قانون ادارة وحماية املاك الغائبين رقم (7) لعام 2020 هو تعدٌ صارخ على حق الملكية

 

المحامي حسين نعسو

((الدفاع عن الأرض وحمايتها لايمكن له بأن يكون حجةً ومبرّراً لاغتصاب تلك الأرض والاستيلاء عليها فيما بعد…..كما أنّ الدفاع عن العرض لايمكن له أن يشرعن الاعتداء عليه وانتهاكه فيما بعد، ولايمكن تسمية ذاك التصرف إلا بالاعتداء على المحرّمات))
بدايةً وقبل الخوض في مناقشة القانون وبيان مدى تعارضه مع العقد الاجتماعي وانتهاكه لأحد وأهم الحقوق الأساسية للإنسان المنصوص عليه في جميع الشرائع السماوية والوضعية ، ألا وهو حق الملكية ، لابدّ من التنويه بأنّ هذا القانون قد جاء معدوماً نظراً لصدوره عن المجلس العام للإدارة الذاتية وهي جهة تنفيذية لاتملك صلاحية إصدار القوانين والتشريعات وفقاً للعقد الاجتماعي الذ ي حصر صلاحية سنّ وتشريع القوانين وفقاً للمادة 55 بمجلس الشعوب في الإقليم هذا أولاً .
اما فيما يخصّ الأسباب الموجبة لصياغة هكذا قانون
فالمشرّع وحينما يشرع أيّ قانون لابدّ له بأن يوضّح الأسباب الموجبة لذلك، أي الضرورات التي تقتضي إصداره ، وتلك الأسباب تعتبر جزء لايتجزأ من القانون نفسه، ويجب أن تكون متناغمة ومنسجمة مع مواده، إضافةً أن كلّ القوانين في العالم تصاغ وتشرّع من أجل تنظيم حياة المجتمع وحماية المصلحة العامة وصيانة وحماية حقوق الأفراد وبثّ الطمأنينة في نفوسهم، مستهدفة في ذلك إحداث نوعٍ من التلاحم والتقارب بين المجتمع والسلطة الحاكمة وزيادة الثقة فيما بينهما، حتى يكون سهل التطبيق ويحظى بالاحترام، لا أن يكون سبباً في إحداث نوع من الشرخ وازدياد الهوة بينهم، وأن لايكون اعتباطياً وغير مسؤول.
– وبالعودة إلى الأسباب الموجبة لهذا القانون، وكما ورد في مقدمته والذي ينصّ :(من أجل الحفاظ على أموال و أملاك الغائبين والمهاجرين من العبث والاستباحة ووضعها في خدمة تنمية المجتمع وسكان الإدارة الذاتية بعد استفحال ظاهرة الاستيلاء على أموال الغائبين والمهاجرين فقد تقرّر سنّ هذا القانون).
* أولاً الأسباب الموجبة هذه تقلّل من هيبة السلطة الحاكمة وتؤكّد على عدم استطاعتها حماية أملاك وأموال الناس طالما هناك تفشي لظاهرة العبث والاستيلاء على أملاك الناس وتطعن في ادعائها بأنها تبسط سلطة القانون على مناطق الإدارة الذاتية.
* ثانياً حماية أموال وأملاك الناس لاتكون من خلال الاستيلاء عليها واغتصابها من قبل السلطة، وإنما من خلال سنّ قوانين تكون رادعة لمن يعتدي على ملكية الناس وفرض هيبة الدولة وبسط سلطة القانون.
* ثالثاً لايوجد في كلّ أنظمة العالم قوانين تحت مسمى إدارة أموال وأملاك الغائبين، ولاتوجد الحاجة لسنّ هكذا قوانين، لأنه من غير المعقول وجود أموال وأملاك سائبة لامالك ولا وكيل لها لإدارة شؤونها، إلا في نظام البعث كان هناك قانون إدارة شؤون أملاك اليهود بعد اضطهادهم وتهجيرهم من سوريا (مع ملاحظة تمّ تجميد الأملاك وليس استثمارها ) وقانون مصادرة أملاك المنتمين للإخوان المسلمين بعد أحداث الثمانينات، ومن غير المعقول لسلطة تسمّي نفسها بالإدارة الديمقراطية أن تقلّد نظاماً شمولياً ومستبداً وأن تسير على خطاه وان تعمل على استنساخ قوانينه الجائرة.
* القانون هو انتهاك لحق الملكية والذي هو حق مقدّس وفقاً لجميع القوانين والشرائع، بما في ذلك العقد الاجتماعي ولايجوز المساس به ويتناقض مع نص المادة /43 / من العقد الاجتماعي الذي يشرعن وجود الإدارة وينظّم عملها والتي تنصّ(حق الملكية الخاصة مصانة بشكلٍ لايتعارض مع المصلحة العامة وينظّم بقانون))، وبالتالي يعتبر هذا القانون باطلاً لمخالفته الصريحة لنصوص ومواد العقد الاجتماعي والذي هو بمثابة الدستور.

=في مناقشة مواد القانون=

*المادة الأولى (المهاجر والغائب هو كل شخص يحمل الجنسية السورية أو مافي حكمها (مكتومو القيد أو المجردون من الجنسية السورية بإحصاء عام 1962 ) ويقيم إقامة دائمة خارج حدود سوريا ولايقيم أحد أقاربه من الدرجة الأولى أو الثانية في سوريا).
هذه المادة تؤكّد أولاً تبعية الإدارة الذاتية للجمهورية السورية وبالتالي يتوجّب أن تكون قوانينها متوافقة مع القوانين والدستور السوري…
ثانياً لم يوضّح القانون المقصود بالقرابة هل هي قرابة مباشرة أم قرابة الحواشي أم قرابة المصاهرة لأن درجة قرابة أقرباء الزوجة هي نفس درجة قرابة الزوجة بهم، أي أن والد الزوجة يعتبر قريب من الدرجة الأولى للزوج وكذلك أخ الزوجة يعتبر قريب من الدرجة الثانية للزوج وفقا لقرابة المصاهرة. ثالثاً: من هم الأقارب من الدرجة الأولى والثانية وفقاً لقانون للقانون ؟؟؟؟؟
الأقارب من الدرجة الأولى هم (الأب والأم والأولاد)، والأقارب من الدرجة الثانية هم (الجد والجدة والاخوة والاخوات والأحفاد).
وبالنظر إلى قائمة الأقرباء تلك، نجد أنه نادراً ما تجد غائباً ليس له أحد من هؤلاء الأقرباء في سوريا، وبالتالي تنتفي الفائدة المرجوة من سنّ هكذا قانون.
إضافة أنه لايتّصف بالعدالة لكونه لايمنح أي عذر ومبرر مشروع للغائب الذي غادر وترك سوريا بسبب مخاطر محدقة كانت تهدّد حياته أو حياة أفراد اسرته بسبب مواقفه السياسية المناهضة للنظام أو للإدارة الذاتية.
* المادة الثالثة ( يشمل هذا القانون كلّ من غادر الأراضي السورية مدة سنة أو أكثر بقصد الإقامة الدائمة والمستمرة خارجها).
هذه المادة مبهمة ومطاطية وغير واضحة وقابلة للتأويل والتفسير لأكثر من معنى، الأمر الذي يفقد قيمتها القانونية لكونها لم توضّح المدة الزمنية المحدّدة بسنة من مغادرته هل هي تحسب بشكلٍ مستمر ودون انقطاع أي لم يتخلّلها زيارات للمغادر إلى المقاطعة؟؟؟، أم أنها تحسب بشكلٍ منقطع ؟؟؟، لأنه يحدث أن يغادر شخص ما المقاطعة ويعود إليها مرة أخرى في زيارة قبل إكمال مدة السنة ثم يغادرها مرة أخرى .
*المادة الرابعة : أ- تعتبر كافة العقود المبرمة قبل صدور هذا القانون على أملاك الغائب وكذلك التي ترتّب حقوق للغير مؤقتة
ب- يتوجّب على اللجنة إعادة النظر فيها وتدقيقها وتسوية وضعها خلال ثلاثة أشهر من تاريخ صدور هذا القانون
هذه المادة تسلب إرادة الإنسان وحقه الطبيعي في التصرف بأملاكه وابرام العقود بخصوص ذلك وتفويض وتوكيل من يشاء لينوب عنه في التصرف بأملاكه
إضافة إن هذه تلغي كلّ الوكالات الصادرة من الغائبين والمهاجرين سواءً كانت منظّمة من الكاتب بالعدل أو مندوبي الوكالات القضائية الذين يشملهم هذا القانون).
هذه المادة لايمكن وصفها إلا بأنها اعتباطية وعبثية وتنمّ عن جهلٍ بالقانون لمن صاغها، لأن الوكالة هي تعبير قانوني عن ارادة الموكل ولايجوز لقانون ما مصادرة إرادة الأفراد أو الحد من تصرفاتهم القانونية سيما إذا كانت موثّقة لدى جهة رسمية معترف بها كالكاتب بالعدل ومندوبي الوكالات سواءً لدى الإدارة الذاتية أو لدى الجهات الرسمية التي تتبع للدولة السورية التي تكون الإدارة الذاتية جزء منها بموجب عقدها الاجتماعي وفقا للمادة الخامسة منه وكذلك وفق نص المادة الأولى من هذا القانون الذي بموجبه حدّد جنسية الأشخاص الذين يسري عليهم هذا القانون (السورية) وهذه تعتبر مخالفة دستورية صريحة لأنه لايجوز للمقاطعة إصدار قوانين تكون متناقضة مع قوانين الدولة (المركز) هذا من الناحية القانونية، أما من الناحية السياسية فإن وجود هكذا مادة يلغي أسباب الإبقاء من قبل الإدارة الذاتية على الدوائر الرسمية التي تتبع الدولة السورية والتي مازالت تقوم بعملها ومهامها مثل دائرة الكاتب بالعدل ودائرة الوكالات والمحاكم المدنية والشرعية والمكلفة بتثبيت التصرفات القانونية للمواطنين من توثيق وتثبيت لعقود البيع والشراء والرهن والوكالات وعقود الزواج وليس هناك من داعٍ لوجود تلك الدوائر التي تعتبر من أركان و بقايا النظام السياسي السوري مع إصدار هكذا قانون من شأنه إلغاء كافة النتائج والآثار القانونية المترتّبة على القرارات الصادرة عن تلك الدوائر(القرارات القضائية بخصوص تثبيت البيع والشراء والرهن والاجار وتوثيق العقود وووووو الخ).

اضافة أن هذه المادة تنزع عن هذا القانون صفة القانون ذلك لأن القانون لايمكن له أن يطبّق بأثر رجعي إلا في حالة اذا كان الأصلح لمن يشملهم وفي مصلحتهم، وليس مثل هذا القانون الذي لايمكن تسميته سوى بالرجعي والذي يعبّر عن عقلية مشرّعيه الجاهلة بالقانون والذين تشبه تصرفانهم بتصرف المالك بمزرعته الخاصة عبر محاولاته المستميتة بجني أكبر قدر ممكن من الايرادات والثمار، دون أن يكلّف خاطره بصرف فلس واحد عليها وليس بعقلية رجال الدولة الذين يحاولون تشريع القوانين التي من شانها صيانة حرية وكرامة المواطنين وحماية ممتلكاتهم لبث الراحة والطمأنينة في نفوسهم لحثهم على المزيد من الجهد والعمل لخدمة وطنهم والتشبث بأرضهم وليس دفعهم إلى تركها من خلال إصدار قوانين قراقوشية تحدّ من حريتهم وتنتهك كرامتهم وتنزع ملكيتهم

* المادةالعاشرة : يحقّ للجنة تاجير واستثمار أملاك الغائب ووضعها في خدمة تنمية المجتمع دون تغيير أوصافها
يستشفّ من هذه المادة بأن ريع وثمار أملاك وأموال الغائب لاتعاد إليه وإنما يتمّ مصادرتها لصالح خزينة الإدارة .
وطالما أن القانون قد منح اللجنة المكلفة بإدارة أموال الغائب صفة القيم اذاً فلايجوز قانونا للقيم بأن يستولي على ثمار ونتاج أموال وأملاك الغائب الذي لايستطيع إدارة أملاكه لوجود ظروف تمنعه من ذلك، لأنه يعتبر أمين على تلك الأموال، ويتوجّب قانوناً إعادة الريع والثمار مع أصل المال والملك بعد حسم المصاريف والأجور، وإلا يعتبر أنه مسيء للأمانة ويدخل عمله في خانة السرقة المقوننة.
إضافة ان هذه المادة تتناقض مع مضمون المادة /12/ بخصوص كيفية التصرف بريع أموال الغائب
* المادة الخامسة عشر ( لايعتد باي تصرف يصدر عن الغائب الذي عاد وتسلّم أملاكه من اللجنة خلال سنة من استلامه ولاينتج هذا التصرف أي آثار قانونية ولايرتب أي التزامات إلا إذا حصل على إذن خطي من رئاسة اللجنة المعنية يتيح هذا التصرف قبل إبرامها اي التزام)
هذه المادة تقييد وتسلب إرادة وحرية الإنسان في التصرف بأملاكه وتخضعه لأهواء وأمزجة أعضاء اللجنة

* المادة السابعة عشر ( يعاقب بالحبس مدة لاتزيد عن سنة أو بغرامة لاتقلّ عن خمسة ملايين ليرة سورية فقط لاغير أو بكلا العقوبتين كل من تستّر أو تصرّف أو أجّر أملاك الغائب على خلاف هذا القانون
وجود هكذا مادة في قوانين الإدارة الذاتية لوحدها تنفي وتلغي مبررات سن وصياغة هذا القانون برمته لما يتضمّنه من عقوبات رادعة من شأنه وضع حد للعابثين بأموال الغائبين ومنعهم من ذلك

* المادة التاسعة عشر( فيما يخصّ أملاك السريان والآشوريين والأرمن تقوم لجنة ممثلة عنهم بإدارة الأملاك المذكورة)
هذه المادة تناقض مضمون المادة الأولى التي تنصّ بأن اللجنة تتالف من 11 عضوا من كافة مكونات سوريا اضافة انها تمييز بين المواطنين على أساس العرق وهو مخالف للعقد الاجتماعي خاصةً انه قانون مدني وليس بقانون للأحوال الشخصية وفي هذا الصدد يقول “مونتيسيكيو ” بأن القانون يجب ان يكون مثل الموت لايستثنى منه أحد
إضافة أنه يضع أكثر من علامة استفهام حول طرق وأساليب التصرف مع الغائبين من أصول عربية على غرار السريان والاشوريين !!!!..

ودمتم وعسى أن أكون قد وفّقت في تسليط الضوء على مكامن الخلل والخطر في هذا القانون الذي يتوجّب سحبه وإلغاءه باقصى سرعة ممكنة.
ولايسعني إلا أن أقول بأن صياغة القوانين من قبل من يجهل العلم بالقانون هو أخطر بكثير من وضع البندقية في يد طفلٍ أو مجنون

تمت قراءتها 391 مرة

قد يعجبك ايضا