
في مئوية الأمير ابراهيم باشا الملي
أنطون قس جبرائيل – استوكهولم
اليوم نستحضر ذكرى رحيل الأمير إبراهيم باشا المللي، الذي ودّع هذه الدنيا في مثل هذا اليوم، ٢٧ أيلول من عام ١٩٠٨.
مرّ أكثر من قرن على غيابه، لكن اسمه ما زال حاضرًا بيننا، وسيرته ما زالت تضيء لنا طريقًا نفتقده في زمن يملؤه الاضطراب والانقسام.
قد يتساءل البعض: لماذا نُحيي ذكرى رجل رحل منذ زمن بعيد؟
الجواب لأننا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى نموذج كإبراهيم باشا؛ رجل عُرف بالعدل والحكمة، وبالتسامح الذي جمع القلوب قبل أن يجمع القبائل والشعوب. رجل لم يعرف التعصب، بل فتح صدره للعرب والكُرد والسريان والأرمن، ولكل مكونات الجزيرة السورية، فكان أبًا جامعًا وراعيًا للجميع.
ولمن قد يسأل: من هو هذا القائد الفذ؟
نقول: لسنا نحن من سيعرّفه، فشهادتنا قد لا تفيه حقه. بل يكفي أن نترك المجال لما قاله الآخرون عنه، وهم كثيرون ، من بينهم الرحالة والدبلوماسي مارك سايكس، الذي كتب عن عظمة ونبل هذا الرجل الاستثنائي…
لقد وصف السير مارك سايكس الأمير وصفاً يبقى الأكثر تميزاً حيث قال:
” كان إبراهيم باشا شخصية عجيبة حقاً، فكان بلا شك قائداً طبيعياً للرجال يمتاز بقدرة عجيبة على ضبط النفس كما هي صفات أولئك الرجال الذين اختبروا الجوانب الأكثر قسوة وإضطراباً في الحياة ” .
ويتابع مارك سايكس القول:
” ….. وأفصح الباشا خلال الحديث عن معرفة مدهشة ودقيقة بشؤون وأحداث أوروبا…. وكان الناس الذين يحيطون به ينتمون إلى شتى العناصر والمذاهب…. انخرط إبراهيم مع رؤساء أكراد آخرين في سلك قوات الحميدية ، ورفعت رتبته إلى مير ميران …. الخ ويشجع النصارى على النزوح إلى ضواحي ويرانشهر… وفي الوقت الذي كان رؤساء قبائل أخرى منهمكين في نهب وقتل الأرمن كان إبراهيم باشا يحمي المسيحيين من كل النحل والمذاهب.
وقد قُدر أثناء المذابح التي ذهب الأرمن ضحيتها، بأنّ إبراهيم أنقذ عشرة آلاف أرمني من الهلاك “.
- ترنون ، إيف ،ماردين ،دراسة تحليلية لإبادة عام ١٩١٥ ترجمة لطيفة عرنوق ،دار نعمان للثقافة ،جونيه لبنان ٢٠٠٨ م ط١ .
- وقد وصفه الأستاذ الإيطالي جيا نكارلوكاسا بعد أكثر من قرن على وفاته بالقول :
” في تاريخ البشرية، كانت هناك شخصيات ميّزت نفسها على الرغم من طبيعتها ودورها، عبر أفعال يمكن أن نعتبرهم “رجالاً صالحين” ….. على الرغم من الضراوة التي اعتاد بها هزيمة منافسيه، إلّاّ أن إبراهيم باشا كان لديه شيء من هؤلاء الصالحين العديدين الذين كانوا موجودين في التاريخ لجعل بعض أحلك اللحظات في إنسانيتنا أقل ظلمة “.
هذا غيظ من فيض عما قيل عن أمير قبيلة الملية التي كانت تلقب ب (هزار ملة أي ألف ملة) كم نحن بحاجة لمثلك في هذه الأيام ليساعدنا على إطفاء النار التي تتأجّج تحت الرماد في الجزيرة السورية والتي نخشى من عقباها إلى جنة الخلد أيها الأمير ابراهيم باشا المللي.
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “336”









