آراء

في المناطقية واللهجاتية والعشائرية السياسية ومخاطرها على القضية الكوردية

شاهين أحمد

بداية من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن كل لغات العالم تحتوي في إطارها العديد من اللهجات ، وكذلك لغتنا الكوردية الجميلة والغنية حالها حال تلك اللغات ، ففيها السورانية والكورمانجية والزازية …إلخ ، وأحياناً قد نجد شُعب وفروع لتلك اللهجات .

وكذلك مثلما بقية الأوطان تتكون من مناطق ومقاطعات وولايات، كذلك فإن الوطن الكوردي أيضاً فيه مناطق وأقاليم .

وبما أن مجتمعاتنا الشرقية مازالت في غالبيتها مزيج من العشائرية والقبائلية والمدنية، كذلك مجتمعنا الكوردي أيضاً في غالبيته ذات تركيبة عشائرية وهي أيضاً حالة طبيعية ومألوفة . وبما أن عملية التحول في تركيبة المجتمعات تأخذ وقتاً كافياً، ولها علاقة قوية بنوعية وسائل الإنتاج وملكيتها، ونظراً لأن مجتمعنا يعتمد على الزراعة بشكل رئيسي فإن عملية الانتقال من تشكيلة اجتماعية – اقتصادية إلى أخرى في مسار التطور الاجتماعي ستأخذ وقتاً أطول، وأن العشائرية ستبقى لحين الانتقال والاعتماد على وسائل إنتاج أخرى . وهذه كلها امور طبيعية وموجودة في واقعنا كما في واقع جيراننا .

لكن الخطورة تكمن في الاستثمار السياسي في المناطقية والفئوية واللهجاتية والعشائرية، ووضعها في الخندق الموازي والمنافس للتعبيرات السياسية – التنظيمية الكوردية الساعية – رغم نواقصها ومشاكلها – للدفاع عن الوجود القومي لشعبنا وقضيته العادلة. وبالتالي التوقف على أسباب إثارة هذا الموضوع ، وفهم محاولات النفخ في ظاهرة العشائرية السياسية من قبل جهات معادية ومن خلال أدوات مشبوهة، وكذلك محاولات إبراز المناطقية والفئوية واللهجاتية وجعلها في خندق المواجهة للحركة التحررية الكوردية ،ومحاولة وضعها في مساحة التنافس على التمثيل السياسي مقابل حركتنا ،ومناقشة هذه الظاهرة الخطيرة بكل موضوعية ليس فقط تكتسب أهمية استثنائية في هذه المرحلة فحسب ، بل يستوجب على نخب شعبنا وحركته السياسية الكوردية في سوريا التوقف على أسبابها وأهدافها ومن يقف خلفها، وعلاقتها بوجود الشعب الكوردي ، ومشروعية حقوقه وعدالة قضيته القومية والوطنية ، وأهمية تعبيراته السياسية المتمثلة بأحزابه التاريخية الحاملة لهمه ومشروعه السياسي القومي الكوردي، وبالتالي مخاطر هذه الظاهرة .

كما نود ” التأكيد ” هنا بأننا نحترم كافة العشائر وننتمي لنسيجها، ونجل زعاماتها ووجاهاتها ،ولدينا علاقات واسعة وطيبة مبنية على أساس الاحترام المتبادل مع غالبية تلك الزعامات في منطقتنا ، ودفعاً لأي التباس في هذا الجانب أود التذكير هنا بأنني أنتمي إلى عائلة ” ميلك سهل سروج ” تلك العائلة التي كانت وماتزال تتزعم ” اجتماعياً ” عشيرة الزروال / الزروار البرازية ، تلك العشيرة التي أفرزت قيادات وقامات وطنية معروفة من أمثال الرئيس الشهيد محسن البرازي والزعيم والشيشكلي وغيرهم . وبالتالي مناقشتي لظاهرة العشائرية السياسية لا تأتي من باب الإنكار أو القفز على الواقع الاجتماعي القائم لأنني لا أنتمي لـ مساحة ” النكرات ” في هذا الحقل، وأدرك تماماً بأن الواقع العشائري لايمكن إلغائه بقرار سياسي ، لأن التركيبة الاجتماعية لها علاقة بالتطور في مختلف المجالات، وخاصة لجهة ملكية وسائل الإنتاج .

كما لايمكن إحيائها – العشائرية – في مساحة ومرحلة زمنية تجاوزت نسبياً الدور الإداري لهذه التكوينة الاجتماعية التي تعبر عن مرحلة تاريخية محددة .

لكن نظراً لأن تسيس هذا الموضوع الهام والخطير يحمل من الحساسية والخطورة على المشروع القومي الكوردستاني ومجمل مشروعية ووحدة الحركة التحررية الكوردية التي تعاني أساساً من أزمات التشرذم والانقسامات اللامسؤولة . والعشائرية كانت قديماً شكلاً لتنظيم وإدارة العلاقات الاجتماعية في مختلف المجتمعات ، ومازالت تحمل جوانب إيجابية في مجال إصلاح ذات البين بين أفراد ومجموعات محلية، وبالتالي التعامل معها كإحداى دعائم وركائز الحركة السياسية سيكون مرحباً بها لكن أن تتحول إلى مراكز استقطاب وتناحر وصراع ومناطقية لخلق وتعزيز شروخات في النسيج المجتمعي ، وتهديد واستهداف وحدة المشروع القومي التحرري عندئذٍ يستوجب على المهتمين بوجود ومستقبل شعبنا وقضيته العادلة – مستقلين ومنتسبي أحزاب الحركة – التوقف عندها ووضع الخطط العلمية لمعالجتها ،ووضع حد للمتسلقين على حبالها.

وذاكرتنا مازالت قوية كيف أن البعث حاول مراراً الإيقاع بين الحركة التحررية الكوردية وعشائر شعبنا، وعمل على جعل العشائرية والمناطقية بديلاً عن الحركة التحررية الكوردية ولكنه فشل بفضل وعي الزعامات العشائرية ونضال أحزاب الحركة التحررية الكوردية .

ولنا تجربة مريرة مع هذا الآفة حيث مازال الأشقاء في كوردستان العراق يدفعون ثمنها حتى اليوم، عندما نجح العدو في النفخ في الصراعات المناطقية واللهجاتية في ذاك الجزء العزيز من وطننا منذ ستينات القرن العشرين مستغلاً وجود اللهجات ، واستثمار ذلك من قبل الجهات المعادية لشعبنا في شق صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني – العراق وكذلك شق وحدة قيادة ثورة أيلول المجيدة، وتخندق أصحاب التوجه المناطقي واللهجاتي – جحوش 1966 – لاحقاً في الخندق المعادي لشعبنا الكوردي وثورته وقيادته المتمثلة في البارزاني الخالد . وهنا يجد المرء نفسه أمام سؤال هام وخطير وهو :

أين تلتقي ظاهرة العشائرية السياسية و الفئوية واللهجاتية والمناطقية مع ظاهرة التحزب والتفريخ والتشرذم في أوساط حركتنا التحررية الكوردية ؟.

للإجابة على هذا السؤال لابد من البحث عن النتائج والمخاطر الناجمة عن كلتا الظاهرتين ( العشائرية السياسية واللهجاتية وأخواتهما من جهة ، والتشرذم الحزبي من جهة أخرى ). وذلك لجهة تشتيت الطاقات، وحرفها عن مسارات العمل والنضال، وإدخال القوى الفاعلة في المجتمع في حالة من الصراع والتناحر والمشاحنات والاستنزاف الداخلي، والتشكيك بجدوى وجود التعبيرات السياسية – التنظيمية ، والدفع بإيجاد صيغ وبدائل ومشاريع فرعية بالضد من وحدة المشروع القومي …إلخ .

بمعنى إذا كل واحد منا عمل لأجل عشيرته ، وقام بتعزيز تلك الرابطة وجعلها الاهتمام الأول والأخير ، ألا يعني بأننا نشارك الأعداء في تقسيم الشعب الكوردي إلى دوائر ومربعات محددة ومعينة متصارعة ومتنافسة تؤدي بالجزء الواحد من كوردستان إلى مناطق ومقاطعات ، ومن ثم تقسيم المنطقة الواحدة إلى أجزاء ومساحات بقدر العشائر المتواجدة ، ومن ثم داخل العشيرة الواحدة إلى طوائف ومن ثم عوائل …إلخ ؟! . ما مدى خطورة هكذا فعل على الوحدة القومية للمجتمع الكوردي ؟.

هل القضية الكوردية في سوريا هي قضية عشائرية مجزأة ومنقسمة ، أم أنها قضية شعب بأبعادها البشرية والقومية والسياسية في جانبها القومي ، وهي قضية النضال الديمقراطي والشراكة في السلطة والثروة والقرار في جانبها الوطني ؟.

من المستفيد من إعادة عجلة التطور الاجتماعي قروناً إلى الخلف ؟. ما هي الجهات الداعمة لهذا المشروع ؟. إذا كان العمل من خلال مسار العشائرية السياسية هو الصحيح والبديل للنضال القومي – التحرري عبر أطر ومرجعيات شاملة من خلال الحركة التحررية الكوردية ،ماالذي يجعل إبن عفرين يقبل بـ إبن كوباني أو الجزيرة أو مناطق الباب وجرابلس مسؤولاً عنه ؟.

وإذا كان هذا المنطق هو الصحيح لماذا تشكيل الدول أساساً ، لأنه مهما كانت الدولة ديمقراطية فإنه بالنتيجة شخصاً واحداً سوف يصبح رئيساً للدولة ، وبالتالي تمشاياً مع هذا المنطق – الجهوية والمناطقية – فإن هذا الرئيس ينتمي لعشيرة أو طائفة أو منطقة محددة ، يعني أنه لايمثل بقية العشائر أو الفئات والمناطق، وهكذا بالنسبة لأعضاء الحكومة وبقية المؤسسات ، إذاً نحن أمام خطر وجودي يهدد أي تشكيل سياسي جامع حامل لمشروع شعبنا وقضيته العادلة ؟. ألا تعني أن محاولات حل قضايا فئوية أو عشائرية أو مناطقية أو لهجاتية محل القضية القومية لشعبنا والانطلاق منها تشكل خطورة وجودية ومصيرية ؟.

هناك جهات معادية تحاول الاستثمار في آلام ومعاناة شعبنا وخاصة في مناطق الشهباء وعفرين وكري سبي / تل أبيض وسري كاني / رأس العين وكوباني وغيرها نتيجة تداعيات الأزمة السورية وماحصل من إدخال الغرباء من الراديكاليين والوافدين المعولمين من خارج الحدود ،وتهجير واستغلال ردة فعل أهلنا والنقمة الشعبية لتوجيه أنظار شعبنا باتجاه مسارات أخرى تتناقض مع قناعاتها وأهداف حركة شعبنا التحررية قومياً ووطنياً . ألا يعني أن النفخ في هذه الظواهر- العشائرية والمناطقية والفئوية واللهجاتية والدينية والمذهبية – السلبية من جانب الأعداء الغرض منه إدخال شعبنا في حالة من الصراع المدمر والاستنزاف الداخلي ؟. ألا يعني العمل على هذه الظواهر من جانب الأعداء أن هناك ” ثغرات ” تعاني منها منظومة قيادة العمل القومي الكوردي – الوطني السوري نتيجة غياب التمثيل الحقيقي لكافة المناطق في مؤسسات القرار للأطر والتعبيرات السياسية – التنظيمة القائمة، ويؤدي ذلك لفسح المجال أمام الجهات المعادية بالتسلل عبرها واستغلال بعض النفوس الضعيفة كأدوات ارتزاق رخيصة ، وكذلك بعض المغرر بهم في أجندات مشبوهة لتصفية الحركة التحررية والتشكيك بتمثيلها ؟.

خلاصة القول

طالما أن غاية النضال القومي الكوردي هو حماية وجود شعبنا ،وتحصيل حقوقه القومية المشروعة والديمقراطية في إطار الشراكة الوطنية الحقيقية. وطالما أن هذا النضال يحتاج إلى وحدة الكورد بمختلف شرائحهم ،وتنظيمهم في أطر وتعبيرات سياسية – قومية . فإن النفخ في هكذا نزعات سواء كانت عشائرية أو مناطقية أو فئوية أو لهجاتية يعني الدخول في صراعات داخلية ، وهذا يعد استنزافاً للإمكانات الداخلية ، وحرف مسار النضال عن الصراع الأساسي الذي يتجسد في مواجهة الاستبداد والعنصرية والشوفينية ، ومحاولة إيجاد مشتركات وطنية مع ممثلي الشعوب التي نتعايش معها . وبالتالي من الضرورة بمكان الانتباه والتيقن بأن مايجري في هذا الجانب ( النفخ في العشائرية السياسية ) لم يأت عن عبث ،وإنما من خلال عمليات مدروسة وممنهجة من جهات معادية لا تريد الخير لشعبنا، وتعمل من خلال أدوات رخيصة لإغراق وتفتيت المجتمع الكوردي في دوامة صراعات داخلية متنوعة .

علينا أن ندرك تماماً بأن الغاية منها إخراج السموم من ثغر العشائرية السياسية والفئوية والمناطقية واللهجاتية لبث الفرقة والتناحر والمشاحنات في أوساط المجتمع من جهة ، وبناء حواجز بين تلك الوحدات في إطار المجتمع الواحد، وإضعاف الشعور بالانتماء القومي الواحد، وصرف النظر عن الظلم والاضطهاد الذي يتعرض له الجميع وجوداً. وظاهرة التشرذم الحاصل في الحالة الحركية الكوردية أيضاً على علاقة بهذه الظاهرة الخبيثة وتخدم ذات الهدف ، وتقف خلفها ذات الجهات المعادية. وبالتالي كافة المخلصين والشرفاء – من منتسبي أحزاب الحركة والمستقلين ومنظمات المجتمع المدني – مطالبون اليوم بدراسة هذه الظاهرة ، وتشخيصها ، وتحديد الجهات التي تقف خلفها ، وتعرية الأدوات التي من خلالها تقوم تلك الجهات المعادية بهذا الفعل التخريبي المشين . وليعلم جميع المخلصين والشرفاء من أبناء شعبنا بأنه ليس هناك أخطر من هذه النزعات على الوحدة القومية لشعبنا. وهنا نقولها بكل صراحة أن نخب شعبنا من مختلف الجهات المذكورة يتحملون معاً مسؤولية التصدي لهذه النزعات المسمومة ، والعمل على شرح مخاطرها لأبناء شعبنا ، وسبل معالجتها، والوقوف في وجه تلك المحاولات التي تريد أصحابها إدخال شعبنا في مستنقع الانقسام والتناحر والصراع والاستنزاف. وبالتالي مخاطر هذه الأوبئة على وحدة النسيج القومي والاجتماعي معاً ،وهنا يجب التمييز بأن الانتماء للقبيلة أو المنطقة أو العشيرة هو شعور إنساني ، لكن الإشكالية في التوظيف السلبي والاستثمار السياسي .

ويبقى السؤال :

ما المطلوب ، ومِن مَن ، الوقوف على هذه الظواهر السلبية، ودراسة أسباب نموها ، والجهات التي تقف خلفها ، والأدوات التي تستخدم فيها، ومقومات هذه الظواهر ، والعوامل التي تتغذى عليها ؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى