آراء

قبل أن نحرر الوطن… علينا أن نبني الإنسان القادر على حمايته

قبل أن نحرر الوطن… علينا أن نبني الإنسان القادر على حمايته.. القضية الكردية في سوريا بين وحدة الإرادة وتحولات المرحلة

برزان علي

تمرّ سوريا اليوم بواحدةٍ من أكثر المراحل حساسية في تاريخها الحديث. فالدولة السورية يعاد تشكيل مؤسساتها، وبرلمان جديد بدأ أعماله، ومسار كتابة الدستور الدائم يقترب من أن يصبح ساحة أساسية للصراع السياسي حول شكل سوريا المستقبل. وفي الوقت نفسه دخلت العلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية ودمشق مرحلة جديدة، عنوانها الاندماج في مؤسسات الدولة، وسط ملفات ما زالت تحتاج إلى تفاوض وضمانات وتنفيذ واضح.

وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا يكفي أن نسأل: ماذا تريد دمشق؟ وماذا تريد القوى الإقليمية والدولية؟

بل علينا نحن الكُرد أن نسأل أنفسنا أولًا:

ماذا نريد نحن؟

وهل نمتلك الإرادة السياسية الموحدة التي تجعل الآخرين مضطرين إلى الاستماع إلينا؟

هنا تلتقي السياسة مع مشروع بناء الإنسان.

فالسياسة في جوهرها ليست بيانات ومؤتمرات وشعارات فقط، وإنما هي قبل كل شيء سلوك إنساني ، وقدرة على تحمل المسؤولية. وإذا كان الإنسان السياسي أسيرًا للأنا، ولحسابات الحزب، وللخلافات الشخصية والتاريخية، فإنه قد يعجز عن رؤية اللحظة التي يصبح فيها مصير شعبه أهم من مصير تنظيمه.

لقد دفعت الحركة السياسية الكُردية في سوريا أثمانًا باهظة بسبب الانقسامات. وفي مراحل كثيرة، كان الكُرد يمتلكون قضية عادلة وطاقات بشرية كبيرة وموقعًا جغرافيًا وسياسيًا مهمًا، لكن تشتت القرار السياسي أضعف قدرتهم على تحويل هذه العناصر إلى قوة تفاوضية موحدة.

واليوم، لا ينبغي السماح بتكرار التجربة نفسها.

لقد شكّل انعقاد الكونفرانس الكُردي الجامع في 26.04.2025 محطة كان يمكن البناء عليها؛ لأنه جمع طيفًا واسعًا من القوى والفعاليات الكُردية، وطرح رؤية مشتركة للحقوق القومية والسياسية للشعب الكُردي في سوريا. والمطلوب اليوم ليس أن يبقى ذلك المؤتمر حدثًا في الذاكرة أو وثيقة في الأرشيف، بل أن تتحوّل مخرجاته إلى مسار سياسي حي وفاعل.

ومن هنا تقع على عاتق المجلس الوطني الكُردي، إلى جانب بقية القوى السياسية الكُردية، مسؤولية تاريخية في الدفع نحو إعادة تفعيل هذا المسار، والعمل على جمع الطاقات الكُردية حول الحد الأدنى من الثوابت القومية المشتركة، بعيدًا عن الصراعات الحزبية القديمة وحسابات النفوذ والمواقع.

ليس المطلوب أن تلغي الأحزاب نفسها، ولا أن تتطابق في رؤاها الفكرية والسياسية. الاختلاف أمر طبيعي في أي مجتمع ديمقراطي. المطلوب هو التمييز بين التعددية السياسية وتفتيت القضية القومية.

يمكن أن نختلف في البرامج الاقتصادية، وفي إدارة المؤسسات، وفي التحالفات والتفاصيل السياسية، لكن عندما يتعلّق الأمر بالاعتراف الدستوري بالشعب الكُردي وحقوقه القومية والسياسية والثقافية، وبشكل الدولة السورية المستقبلية، وبضمان مشاركة الكُرد الحقيقية في صناعة القرار، فإنّ المطلوب هو موقف كُردي واضح ومشترك.

لأنّ دمشق، كما أي سلطة تفاوضية، ستتعامل مع حجم القوة السياسية الموجودة أمامها. فإذا ذهب كل حزب كُردي منفردًا، وكل طرف يحمل مشروعًا مختلفًا، يصبح من السهل تجاوز المطالب الكُردية أو اختزالها في حقوق أفراد ومناصب وتمثيل رمزي. أما عندما تتشكّل إرادة سياسية كُردية واسعة تستند إلى شرعية شعبية ورؤية مشتركة، فإنّ القضية تتحوّل من مطالب أحزاب متفرقة إلى قضية شعب لا يمكن تجاوزها في بناء سوريا الجديدة.

وهنا يظهر المعنى الحقيقي لبناء الإنسان السياسي.

نحن بحاجة إلى قيادي يستطيع أن يقول إنّ القضية أكبر مني، والحزب ليس ملكًا لي، والمنصب ليس غاية، وإنّ خصمي السياسي الكُردي قد يكون شريكي في الدفاع عن حقوق شعبي.

نحتاج إلى ثقافة سياسية جديدة تجعل الحوار أقوى من التخوين، والمؤسسة أقوى من الفرد، والمصلحة القومية أكبر من الحساب الحزبي.

إنّ المنطقة من حولنا تتغير بسرعة، والتحالفات الدولية والإقليمية ليست ثابتة. وتجربة السنوات الماضية أثبتت أنّ مصالح الدول تتغير، وأنّ الدعم الخارجي يمكن أن يتراجع أو يتحوّل عندما تتغير المصالح.

وقد أظهرت تطورات المرحلة أنّ ميزان القوى في كُردستان سوريا يمكن أن يتغيّر بسرعة، وأنّ التسويات والضغوط الدولية والإقليمية قد تعيد رسم المشهد السياسي والميداني.

لذلك لا يجوز للشعب الكُردي أن يبني مستقبله على انتظار ما ستقرره هذه الدولة أو تلك.

العلاقات الدولية مهمة، والتحالفات ضرورية، لكن القوة الأولى لأي شعب تبدأ من وحدته الداخلية ومن وضوح مشروعه السياسي.

والمرحلة المقبلة ستكون حاسمة. فإذا كانت سوريا تتجه نحو إعادة بناء مؤسسات الدولة وصياغة دستور دائم، فإنّ السؤال الكُردي يجب أن يكون حاضرًا منذ البداية، لا أن يؤجل إلى ما بعد اكتمال بناء الدولة. لأنّ الحقوق التي لا تثبت في لحظات التأسيس قد يصبح الحصول عليها لاحقًا أكثر صعوبة.

من هنا، فإنّ المهمة الملحة أمام الحركة السياسية الكُردية هي الانتقال من إدارة الخلاف الكُردي إلى إدارة المشروع الكُردي.

المطلوب تفعيل ما تمّ التوافق عليه، وتوسيع دائرة المشاركة لتشمل الأحزاب والمستقلين والمثقفين والمرأة والشباب والفعاليات الاجتماعية، وتشكيل موقف سياسي تفاوضي واضح تجاه دمشق، بحيث يعرف الشعب السوري والمجتمع الدولي ماذا يريد الكُرد تحديدًا في سوريا المستقبل.

إنّ وحدة الموقف لا تعني وحدة الحزب، ولا تعني خضوع طرف لطرف آخر. إنها تعني أن نمتلك جميعًا الحكمة الكافية لنضع خطًا فاصلًا بين خلافاتنا الداخلية وبين حقوق شعبنا.

وهنا نعود إلى السؤال الذي بدأنا منه: هل حرّرنا الإنسان قبل أن نطالب بتحرير الوطن؟

ربما يكون التحرر الأول الذي نحتاج إليه اليوم هو أن يتحرّر السياسي الكُردي من خوفه من شريكه الكَردي، وأن يتحرّر الحزب من وهم أنه يستطيع وحده تمثيل شعب كامل، وأن ننتقل من ثقافة المنافسة على مَن يقود الكُرد إلى ثقافة التعاون من أجل ما الذي سيحقّقه الكُرد.

إنّ التاريخ لا ينتظر المترددين، والفرص السياسية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد.

وإذا كانت هذه المرحلة تحمل مخاطر حقيقية، فإنها تحمل أيضًا فرصة لإعادة بناء السياسة الكُردية على أساس جديد: إنسان أكثر وعيًا، وقيادة أكثر مسؤولية، ومؤسسات أقوى، وإرادة قومية مشتركة تستطيع أن تفاوض دمشق من موقع سياسي يحترمه الآخرون.

فحين تتوحد الطاقات لا يعود الكُرد مجرد أطراف متفرقة تبحث عن مكان لها في سوريا الجديدة، بل يصبحون شعبًا يمتلك رؤية وحقوقًا ومشروعًا وشريكًا أساسيًا في صياغة مستقبل البلاد.

إنّ بناء الإنسان ليس مشروعًا منفصلًا عن السياسة. بل ربما يكون هو البداية الحقيقية للسياسة؛

لأنّ الإنسان الذي يتجاوز ذاته من أجل شعبه، يستطيع أن يبني حزبًا ديمقراطيًا. والحزب الذي يتجاوز مصالحه الضيقة، يستطيع أن يشارك في بناء وحدة قومية. والشعب الذي يوحّد إرادته، يستطيع أن يحوّل حقوقه من مطالب مؤجلة إلى قضية وطنية ودستورية لا يمكن تجاهلها.

وفي هذه اللحظة الحسّاسة من تاريخ سوريا والمنطقة، ربما تكون أعظم مسؤولية أمامنا هي ألا نضيّع مرة أخرى فرصة تاريخية بسبب خلافات كان يمكن للعقل والحوار والمسؤولية أن تتجاوزها.

المقالة منشورة في جريدة يكيتي العدد 346

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى