة في النسج السوري، التي لا تعود إلى الثماني سنوات الأخيرة وحسب، بل منذ مطلع الستينات، كل ذلك، كرسّ ورسّخ شكلاً انتقائيّاً ومغلوطاً ومغرضاً ومسيّساً ومجيّراً خاصّاً لطرح دولة المواطنة، على أنها بالضد من الإقرار الدستوري بالتنوّع القومي والإثني والثقافي في سوريا، وأنها بالضدّ من أي شكل من أشكال اللامركزيّة، ومنها الفيدراليّة والحكم الذاتي. ونظراً للإرث البعثي الهائل في شيطنة وأبلسة الحكم الذاتي والفيدراليّة في سوريا، رغم أنهما من مفرزات وأشكال اللامركزيّة، إلاّ أن طرح الحكم الذاتي أو الفيدراليّة سواء للكرد في شمال سوريا أم للدروز في السويداء أم العلويين في الساحل السوري أم في دمشق أو حمص…الخ، هذا الطرح يستنفر ويستنهض ويستفزّ تلك الحمولة المفاهيميّة البعثيّة المضللة والمشوّهة للفيدراليّة والحكم الذاتي، على أن ذلك دعوة للانفصال! علماً أنه، وبالقطع، المواطنة بدون ضمانات دستوريّة تطمئن الجميع على أن الوطن للجميع، بعيداً من منطق وذهنيّة الأكثريّات القوميّة والدينيّة، دولة مواطنة على هذا القياس والمقاس الغريب العجيب، ستبقى تفسح المجال أمام ظهور ديكتاتوريّات بعثيّة أسديّة، تحت مسميّات أخرى. ذلك أن الأقليّة الضعيفة والمضطهدة والمستهدفة في هويّتها ووجودها وثقافتها، على امتداد عقود، هي التي بحاجة إلى ضمانات وتطمينات دستوريّة من الأكثريّة وليس العكس. وبالتالي، لا يمكن بناء وطنية سوريّة، بدون ضمانات دستوريّة للمواطنة، تحميها وتعززها. وبدون ذلك لا يمكن إنتاج المواطنة وتحفيز وتعزيز الوطنيّة السوريّة، بعد تعرّضها لكل هذا الدمار الهائل، منذ الستينات وحتّى هذه اللحظة. دولة المواطنة لا قومية لها، ولا تدين بدين الأغلبيّة القوميّة أو الدينيّة الأغلبية أو الطائفيّة أو الحزبيّة. وإذا كان مطلوباً من الكرد التنازل عن حقهم في الفيدرالية أو الحكم الذاتي، فعلى الجانب الآخر التنازل عن المفهوم البعثي الداعي إلى قومنة دولة، والطرح الإخواني على أن يكون دين الدولة هو الإسلام، ومذهبها هو مذهب أهل السنّة والجماعة، وأن رئيس الدولة يجب أن يكون رجلاً ومسلماً وسنيّاً. وطالما نحن كسوريين، في مرحلة التأسيس لدولة وطنيّة، فهذه الدولة لن تقوم لها قائمة بدون تنازلات متبادلة، وتسويات وتوافقات، مع الحفاظ على الخصوصيات والهويات القوميّة والاجتماعيّة. وهذا الرأي، يستند إلى تجارب قائمة وعريقة سواء في بلجيكا وسويسرا وأمريكا التي أنقذتها الفيدراليّة من حرب أهليّة.

 

جميع المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي Yekiti Media

قد يعجبك ايضا