
كُردستان إيران.. في زحام السلاح والسياسة
ماهر حسن
في حربٍ مفتوحة بين إيران وإسرائيل، ستكون تداعيات هذا الصراع أكبر من مجرد مواجهة تقليدية بين دولتين، بل ستفتح الأبواب أمام كل المكونات القومية والطائفية في الداخل الإيراني، ومنها الكُرد، للتفكير بإعادة تموضعهم السياسي والاجتماعي، وربما اقتناص فرصة لإثبات الذات القومية التي لطالما جرى قمعها أو تهميشها داخل الدولة الإيرانية.
الكُرد في إيران يشكّلون إحدى أعرق القوميات في المنطقة، ويعيشون في جغرافيا ممتدة في غرب إيران(كُردستان-إيران)، ولهم تاريخ طويل في المقاومة السياسية والثقافية ضد سياسات التذويب وفرض الهوية الفارسية الرسمية على كل مكونات البلاد.
في هذا السياق، تطرح الحرب بين إيران وإسرائيل سؤالًا حساسًا: هل ستكون هذه الحرب فرصة تاريخية للكُرد في إيران لإثبات وجودهم كقومية مستقلة في رؤيتها وثقافتها وطموحها؟
من حيث المبدأ، يمكن القول إنّ لحظات الضعف في مركز الدولة كثيرًا ما تتيح للقوميات مجالًا لإعادة رفع الصوت والمطالبة بالهوية، وهذا ما شهده التاريخ في عدة مناطق، أبرزها العراق وسوريا. فحين سقط نظام البعث في بغداد، نجح الكُرد في العراق مثلًا في تحويل لحظة الحرب والفوضى إلى فرصة لبناء كيان سياسي وعسكري شبه مستقل. لكن هل يملك الكرد في إيران الظروف ذاتها؟
الواقع يقول إنّ هناك تفاوتًا كبيرًا. فالكُرد في إيران لا يمتلكون نفس التنظيم العسكري القوي والمستقل الموجود في كُردستان العراق، كما أنّ القوى الكُردية المعارضة في الوقت الحاضر تعاني من ضعف البنية والدعم، وتواجه قمعًا عنيفًا من الحرس الثوري، فضلًا عن أنّ وجودها في إيران لا يزال محدودًا جغرافيًا وتنظيميًا.
لكن رغم هذه التحديات، فإنّ لحظة الحرب قد تكون حاسمة إذا ما تمّ استغلالها بذكاء سياسي وتخطيط استراتيجي.
دخلت إيران في مواجهة مع إسرائيل، فقد يتراجع تركيز الدولة عن الداخل، ما قد يفتح المجال أمام الكُرد، لإعادة فرض وجودهم على الأرض إعلاميًا وشعبيًا على الأقل، وربما عسكريًا في المناطق التي يقطنها الكُرد، إذا توافرت لها إمكانيات الدعم. إلا أنّ هذا السيناريو محفوف بالمخاطر، لأنّ النظام الإيراني لن يتوانى عن استخدام كل قوته الأمنية والعسكرية لسحق أي تحرك داخلي في زمن الحرب، مدعيًا الحفاظ على “وحدة الجبهة الداخلية”، ما يعني أنّ أي محاولة كُردية لاستثمار لحظة الحرب ستُقابل بعنف غير مسبوق، إلا إذا حصلت على غطاء دولي واضح ودعم لوجستي حقيقي، وهو ما لا يبدو متاحًا بشكل فعلي حتى الآن.
من جهة أخرى، من غير المستبعد أن تحاول بعض القوى الإقليمية أو الدولية استخدام الورقة الكُردية في إيران للضغط على النظام. لكن العلاقة بين الكُرد في إيران وتلك الجهات ليست بنفس القوة أو التنظيم، كما أنّ الخطاب السياسي للكُرد في إيران لا يزال محصورًا في الدائرة المحلية، ولم يتحوّل إلى مشروع سياسي مدعوم من قوى دولية كبرى. ومع ذلك، فإنّ المتغيرات السريعة التي ترافق الحروب قد تخلق واقعًا جديدًا لم يكن متاحًا قبلها، وقد تدفع الكُرد إلى صياغة مشروع أكثر جرأة، سواء عبر التحالف مع أطراف معارضة أخرى داخل إيران، أو من خلال فتح قنوات اتصال مع القوى الغربية والإقليمية.
في النهاية، لا يمكن القول إنّ الحرب بين إيران وإسرائيل ستمنح الكُرد في إيران فرصة مضمونة لإثبات الوجود القومي، لكنها بالتأكيد ستكون لحظة فارقة يمكن أن تستثمر في اتجاهين: إما للتصعيد وإعادة طرح القضية الكُردية بقوة على الطاولة الإقليمية والدولية، أو لتكون كارثة تؤدّي إلى مزيدٍ من القمع والتهميش إذا لم يُحسب أي تحرك بدقة.
القومية الكُردية في إيران، مثل غيرها من القوميات، ليست مجرد مكون ثانوي في مشهد الجمهورية الإسلامية، بل هي هوية متجذّرة، ولها الحق الكامل في التعبير عن ثقافتها وتاريخها ولغتها. لكن التعبير عن هذه الهوية لا يمكن أن يكون فقط عبر اللحظات الطارئة كالحروب، بل عبر بناء مشروع سياسي وثقافي مستدام، يستطيع أن يكون حاضرًا في كل لحظة، سواءً في السلم أو في الحرب.
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “333”






