كَركوك.. قُدسُ الكُرد!

مظفر مزوري

جعل الموقع الجغرافي المهم من مدينة كركوك تاريخياً محل صراع بين البابليين والآشوريين والساسانيين والعرب المسلمين ومن ثم العثمانيين، فقد شهدت المدينة معارك عديدة بين تلك الامبراطوريات وتعاقبوا على حكمها. وتعتبر كركوك من المدن التاريخية المهمة لقدم تاريخها، تدل على ذلك شواهد الآثار وما تناقلته كتب التاريخ عنها، ونتيجة ذلك تعددت الأعراق والأديان فيها، فقد أصبح يقطنها الكرد والعرب والتركمان والسريان، كما تعايش فيها المسلمون واليهود أيضاً، إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية.

التاريخ وآراء العلماء والباحثين والمؤرخين وكل الذين يحتكمون إلى العقل والمنطق والبراهين الثابتة والأدلة القاطعة والشواهد الحاضرة يقولون إن كركوك ومنذ القدم مدينة ذات أصل وتراث وحضارة وتاريخ كُردستاني لا يمكن أن يختلف حول هذا أحد، فضلا عن هذا فقد أكدت كردية مدينة كركوك الوثائق والملفات في دائرة المعارف البريطانية إلى جانب وثائق دائرة المعارف الروسية والألمانية التي بحثت حول هويتها إلى جانب الكثير من علماء التاريخ ليؤكدوا على صحة نسبها خصوصاً وقد أشار إلى ذلك الكثير من المؤرخين والمستشرقين والرحالة حيث أكدوا على كردية كركوك منذ آلاف السنين.

من المعروف تاريخياً أن الخوريين الكرد هم الذين كانوا يقطنون كركوك في الألفين الأول والثاني (ق.م) وكانت كركوك في ذلك الوقت تعرف باسمين (أرابخا واليلاني) أي مدينة الآلهة، والخوريون يؤلفون شعباً انحدر منذ نهاية الألف الثالث (ق.م) من الجبال الشمالية في كردستان ولعبوا دوراً مهما في تاريخ الشرق الأدنى وسياسته وثقافته في الألف الثاني (ق.م)، وتمكنت بعثة التنقيب الدنماركية في مدينة دوكان ولا سيما في تل شمشارة قرب مضيق دوكان تحديداً أسفرت عن اكتشاف آثار خورية يعود زمنها إلى الألف الثاني (ق.م) من بينها حوض آجرة من النوع المستخدم في نوزي، نوزي هو الاسم الذي أطلقه الخوريون على كركوك والتي اكتشفت فيها لوحات مدونة باللغة الأكادية تتضمن معلومات تاريخية عن الخوريين وعن حياتهم الاجتماعية والاقتصادية.

عدد الألواح التي اكتشفت في هذه المنطقة وبالتحديد منطقة تل يورغان تبة يُقّدَر بخمسة آلاف لوح، وهذا يعني أن هناك عمق حضاري كبير للخوريين الذين حكموا بلا آشور على مدى قرن من الزمن وهم الذين شيدوا دون ويب عدد من توابع كركوك وأهمها طوز خورماتو التي تحمل اسم الخوريين إلى يومنا هذا، اسم المدينة الأصلي هو خورماتو المشتق من كلمتين وهما (خور) أي الخوريين وكلمة (ماتو) التي تعني المدينة في اللغة الأكادية، ففي ذلك الوقت امتلك الخوريون كامل كردستان (إقليم كردستان الحالي) وعلى هذا الأساس كان يطلق على المملكة الخورية اسم ميتاني أيضا، فالميتانيون كنية مشتقة كانت تطلق على الآريين.

على الرغم من أن الكرد كانوا يعملون في الزراعة وتربية الحيوانات ويعيشون في القرى إلا أن هذا لا يعني أن الكرد لم يؤسسوا المدن مثلما ذهب إلى ذلك بعض الحاقدين على الحضارة الكردية، حيث قام الكرد بتأسيس العديد من الحضارات المدنية التي انطلقت منها أعظم الامبراطوريات القديمة وعلى رأسها الاورارتية والميدية والميتانية والخورية وحتى العيلامية والساسانية التي سرق تأريخها الفرس، برز دور اللولوبيين الكرد مع التواجدات الاثنية الأخرى وأسسوا حكومة كانت الأكثر استقراراً في المنطقة وشهد عهدهم تكاثف سكاني لعب دوراً بارزاً في النموذج العشائري الموحد للدفاع والاستيطان والانتاج، وكان لهم الدور الأبرز في تعريز الوجود العشائري للكرد الأصليين في مدن كثيرة منها كركوك وغيرهم من مدن وشعوب زاكروس.

الرئيس مسعود بارزاني في إجابته لأحدى الأسئلة التي وجهت له من قبل أحد الصحفيين حول هوية كركوك أجاب قائلا: “يجب أن نرجع أولاً إلى التاريخ ولو قليلاً، فالتاريخ هو الشاهد الحقيقي على هوية كركوك الكردستانية وهي في نفس الوقت ذات هوية عراقية لا يمكن فصلها عن حضارة بلاد الرافدين، تلك الحضارة العظيمة التي اشترك في بنائها الكرد والعرب على مدى آلاف السنين بدءاً من سومر وإلى يومنا هذا”.

عمليات تعريب هذه المدينة الكردستانية لم تبدأ عند تسلم الرئيس العراقي صدام حسين سنة ١٩٦٨ لكنها كانت مبرمجة قبل ذلك الوقت وازدادت منهجيتها أيضاً بشكل أوسع أيام حكم صدام حسين حيث قامت السلطات بطرد 250.000 كردي من كركوك واستقدموا عرباً من جنوب العراق واسكنوهم في المناطق الكردية بكركوك  بشكل تعسفي لا مثيل له في التاريخ المعاصر، وكانت السلطات تقوم باعتقال العوائل الكردية التي ترفض ترك ديارها وترج بهم في السجون المظلمة ثم القيام بإعدام الرجال أمام نسائهم وأطفالهم، وفي المقابل كانت العوائل العربية التي استقدمت من جنوب العراق إلى كركوك كانوا يقومون بالاستيلاء على منازل وممتلكات الكرد فضلا عن قيام الدولة بإعطائهم منح مالية كبيرة كانت تقدر بين عشرة آلاف وعشرين ألف دينار عراقي وكان ذلك المبلغ ذو قيمة كبيرة في ذلك الوقت.

في موضوع تطرق فيه الرئيس مسعود بارزاني حول مسألة كركوك قال “إنها تقع داخل الحدود الجغرافية لإقليم كردستان وهذه مسألة تاريخية كبيرة في نظر الكرد جميعاً ويجب تصحيح هذا الخطأ التاريخي الذي حصل في كركوك”، فهناك أقوالٌ تُشاع أن الكرد طامعون بنفط كركوك ولكن في الحقيقة نحن الكرد نطالب بكركوك لكونها مدينة ذات تراث وأصالة وحضارة وثقافة كردية، أما ما يخص النفط فهو ملك للشعب العراقي أجمع ونحن ضمن هذا الشعب نطالب بحصتنا وفقا للقانون، أما غير ذلك فهي أكاذيب أو مجرد أوهام معشعشة في رؤوس الحاقدين على الكرد ومسيرتهم الوطنية ومستقبلهم الديمقراطي.

كل الوقائع التي ينظر إليها السياسيون والباحثون والمؤرخون في العالم قد أدركوا الذي قام به النظام السابق في العراق في تغيير الوضع الديمغرافي والأداري لبعض المدن ومنها كركوك وكفري وجمجمال وطوز خورماتو حيث تم اقتطافها من الشجرة الكردية المثمرة ذات الجذور العميقة في أرضية التاريخ الكردي وهذه الجذور تتمدد وتتوسع داخل الأراضي الكردستانية لتعود الحقائق إلى تاريخها القديم لتثبت الإصابة الكردية الباقية على الدوام.

أما الشوفينيين وغيرهم من أعداء الحرية المتباكين على كركوك باعتصامهم واحتجاجهم المزيف تناسوا حقيقة التاريخ بأن الأصالة لا تموت وأن التاريخ شاهد حي لا يمكن إزالته بوسائل المخادعة والتحريض والافتراءات والأكاذيب الباطلة، فهؤلاء ليست لديهم أصلا فكرة واضحة عن الناحية الجغرافية والسكانية وديمغرافية كركوك وعليهم أن يراجعوا التاريخ ليتأكدوا من هوية كركوك التي لا يمكن التلاعب بخصوصيتها وبنصوصها المقدسة.

كركوك اليوم تمثل قلب كردستان كما وصفها الرئيس مسعود بارزاني، وكذلك تمثل قدس كردستان حسب ما وصفها الرئيس الراحل جلال طالباني، أما المادة 140 من الدستور العراقي الحالي فهي ضرورة لتطبيع الأوضاع في كركوك استناداً إلى هذه المادة القانونية، فكركوك بمثابة القدس في عيون الفلسطينيين والعرب والمسلمين كافة وهذه الحقيقة يجب أن يفهمها الجميع.

مدونات الجزيرة

جميع المقالات المنشورة تُعبر عن رأي كتابها ولاتعبر بالضرورة عن رأي Yekiti Media

قد يعجبك ايضا