
في المسافة بين البقاء والرحيل ينهزم الحديد وتنتصر الغريزة
صباح حمدو
كان الرجال يمشون بخطوات أثقل من الكلمات، مؤمنين بأن الأرض التي تربّوا عليها ليست مجرد تربة، بل ذاكرة تحميها صرخات الأجداد وأحلام الأمهات. بالنسبة للكرد، لم يكن البقاء مجرد خيار، بل ضرورة وجودية، تمسّكًا بالهوية والجذور، ورفضًا لأن يتحول الوطن إلى فراغ يبتلع الذاكرة والأمل. كانوا يظنون أن صلابتهم ستكفي، وأن النضال الذي حملوه على أكتافهم سيبقى حجر الزاوية في حياتهم، حتى اكتشفوا أن الصلابة وحدها لا تقي من أسئلة الحياة اليومية.
في البيوت، كانت المرأة تمثل شاطئ الأمان الذي يطلبه الجميع دون أن يعرفوا قدر ما يكلف. لم تحمل سلاحًا ولم تهتف في الساحات، لكنها رأت الحقيقة كاملة: أطفال يكبرون وسط خوف، قرى ومدن تتآكل تحت وطأة الحرب، ومستقبل ينهار دون رحمة. ومع كل يوم يمر، كانت تسأل الرجل عن مصير الأسرة، عن مكان آمن للطفل، عن حياة يمكن أن يتنفس فيها الجيل القادم. لم يكن سؤالها مجرد طلب، بل دقًّا متواصلًا على باب القلب، تذكيرًا بأن الحب والأمان لهما ثمن لا يقل قسوة عن المعارك.
شيئًا فشيئًا، أصبح الرجل الكردي ممزقًا بين عالمين لا يمكن الجمع بينهما. عالم الوطن الذي يستدعيه بالبقاء، وعالم الأطفال الذين يطلبون النجاة. كان البقاء يعني له التمسك بالهوية، الدفاع عن الأرض، حماية الذاكرة الجماعية لكل من سبقوه. ولكنه يعني أيضًا أن يعيش الأطفال وسط خوف دائم، وأمل هش، وظلال الجوع والفقد. أما الرحيل، فكان وعدًا بأمان نسبي، وبفرصة لحياة أبسط، لكنه كان اقتلاعًا للقلب، ابتعادًا عن الجذور، وتركًا لتاريخ كامل خلفه.
في هذه المسافة بين البقاء والرحيل، انهزم الحديد أمام غريزة الأبوة، وتبيّن أن النضال الحقيقي لا يُقاس فقط بالقوة أو بالصمود أمام السلاح، بل بقدرة الإنسان على التوازن بين الوطن والأسرة، بين الحلم والواقع. الرجل الذي اختار الأرض يواصل نضاله، والرجل الذي اختار الأطفال يواصل نضالًا آخر، أقل ضجيجًا ولكنه لا يقل شرفًا. المرأة، بعزيمتها وحرصها على المستقبل، لم تنهار أمام الحرب ولا الفقد، بل شكلت معيارًا لمقدار ما يمكن تحمله، وكشفت عن الحقائق التي يختبئ وراءها كل شعار نضالي.
وهكذا، يبقى القرار أصعب من كل المعارك التي خاضها المناضلون في سنوات الصراع. يبقى الرجل الكردي واقفًا بين ضفتين: ضفة العائلة التي تريد الأمان، وضفة الوطن الذي يريده أن يبقى. ولكن وسط هذا التمزق، تظل الحقيقة الأعمق تتجلّى بهدوء لا يسمعه إلا من عاش النضال وأدرك معنى الأرض. فالوطن ليس جغرافيا نتوارثها فحسب، بل الشرط الأول لاستمرار القضية التي حملها المناضلون في قلوبهم، وهو الإطار الذي يمنح نضالهم معناه وقيمته.
الرحيل قد ينجّي الجسد، لكن البقاء وحده يحفظ روح القضية. الرحيل قد يؤمّن مستقبل الأبناء، لكن البقاء وحده يصنع مستقبل شعب كامل. وكل مناضل حقيقي يعرف — مهما أثقلته الحياة — أن القضية التي صمد من أجلها لا يمكن أن تنمو في المنافي، ولا يمكن أن تثمر بعيدًا عن ترابها.
لذلك، يصبح البقاء على الأرض الكردية ضرورة تتجاوز الفرد إلى المجتمع، وتتجاوز الحاضر إلى المستقبل. البقاء هو الجسر الأخير بين الماضي والحلم، وهو الشرارة الباقية في قلب كل من اختار الصمود. وفي النهاية، لا يمكن للقضية أن تستمر إلا على أرضها، ولا يمكن للنضال أن يحقق ثماره إلا في المكان الذي وُلدت فيه آلامه وأحلامه.
بهذا المعنى، يكون البقاء ليس مجرد فعل، بل وفاءً للقضية، وتكريمًا لنضال أولئك الذين لم يتزحزحوا عن أرضهم… لأن الأرض هي آخر ما يجب أن نخسره، وأول ما يجب أن نتمسّك به كي لا تذبل القضية التي حملها المناضل الحقيقي طوال حياته.






