آراء

قسد بلا خطة بديلة: انهيار شرق الفرات وتحولات المشهد الكُردي

جوان ولي

شهدت مناطق شرق الفرات، مطلع هذا العام، واحدة من أسرع التحولات الميدانية والسياسية منذ بداية الأزمة السورية، حيث انهارت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على مساحات واسعة خلال وقت قياسي. هذا الانهيار كشف هشاشة البنية العسكرية والسياسية التي اعتمدت عليها قسد لسنواتٍ، وغياب أي خطة بديلة قادرة على احتواء السيناريو الأسوأ.

بدأت الشرارة من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب، حيث فرضت قوات تابعة للإدارة السورية المؤقتة حصاراً خانقاً، تخلّلته انتهاكات دامية بحق أحياء الشيخ مقصود و الأشرفية، في مؤشرٍ واضح على تغيّر موازين القوى.

تلا ذلك انسحاب قسد من دير حافر غرب الفرات، وهي خطوة بدت في ظاهرها محاولة لخفض التصعيد وتطبيق الاتفاقات، لكنها عملياً فتحت الباب أمام سلسلة من الانهيارات المتسارعة، إذ لم تكن البنية الدفاعية مهيّأة لفراغ القوة الذي خلّفه الانسحاب، كما لم يتم بطريقة تحفظ سلامة القوات، ما أدّى إلى وقوع الكثير من المقاتلين بين قتيل وأسير نتيجة تحركات غير مدروسة.

وأثناء تراجع القوات، اندلعت مواجهات مسلّحة من قبل مجموعات عربية كانت ضمن مناطق نفوذ قسد أو ضمن صفوفها، ما أدّى إلى انهيار سريع وغير متوقع في خطوط الدفاع. وترافق ذلك مع موجة عنف واسعة استهدفت المدنيين الكُرد وعمليات أسر ما يزال ضحاياها محتجزين حتى تاريخ كتابة هذا المقال. هذا الانقلاب الداخلي كشف عن ثغرة استراتيجية خطيرة، إذ اعتمدت قسد لسنوات على تحالف هش بين مكوّنات غير متجانسة، فيما جرى تهميش الكُرد سياسياً وعسكرياً مقابل الاعتماد شبه المطلق على المكوّن العربي الذي شكّل نحو 70% من قوات قسد.

ولم تتوقّف الكارثة عند حدود المناطق العربية، بل تقدّمت المجموعات المسلحة نحو المناطق الكُردية نفسها، في تطورٍ كان يمكن توقعه لو كانت هناك قراءة واقعية للمشهد. غياب الخطة البديلة وعدم توقع قسد لهكذا سيناريو  أدّى إلى فقدان مناطق استراتيجية خلال ساعات، وترك الجنود لمصيرهم في تلك المناطق، مع فقدان القدرة على حماية العسكريين والمدنيين.

كما خسرت قسد أوراقاً تفاوضية كانت تشكّل ثقلاً مهماً في أي مفاوضات مستقبلية، رغم أنها لا تعتبر نفسها قوات كُردية. وكشفت الأحداث أيضاً عن نقاط ضعف بنيوية، أبرزها تعدد مراكز القرار داخل قسد، وغياب قيادة موحدة، وضعف العمل الاستخباراتي رغم وضوح مؤشرات الانقلاب العربي منذ تطويق الشيخ مقصود والأشرفية، إضافةً إلى سوء تقدير الموقف الإقليمي والدولي، وغياب خطة انسحاب محكمة.

وفي موازاة ذلك، برز فشل مشروع “أخوة الشعوب” والأمة الديمقراطية الذي روّج له حزب العمال الكُردستاني، والذي افترض أنّ المكوّنات المحلية ستتجاوز هوياتها القومية لصالح هوية سياسية جامعة. لكن الواقع أثبت العكس، إذ انقلبت المكوّنات العربية على قسد عند أول فرصة، ولم يوفّر الخطاب الأممي أي حماية للكُرد، بل أدّى عملياً إلى تقليص فرص حصول الكُرد على حقوقهم القومية، وإضاعة فرصة تاريخية كان يمكن استثمارها لوضع أسس متينة لضمان مستقبل الشعب الكُردي في كُردستان سوريا.

لا يمكن لهذه النظرية ان تعيش لانها ببساطة لا تعتمد على العدالة والمساواة في حفظ الحقوق لكافة الأطراف. لقد وُلدت نظرية أخوة الشعوب ميتة؛ لأنها تجاهلت حقائق الجغرافيا والهوية والولاءات التقليدية، وأهملت بشكلٍ خاص حقوق المكوّن الكُردي، وأظهرت الأحداث أن أكبر سند للكُرد هم الكُرد أنفسهم.

وفي خضم الانهيار، تمّ عقد اتفاق بين قسد والإدارة السورية المؤقتة، لكن غموض هذا الاتفاق، ببنوده المعلنة وغير المعلنة، لا يعطي انطباعاً إيجابياً للكُرد، ولا يوفّر ضمانات سياسية أو إدارية تحفظ خصوصيتهم القومية بالشكل المطلوب.

وتشير التحركات الميدانية إلى أنّ الإدارة الفعلية في المناطق الكُردية باتت أقرب إلى التبعية المطلقة للإدارة السورية المؤقتة من خلال تعيين مدراء و مسؤولين من قبل دمشق، ما يعزّز المخاوف من أنّ قسد قدّمت تنازلات كبيرة دون مقابلٍ يضمن الحقوق القومية للشعب الكُردي، تاركة مستقبل المناطق الكُردية رهينة تفاهمات غير شفافة.

رغم عقد الاتفاق بين قسد والإدارة السورية المؤقتة إلا أنّ الهجمات ضد الكُرد لم تتوقّف و هنا أمام هذا المشهد، برز التحرك الدبلوماسي الكُردي الخارجي كخط دفاع أخير، سواءً من قبل الرئيس مسعود بارزاني أو القوى الكُردستانية والشعب الكُردي في أجزاء كُردستان الأخرى و الجاليات الكُردية في الخارج، عبر مظاهرات حاشدة و التواصل مع جهات دولية ومؤسسات دينية عالمية كالفاتيكان وقادة دول مؤثرة، بهدف وقف الهجمات على المدنيين الكُرد والضغط لوقف الانتهاكات ومنع توسع العمليات العسكرية والحفاظ على الحد الأدنى من الوجود الكُردي الآمن. ورغم أنّ تأثير هذه التحركات غالباً غير مباشر، إلا أنّ الحراك الشعبي الكُردي في أوروبا والدول الأخرى أثبت أنّ الهوية الكُردية العابرة للحدود حية وقادرة على التأثير، وقد انعكس ذلك في تحركات سياسية دولية بارزة، من بينها تواصل الرئيس الأمريكي ترامب مع الشرع لوقف الهجمات على المناطق الكُردية، إضافةً إلى مواقف الكونغرس الأمريكي والبرلمان الأوروبي التي دعت بوضوح إلى دعم الكُرد في سوريا.

الأحداث الأخيرة ليست نهاية، لكنها نقطة تحول كبرى. ورغم قساوة المرحلة، إلا أنها كشفت حقيقة أساسية: للكُرد أصدقاء في العالم، لكنهم لا يستطيعون الاعتماد بشكلٍ مطلق إلا على أنفسهم، وأنّ المشروع القومي هو الطريق الوحيد لضمان مستقبلهم.

المشهد الكُردي اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما إعادة بناء مشروع سياسي عادل قائم على الشراكة الحقيقية للكُرد في إدارة  المناطق الكُُردية والقراءة الدقيقة للمشهد الإقليمي، أو الاستمرار في النهج السابق بما يعني تكرار الانهيار في كل محطة مفصلية.

الوقت لم يعد يسمح بتجارب فاشلة، ويجب تبني مشروع يضمن الحقوق القومية للشعب الكُردي. وما حدث في شرق الفرات فرصة للعمل بجدية على تنفيذ مقررات الكونفرانس الكُُردي، وبناء مشروع قومي أكثر واقعية وصلابة.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “342”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى