في مواجهة الأغلبية

د. سميرة مبيض

لا يُمكننا أن نقرأ أي شأن وموقف سوري خارج فضاء دولة الكذب التي سادت وهيمنت على المجتمع طيلة خمسة عقود وصنّعت ضمنه مفاهيم شديدة الخطورة، منها اعتبار الرأي المخالف للأغلبية فعلاً مُحرماً وجُرماً عظيماً وعليه كان يُقمع أي حراك مناهض للدولة الشمولية بكونه مخالف لما يُسيّر به القطيع وذلك خوفاّ، ان لم نقل هلعاً من ايقاظ نسبة كافية من الشعب لتقف بمواجهة الكذب والتلاعب ولتتجاوز فن الوهم والشعارات الذي يخدر به الوعي. كانت مُحاباة الرأي السائد الزامية، ولو كان رأياً خاطئاً ولو كان يُمعن في اغراق الأغلبية بالخطأ بل أن الهدف منه كان كذلك.

ومن هنا وًلدت ظاهرة المثقف المُزيف، الذي مهمته كما يُوصفها الفيلسوف تودوروف هي التضحية بالحقيقة، ولعل الواقع يزيد عن هذا التوصيف بمراحل فهي مهمة تقتضي إبادة الحقيقة والُمساهمة في تصنيع الوهم الداعم لاستمرارية السلطة الشمولية وذلك يتطلب الصمت عن ما تراه البصيرة والمنطق والعلم من حقائق أولاً وعدم كشف الاعيب السلطة الاستبدادية، المفضوحة أمام كل عاقل، ثانياً وتتكفل الدولة الشمولية بما يبقى من اشغال الناس بالأمور المعيشية، بسياسة خلق العدو، بنظرية المؤامرة وبالقمع والتعذيب والقتل والاعتقالات وبنشر وبزرع الأيديولوجية القائم عليها.

بمقابل ذلك ومن وجهة نظر نظرية، يفترض بمن حمل مبادىء الثورة السورية أنه يمتلك القدرة على مواجهة تيار خاطئ ولو ساد، على التنبيه للمسارات التي تقود للهاوية والتي تمنع الشعب من الوصول لقيادة نفسه بنفسه والتي تعيق عبوره للحرية، أن يكون باختصار نقيضاً لنظام الاسد لتنتصر مطالبه على الأخص باحترام المفاهيم الأساسية ومنها احترام القانون، عدم انتهاك المواطنة والمساواة، ونبذ جميع الأساليب البعثية التي تعمل باستمرار على الالتفاف على الشعب وعلى المسؤولية الوطنية وعلى شرعية الحقوق والواجبات.

ان يكون الفرد منفذاً لمبادئه وليس رافعاً لشعارات لا يطبق منها أبسطها، أن يكون مُدافعاً عن الحق وليس داعماً لانحرافه أن يقف بوجه منعطف يعود للمتاهة من البداية، طريق اقتيد به السوريين مسبقاً نحو خسائر متكررة رغم الأحقية الساطعة لقضيتهم.

فالسؤال الاهم الذي يطرح نفسه في مثل هذه المواقف، ماذا لو لم نواجه الاغلبية عندما يكون المسار على مُفترق بين المستقيم والمنحرف؟ ألا نُساهم بذلك في الإغراق بالوهم والتضليل؟ ألم يحابي البعض على أسلمة الثورة في حين انها ليست ثورة إسلامية، ووافق آخرون على نهج المؤامرات وشراء الذمم والفساد وخرق القوانين الذي استشرى ضمن صفوف المعارضة، فظهر الشعب السوري المحق بمطالبه على غير ما هو فيه، ظهر بصفات الخارج عن القانون الذي لا يحترم المبادئ العالمية لا السياسية منها ولا الإنسانية، وساعد ذلك الأسد بشكل مباشر في البقاء في حين أن انتهائه كان حتمياً وأدى ذلك لظهور المعارضة بكونها غير كفؤة لقيادة نفسها، فكيف بها تقود دولة.

فتراجعت الثورة في حين أنها كانت حتماً منتصرة لو ارتكزت على المبادئ التي يحترمها العالم من حقوق الانسان والالتزام بالواجبات والحقوق وباحترام التعددية وبكونها ثورة تطور وتحضر وليست غير ذلك. والاهم بتطبيق هؤلاء لما يطالبون به لمستقبل بلدهم وليس طنين الشعارات التي لا يطبقونها بل ينقضون مطالبهم ذاتها في ممارساتهم السياسية والإنسانية والاجتماعية.

ماض سياسي قائم على عقود مواجهة الأسد لا يمتلك الأدوات اللازمة لتحقيق التقدم السياسي المطلوب والبدء بحقبة عهد سياسي جديد، فذلك يتطلب عقول حرة من كل القيود بما فيها مُسلمات الأسد وشعاراته وبما فيها أساليب حزب البعث الاسدي الملتوية التي وان استمرت لخمسين عاماً لكن زمنها انتهى والمستقبل لن يكون للتلاعب السياسي بل للعمل المؤسساتي الملتزم بالقانون والقائم على الكفاءات والمتناغم مع مبادئه هي سُنة الحياة التطور وكلي ثقة بأنها سبيل السوريين الا من يرغب بالبقاء مدفوناً في السراديب الفكرية والسلوكية لعهد الأسد.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي يكيتي ميديا

قد يعجبك ايضا