
* قصة《 شبكة اخبار الحارة 》
* عبدالحميد جمو
أتذكره وأنا طفل ، كان دائماً يحمل كتاباً بين يديه ويمشي جيئةً وذهاباً اأمام بيته الأشبه بالأطلال في ذلك الشارع الترابي المحاصر بالبيوت الطينية المتلاصقة كأنها تستند على بعضها خوفاً من السقوط ، رائحة المجاري المعفنة المكشوفة كانت تصدع الرؤوس ، حرارة الشمس لا ترحم ، من قيظها يفرّ الظل مختبئاً ، يفتقر للخدمات لا ماء لا كهرباء ولا صرف صحي ، مَن يدخل الحي يظنّ أنه دخل إلى قرية من بقايا الحقب السحيقة .
ثمة في زاوية المنزل عجوز أنيقة بزي فلكلوري كُردي مبتسمة تجلس منكمشة على ذاتها، تحتمي من الشمس بشوال من الخيش مرفوع على عارضين بجانب التنور ، تبّلله كل فترة بدلو من ماء البئر، وتدعو ابنها ليأخذ جرعة من برودة مخبئها وتسعفه بطاسة من ماء البئر البارد ، أحياناً تمشي خلقه كأنها تحصي خطواته، وفي كثير من الأحيان تنهره إن رفع عينه عن الكتاب أو حاول اختلاس نظرة بريئة للمارين .
إن صدف ومررنا بذاك الشارع نسير على رؤوس أصابعنا نكتم أصواتنا ليس خوفاً ولكن خجلاً من ابتسامة تلك الأم التي تشير لنا بكل رفة أن لا نزعج ولدها وتدعو أن نكون مثله من المحبين للدراسة الطامحين لمستقبل زاهر . مرّت السنون وذاك الجهبذ على هذه الحال كبرنا تجاوزنا المرحلة الابتدائية وأتممنا سنتين من الأعدادية ،والسؤال الذي لم يخطر ببالنا في أن نسأله: ترى ماذا يدرس هذا الشاب ؟ وإلى أي مرحلةٍ وصل ؟
بفعل السنين كانت الأم أيضاً قد كبرت ولم تعد قادرة على السيطرة عليه أو تحديد اتجاهه ، كان هو أيضاً قد تحرّر قليلاً من عين الرقيب التي كانت تتبع خطواته و تحصرها في حيز. بدأ يقضي ساعات في منطقة البساتين القريبة من الحي لكنه بقي منعزلاً انطوائياً لا يختلط بأحد ولا يحاور أ،حد فقط يلقي التحية والسلام ويمرّ إلى حيث يجد وحدته فيحضنها ، يبتعد عنا بحيث تكون له فرصة الفرار من الاختلاط بنا ، يجلس أعلى الساقية الجارية يكشف بخجل عن ساقيه الهزيلتين ويدندلهما للماء ،و وضعيته والكتاب لا تتغير كأنها أصبحت عادة متلازمة .
وصلنا إلى مرحلة الشهادة الأعدادية هي فترة غريبة علينا مليئة بالحذر، منذ البداية سيطرت علينا الرهبة و الخوف من المراقبة التي أشبه ما نكون فيها أسير محاط بمجموعة من العسكر تتأهب للانقضاض إن أبدى أي حركة ، والامتحانات هي التجربة الجديدة التي سوف نخوضها كبحّار يركب المجهول في خضم البحر رغم أننا كنا نحفظ و ندرك ما نقرأ لكن الخوف كان قد أفقدنا الثقة .
هنا انتهزنا الفرصة وقررنا التقرب من مثقف الحي رغم صعوبةالموضوع والاستعانة به لعلنا نستفيد من علمه ومن تجاربه و يشرح لنا الجو العام للامتحانات ، فهو بالتأكيد تجاوز تلك المرحلة وإلا لما استمرّ بالدراسة بهذا الإصرار إلى هذا الوقت ،
كمن يضع خطة هجومية في معركة مصيرية، تباحثنا في كيفية الإيقاع به في شركنا وجرّه لحوار نكون فيه نحن الرابحون .
نجحت الخطة و تمكنّا من محاصرته رغم محاولاته الفاشلة للفرار .
لم نهدر الوقت بدأنا كل من جانبه يطرح عليه الأسئلة وهو صامت لا ينطق فقط يومىء برأسه إشارة القبول، لم يجب على أسئلتنا فقد كان يهزّ راسه مبتسماً حتى أنه لا يرفع نظره عن كتابه .
بعد إلحاحٍ منّا نطق ولكن لم يكن الكلام مفهوماً ولا النطق سليماً .
هنا أدركنا أنه ثمة أشكال، أهو متكبر؟ أم لا يريد أن ينفعنا بعلمه ؟ أ هو أناني لهذا الحد حتى يبخل على أبناء الحي معلومة قد تحدد مصيرهم .
أكثرنا عليه من الأسئلة و هو على نفس الإجابة الايماء فقط ،تجرّأ أحدنا وسأله ماذا تحمل من الشهادات ، رغم رهبة السؤال كوننا تربّينا ألا نتحاور مع الكبار ولا نردّ عليهم ولا نتدخل في شؤونهم ، هم أكبر منا وأكثر معرفة ولا يجوز للصغار تعكير مزاجهم .
و لكن تحت الإصرار نطق بكلام فهمنا منه أنه لا يحمل شهادات وهو يتقدم لنيل الشهادة الأعدادية وهذه هي الدورة الثانية عشرة ، ساد الصمت بين صدمة الاستغراب، فكل هذه السنوات ونحن نظنه عالماً ،
وبعد الاستفادة من الصدمة، كرّر صديقي الجريء: بما أنك خضت عدة تجارب إذاً بإمكانك أن تشرح لنا بعض الدروس ، فقال دون أن يرفع رأسه كل سنة يتغيّر المنهاج، ولكن تستطيع أن تفتح الكتاب على صفحة وتجوب هذا الطريق الزراعي وأنت تتأملها حتى تنطبع في مخك وعند الامتحان تسترجع ما نسخته وتكتبه .
انفجر الجميع ضاحكين وهو أيضاً ضحك معنا . لأول مرة نرى وجهه إنه إنسان من ذوي الأحتياجات الخاصة، قليل الإدراك ورغم ذلك لديه إصرار على تحقيق حلم نشأ معه وكبر .
ما رأيناه جعلنا نشعر بالخجل ، فإصراره بات لنا حافزاً لنخطو به أولى الخطوات نحو طريق النجاح .
وأيضاً فهمنا معنى تضحية تلك الأم التي كانت تراقبه وتبقى معه بكل خطواته، فلم يكن من أجل دراسته بل لخوفها على فلذة كبدها .
من أحد الطرائف التي حدثت ، في بداية الثمانينات من القرن المنصرم قامت مؤسسة البرق والهاتف بطباعة دليل هاتف متضمن أرقام الهواتف بالمحافظة وعلى ما أذكر كان كتاباً ضخماً، أظنه ضمّ أكثر من الفي صفحة، وكان بطلنا قد تأبّط نسخة منه، و كان يمرّبها بالحي أمام جمع من النسوة فكنّ ينظرن اليه بتعحب وهن يتساءلن :
من هذا ؟
إنه فلان ابن الخالة نجمة .
اها تلك العجوز التي تسكن الخراب !
ماشاء الله بيت قصر كله مرمر ، نعم هي الخالة نجمة
ابنها ماذا يدرس ؟ و كيف يستطيع قرآءة هذا الكتاب اظنه يحتاج سنوات ؟!
جاهلةأنتِ، ! إنه في السنة الثانية عشر للشهادة الأعدادية .
ماشآء الله كم هو مجتهد ، ليس مثل أولادنا الذين يدرسون سنة ويقولون نجحنا ، أريت رغم فقره فهو كم نشيط ، ولكن أسألك هل يستطيع قرأءة الرسائل أيضًا !!
الحقيقة لاأعرف ولكن رأيته مرة وهو يقرأ ورقة ملونه كبيرة (تقصد الجريدة )
وفقه الله ليت أبناءنا يتعلمون منه .
كان يسمع أحاديث النسوة ويسرع رغم خطواته غير المتوازنة .
في بداية عام 1985 حصل بطلنا على الشهادة الأعدادية بعد كفاح استمرّ لما يقارب الأربعة عشر عاماً ، ثم توظف و لكن ليس على مؤهله بل بسبب حالته ، كما تزوّج ورزق بطفلين ، بعدها أنا التحقت بالخدمة الإجبارية وهو انتقل إلى حي آخر ، إبان انتفاضة قامشلو التجأ إلى إقليم كُردستان ، وانقطعت أخباره منذ ذلك الحين .
المقالة منشورة في جريدة يكيتي العدد 343






