آراء

كونفرانس 26 نيسان… بين المنجز التاريخي ومحاولات الالتفاف

سليمان أوسو

لم تكن التحولات التي شهدتها سوريا منذ سقوط نظام حزب البعث بقيادة بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024 مجرد تغيير في رأس السلطة، بل دشّنت مرحلة تاريخية جديدة أعادت رسم المشهد السياسي السوري، وفتحت الباب أمام استحقاقاتٍ تتعلّق بمستقبل الدولة ونظامها السياسي والعلاقة بين مكوناتها.

وبالنسبة للشعب الكُردي، مثّلت هذه المرحلة فرصة تاريخية لتحويل القضية الكُردية من جزء من الأزمة السورية إلى جزء من الحل، الأمر الذي فرض على الحركة السياسية الكُردية مسؤولية توحيد موقفها وصياغة رؤية سياسية مشتركة تعبّر عن تطلعات الكُرد في سوريا الجديدة.

ورغم مشاركة الكُرد منذ انطلاق الثورة السورية عام 2011 في الحراك السلمي، فإنّ الانقسام داخل الحركة السياسية الكُردية استمرّ وأضعف قدرتها على استثمار التحولات التي شهدتها البلاد.؛ لذلك، لا يمكن النظر إلى كونفرانس السادس والعشرين من نيسان باعتباره حدثًا عابرًا، بل هو ثمرة مسار طويل من محاولات توحيد الصف الكُردي، بدأ باتفاقيتي هولير، مرورًا باتفاق دهوك، ثم اتفاقية قامشلو عام 2020 التي لم ترَ النور .

ومن وجهة نظر المجلس الوطني الكُردي، يعود فشل تلك الاتفاقات إلى عدم التزام حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) بما تمّ التوافق عليه، واستمراره في احتكار القرار السياسي والعسكري والإداري، وما رافق ذلك من ممارسات عمّقت أزمة الثقة بين الطرفين.

إلا أنّ سقوط النظام فرض واقعًا جديدًا جعل وحدة الصف الكُردي ضرورة وطنية وقومية، خاصةً مع تصاعد التوترات والانتهاكات ذات الطابع الطائفي، في الساحل والسويداء، وتصاعد خطاب الكراهية ضد الكُرد.

وأكّدت هذه التطورات أنّ استمرار الانقسام لن يخدم سوى الأطراف التي لا تريد للقضية الكُردية أن تكون شريكًا في رسم مستقبل سوريا.

وانطلاقًا من هذه القناعة، اختار المجلس الوطني الكُردي تغليب المصلحة القومية والانخراط مجددًا في جهود توحيد الموقف الكُردي، رغم مرارة التجارب السابقة. وفي هذا السياق، جرت لقاءات مكثفة مع الولايات المتحدة وفرنسا وبدعمٍ من بريطانيا، كما عقدت اجتماعات مباشرة مع قيادة قوات سوريا الديمقراطية، بهدف التوصل إلى رؤية سياسية مشتركة تعالج القضية الكُردية ضمن إطار الحل السوري الشامل.

كما جاءت زيارة قيادة المجلس إلى إقليم كُردستان ولقاء الرئيس مسعود بارزاني محطة مهمة، حيث شدّد على ضرورة تجاوز الخلافات وعدم إضاعة الفرصة التاريخية، مؤكدًا أنّ وحدة الرؤية السياسية هي المدخل لضمان الحقوق القومية للكُرد في سوريا. وفي الإطار نفسه، استقبل الرئيس بارزاني السيد مظلوم عبدي في خطوة هدفت إلى تقريب وجهات النظر وإنجاح مشروع توحيد الموقف الكُردي.

وعقب ذلك، أعدّ المجلس الوطني الكُردي مشروع رؤية سياسية شاملة، قُدم إلى الجانبين الأمريكي والفرنسي لمناقشته مع حزب الاتحاد الديمقراطي، قبل أن تبدأ سلسلة من الاجتماعات التي انتهت في 18 آذار/مارس بالتوافق على الوثيقة السياسية المشتركة، بحضور ممثل الخارجية الأمريكية سكوت بولز، الذي أسهم في تقريب وجهات النظر.

وشكّل هذا التوافق الأساس لعقد كونفرانس كُردي جامع في قامشلو بتاريخ 26 نيسان/أبريل 2025، بمشاركة واسعة من القوى السياسية الكُردية، وممثلين عن الولايات المتحدة، وإقليم كُردستان، وأحزاب كُردستانية، ومنظمات المجتمع المدني والفعاليات الاجتماعية والثقافية.

ولم تقتصر أهمية الكونفرانس على حجم المشاركة، بل تجلّت في إقراره لأول رؤية سياسية كُردية مشتركة، وإقراره تشكيل وفد كُردي موحد للتفاوض مع دمشق، بما أوجد لأول مرة مرجعية سياسية ووثيقة متفقًا عليها تمثّل الموقف الكُردي.

غير أنّ ما أعقب الكونفرانس كشف أنّ الاتفاق كان بداية اختبار حقيقي، إذ تعثّر تنفيذ مخرجاته ؛ بسبب استمرار نهج احتكار القرار، بحسب رؤية المجلس الوطني الكُردي. فرغم تشكيل الوفد المشترك، لم يُفعّل، بينما انفردت قوات سوريا الديمقراطية بإجراء المفاوضات مع دمشق عبر ما عُرف بـ”الوفد التقني”، الأمر الذي أفرغ قرار تشكيل الوفد الموحد من مضمونه.

وخلال اللقاءات مع السيد مظلوم عبدي، أكّد المجلس الوطني الكُردي ضرورة الالتزام بمخرجات الكونفرانس وتفعيل الوفد المشترك، إلا أنّ التبرير كان يتمثّل في عدم استعداد دمشق للتفاوض مع الوفد الموحد وإعطائها الأولوية للاتفاقات العسكرية.

ويرى المجلس أنّ هذا التبرير لا يبرّر تجاوز التوافق الكُردي الداخلي؛ لأنّ وحدة القرار الكُردي ينبغي أن تبقى التزامًا سياسيًا وأخلاقيًا مستقلًا عن مواقف الأطراف الأخرى.

كما طرح المجلس مشروعًا للشراكة في إدارة المناطق الكُردية، إلى جانب مشروع المرجعية الكُردية المشتركة، بهدف تعزيز الثقة وتنظيم العلاقة بين القوى السياسية، إلا أنّ هذه المبادرات لم تجد، بحسب رؤيته، الاستجابة المطلوبة.

ومع ذلك، فإنّ تعثّر التنفيذ لا يعني فشل الكونفرانس أو انتقاص قيمته السياسية. فالمحطات التاريخية لا تُقاس فقط بما يتحقّق فورًا، وإنما بما تؤسس له من مبادئ ومرجعيات يمكن البناء عليها مستقبلاً.

لقد نجح كونفرانس 26 نيسان، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، في توحيد الرؤية السياسية الكُردية، برعاية الرئيس مسعود بارزاني وحظي بدعم سياسي وشعبي وإقليمي ودولي، وبموافقة قيادة قوات سوريا الديمقراطية على مخرجاته عند انعقاده، وهي معطيات تجعل منه محطة سياسية يصعب تجاوزها.

كما أنّ الوثيقة السياسية التي أقرّها الكونفرانس تمثّل أول مشروع كُردي جامع يحدّد رؤية مشتركة لحقوق الشعب الكُردي في سوريا الجديدة، وهي قيمة لا تنتقص منها الصعوبات التي واجهت التنفيذ. ويؤكّد ذلك أيضًا رد فعل رئاسة الجمهورية في دمشق، التي سارعت إلى إعلان عدم رضاها عن مخرجات الكونفرانس، بما يعكس إدراكها لأهمية ولادة موقف كُردي موحد.

واليوم، تتصاعد أصوات تشكّك في جدوى الكونفرانس وتقلّل من أهميته التاريخية ، وأخرى تدعو إلى عقد مؤتمر كُردي جديد. غير أنّ هذه الدعوات، في تقديري، تتجاهل أنّ المشكلة لم تكن في الوثيقة أو في الرؤية السياسية التي أُقرّت بإجماع المشاركين، وإنما في غياب الالتزام بتنفيذها.

فالكونفرانس لم يكن اجتماعًا سياسيًا عابرًا، بل تتويجًا لمسار طويل من الحوارات والوساطات المحلية والإقليمية والدولية، وأنتج مرجعية سياسية حظيت بإجماع غير مسبوق. ومن ثم، فإنّ الدعوة إلى مؤتمر جديد قبل استنفاد فرص تنفيذ مخرجات كونفرانس 26 نيسان تبدو محاولة للالتفاف على هذا المنجز، أكثر من كونها سعيًا لمعالجة أوجه القصور.

إنّ المطلوب اليوم ليس إنتاج مرجعيات جديدة، بل احترام المرجعية التي توافق عليها الجميع، والعمل على تنفيذ مخرجاتها، باعتبارها الأساس الأكثر تماسكًا لوحدة الموقف الكُردي في مرحلة مفصلية من تاريخ سوريا.

المقالة منشورة في جريدة يكيتي العدد 346

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى