من الصحافة العالمية

قلب عثمان بايدمير وصفعته

هوشنك أوسي

قبل أيّام، كانت صفحات التواصل الاجتماعي الكرديّة في موقعي «فايسبوك» و «تويتر» مطبولة بردّ البرلماني الكردي عثمان بايدمير على سؤال نائب رئيس البرلمان التركي أثناء إدارتها للجلسة المخصصة لمناقشة الموازنة العامّة لعام 2018. واتفق المؤيدون والمعارضون لـ «حزب العمال الكردستاني» على أن قلب بايدمير القومي والوطني الكبير إنما ضمّهم ويضمّهم جميعاً.
كان ذلك، حين مُنح عمدة ولاية ديار بكر السابق، والبرلماني عن مدينة روها (أورفا) الكرديّة حاليّاً، حقّ الكلام، فأراد لفت الانتباه إلى واقع المناطق الكرديّة المزري وحرمانها من مشاريع التنمية، وتسليط الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان، وحملات الاعتقال التي طاولت وتطاول البرلمانيين والبرلمانيات الكرد عن «حزب الشعوب الديموقراطي» وفي مقدّمهم زعيما الحزب صلاح الدين دميرتاش ونائبته فيغان يوكسكداغ. وقال بايدمير: «كأحد أبناء الكرد، وأحد النوّاب الذين يمثّلون كردستان، أجد أنه يتحتّم عليّ الحديث عن هذه الأمور». وحين ذكر كلمة كردستان، شبّت نيران الغيظ والغضب في البرلمانيين الأتراك من دون استثناء، سواء في «حزب العدالة والتنمية» الحاكم، أو في «حزب الشعب الجمهوري» و «حزب الحركة القوميّة» المعارضَين. فسألت نائب رئيس البرلمان التي كانت تدير الجلسة وبنبرة ساخرة: «سيّد بايدمير، وأين تقع كردستان التي تتحدّث عنها؟!». تفاجأ بايدمير بسؤالها، وردّ بسرعة، ضارباً بيده اليمنى على الجهة اليسرى من صدره: «هنا. هنا تماماً تقع كردستان، يا سيّدتي الرئيسة، هنا كردستان»، وكررها ضارباً على قلبه، بكل ثقة.
الحقّ أن إجابة بايدمير وضربه على قلبه مشيراً إلى حيث توجد كردستان، كانت صادمة ومفاجئة، وفي الوقت عينه، صفعة قويّة ومدوية ليس فقط على وجه رئيسة الجلسة، بل على وجوه كل البرلمانيين الأتراك الذين هاجوا وماجوا غضباً وغيظاً من كلمة كردستان التي قالها بايدمير وكررها تحت قبّة البرلمان التركي.
بديهيٌّ أن البرلماني الكردي كان يعلمُ بأن التلفّظ بكلمة كردستان في البرلمان التركي، ممنوع وفق اللوائح والقوانين المعمول بها في هذه المؤسسة التشريعيّة. ولكنه فعلها وقالها، في تحدٍّ واضح وصارخ. ولم ينحصر الجهر بالتحدّي في ذكر كلمة كردستان في هذا المقام التشريعي التركي وحسب، بل تعدّى ذلك إلى الإفصاح عن أنه يمثّل كردستان تحت قبّة البرلمان التركي. هذه الحيثيّة بل الرسالة، تجاهلها الأتراك، إعلاميّاً وسياسيّاً، بل تجاهلها إعلام «حزب العمال الكردستاني» ومناصروه أيضاً، واقتصرت المتابعة بين تأييد كردي ورفض تركي على ذكر كلمة كردستان في البرلمان التركي، بينما الرجل ذكر الكلمة، ليس بصفتها كلمة بل أرضاً ومكاناً وشعباً، يُمثّله بايدمير في هذا البرلمان، الذي إمّا أن يكون لكل شعوب تركيا، أو لا يكون إلاّ للأتراك فقط.
في الظاهر، من المفترض أن ما ذكرَه بايدمير أتى انسجاماً مع الثرثرات الإعلاميّة والسياسيّة التي لطالما أثارها ويثيرها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وقادة حزبه «العدالة والتنمية» من أن تركيا هي لكل أبناء مكوّنات الشعب التركي، ومنهم الأكراد. وأن لا فرق بين كردي وتركي في تركيا الأردوغانيّة. ولكن ردّ فعل برلمانيي «العدالة والتنمية» على كلمة كردستان، ومعاقبة بايدمير على قولها في البرلمان، فضحا زيف ادعاءات أردوغان وحزبه وأنصاره من الترك والعرب والعجم، وأن تركيا الأردوغانيّة لا تختلف كثيراً عن تركيا الأتاتوركيّة إلاّ في نوعيّة المكياج وطبيعة الأقنعة التي تغطي الوجه العنصري والتعامل المخاتل والبغيض تجاه الكرد وكردستان.
وإذا كانت نائب رئيس الجلسة تريد جرّ بايدمير للحديث عن الخرائط والحدود، أثناء سؤالها عن كردستان، بهدف ضبطه بـ «الجرم»، إذ يتحدّث عن مناطق قوميّة يريد اقتطاعها من تركيا، بحسب التهم الممجوجة إيّاها، فبايدمير أعطى إجابة عاطفيّة معنويّة ومجازيّة. وكان بإمكانه، في معرض ردّه على السؤال الاستفزازي ذاك، القول: «إذا كنتم تودّون التعرّف إلى موقع كردستان في الخرائط، يمكنكم العودة إلى وثائق التاريخين العثماني والتركي.
وتظهر تجربة كهذه فشل الأتراك في اقتلاع كردستان من وجدان الأكراد وقلوبهم وعقولهم، وكذلك فشل أوجلان وحزبه في إحداث قطيعة كاملة ومبرمة وتامة بين الكرد والفكر القومي أو طرح الدولة القوميّة. فحتّى لو ضاقت أيامنا هذه بتحقيق هذا الهدف الذي هو حق وحلم، فقد ينفتح المستقبل على ذلك.

الحياة

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عــن رأي Yekiti Media

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى