آراء

كُرد سوريا: لاتزال اللغة الكُردية المعرف الأول، وازدياد مستويات العلاقة مع العربي بعد اللجوء لتركيا

بدر ملا رشيد
مدير مركز رامان للبحوث والاستشارات.

تعتبر اللغة إلى عهدنا هذا أحد الميزات البشرية التي يتمّ دراستها من نواحي عدة، كالبنية القواعدية وتراتبية الكلمات، إلى جانب نواحي اجتماعية وهوياتية، نقلت اللغة من مجرد أداة ووسيلة للتواصل، مكونة من مجموعة من الإشارات الصوتية/ الكتابية، إلى جزءٍ هامٍ من الهوية الذاتية للأفراد والمجتمعات، وأضحت اللغة في حالاتٍ متقدمة لتمثّل هوية قومية بشكلٍ شبه كامل، كما في الحالة الكُردية، وهذا الأمر نتيجة ارتباط معظم الإرث الثقافي والاجتماعي بها، وتحوّل إتقانها والنطق بها والحفاظ عليها، لحالة من المقاومة السياسية والإنسانية الحقوقية.

دفعني الإعلان المقدّم من جامعة أمستردام لتقديم الأبحاث المحكمة للمؤتمر العلمي حول الشتات والهويات، لفكرة الكتابة حول التفاعلات الحديثة التي شهدتها اللغة الكُردية لدى الكُرد السوريين بعد لجوئهم لتركيا إثر الحرب السورية منذ منتصف العام 2011، وهو ما كان، حيث تناولت المقالة التي تمّ قبولها وعرضها في المؤتمر عنوان “التغيرات الحاصلة على اللغة الكُردية كعاملٍ للحفاظ على الهوية، لدى كُرد سوريا قبل وبعد اللجوء إلى تركيا”.

حاول البحث استكشاف نقاط التغيير والاستقرار ضمن مفهوم الهوية المكتسبة بالولادة، من عدة زوايا: التعليم من محور اللغة، والواقع القانوني، والنظرة إلى المستقبل من ناحية الاستقرار في دولة جديدة أو الرغبة بالعودة لسوريا. وانطلق البحث من بديهية أنّ قضية الهوية والمسائل المرتبطة بها، مثل اللغة والثقافة، مهمة في حياة المجتمعات البشرية. وركّز البحث على اللغة لدى كُرد سوريا اللاجئين في تركيا ومدى لعبها دوراً في تعريفهم الذاتي لهويتهم بناءً على ارتباطهم بها، والكشف عما إذا كان قد تغيّر تقييمهم لها بعد اللجوء.

في هذا الاتجاه تكوّنت الورقة من ثلاثة أقسام رئيسية، القسم الأول عبارة عن مقدمة؛ توفّر تغطية لمفهوم هوية اللاجئين والشتات، بالإضافة لتغطية وجود السوريين في تركيا، كما أنها تقدّم رؤية مختصرة حول عدد الكُرد السوريين في تركيا والذي تقدّره بعض الاحصائيات بين 300 إلى 400 ألف ولتشكّل مفهوم الهوية لدى الكُرد السوريين، وكيف أنّ سوريا الحديثة المشكّلة على إثر اتفاقية سايكس بيكو وجدت نفسها في محيطٍ عربي مختلف بين الجمهوريات والملكيات، إلى جانب وجود تركيا في الشمال، وضمن هذا الواقع تشتت هوية الكُرد السوريين أيضاً ضمن عدة توجهاتٍ منها ما يرى في سوريا كدولة المصير، ومنها ما ارتبط بالحركات السياسية والعسكرية الكُردية وراء الحدود وهذا القسم كان الطاغي وهو ما أدّى إلى إضافة عاملٍ جديد لكيفية شعور الكُردي السوري بالانتماء لحركات استقلالية مثل حركة الملا مصطفى برزاني وقاضي محمد وأمثالهم، وآخرون ممن رأوا في اليسارية والشيوعية ( الأممية) كطريقٍ للحل، وكانوا من المتأثرين بالمد الشيوعي وبحزب العمال الكُردستاني، وضمن هذا القسم وخلال المقابلات المباشرة تمّ ملاحظة وجود هذا التشتت في التصنيف الذاتي للانتماء الوطني.

كما تطرّقت الورقة في هذا القسم أيضاً للوضع القانوني الذي يعيشون ضمنه وينقسمون إلى لاجئين، ومجنسين بالأصول أو الاستثنائية، والحاصلين على إقامتي العمل أو السياحية.

القسم الثاني اعتمد على المقابلات الفردية للتأكد من أنّ البحث نوعي، وتحتاج أمثال هذه البحوث لأعداد وتفاصيل مكثفة في المستقبل، وشملت عينة المقابلات 14 شخصاً من مدن كُردية مختلفة داخل سوريا، ومختلفة داخل تركيا كمدينة للاستقرار بعد اللجوء، وتمّ توجيه ما يقارب 25 سؤال لأفراد العينة، قسم منها يهدف لمعرفة الواقع الشخصي للعينة، وقسم آخر يتعلّق بالتعامل باللغة الكُردية في سوريا،بعد اللجوء، وقسم آخر للتعريف بالهوية الذاتية قبل وبعد اللجوء وأخير يتعلّق بالعلاقة مع المكونات السورية الأخرى بالأخص العربية وقت العيش داخل سوريا ولاحقاً بعد اللجوء لتركيا. أظهرت نتائج البحث ثلاثة أنماط رئيسية في نتائج البحث:

1- النمط الأول: حافظ على اللغة الكُردية كما كانت في سوريا، وظهر هذا النمط خاصةً للعائلات التي دخلت إلى تركيا وكانت أعمار أطفالها أكبر من عشر سنوات، وهذه العينة استطاعت التكيف كما كان الواقع في سوريا، حيث بقيت محافظة على اللغة الكُردية في المنزل والحياة اليومية، وتستخدم التركية في المدارس وفي العلاقة مع مواطني تركيا.

2- نمط يمزج بين الكلمات التركية والكُردية: ظهر هذا النمط خاصةً بين العائلات التي يتقن الوالدان اللغة التركية بشكلٍ مقبول، ولديهم إمكانية تحديد المفردات الجديدة ضمن لغة أطفالهم ولديهم قدرة الاستعاضة عن المفردات العربية بمقابلاتها التركية.

3- نمط بدأ التحدث باللغة التركية في المنزل مع الأطفال: ظهر هذا النمط نتيجة عدة عوامل منها:

• ولادة الأطفال في تركيا، أو قدموا وأعمارهم صغيرة.

• لديهم دخل جيد مقارنةً بسوق العمل التركي، وبدا ظاهراً تأثير العامل المادي من ناحية سهولة تعلم التركية، ولكن عانت هذه العينة من إمكانية تعلم اللغة العربية إلى جانب المحافظة على الكُردية مع تركيزهم على التركية.

• التحق أطفالهم بروضات الأطفال والمدارس التركية فقط، ولم ينضمّوا للمدارس السورية المؤقتة، وجزء من هذا النمط يرى صعوبةً في التواصل الفعّال مع أطفالهم بالأخص في العملية التعليمية وتعليمهم المناهج المدرسية، نتيجة اختلاط لغة الوالدين بالكثير من المفردات العربية بينما اختلطت مفردات أطفالهم باللغة التركية.

• يعيشون في المدن التركية الغربية، ومنقطعون من العلاقات الاجتماعية مع العوائل الكُردية السورية.

أما فيما يتعلّق بالعلاقة مع المكون العربي، فقد ظهر ارتفاع واضح في مستوى العلاقة بين الكُردي والعربي السوريين بعد لجوئهم لتركيا، حيث انحصرت العلاقة في سوريا في الأماكن الرسمية والجامعات، وبعض الصداقات القليلة الفردية، إلا في المدن المختلطة، أما في تركيا فقد ظهر وجود ميلٍ واضح لبناء علاقات تعارف، وتعامل وصداقة متينة بين الكُرد والعرب السوريين، وبخصوص العودة لسوريا أو البقاء في تركيا أو الرحيل لبلدٍ ثالث، فقد ظهرت رغبة كبيرة في العودة لسوريا في حال تحسّنت الأوضاع بالأخص لدى الفئة التي لم تحصل على الجنسية أو على إقامة سياحية تمكّنهم من السفر.

كافة هذه العوامل والمؤثرات سواءً فيما يخصّ أصول البعض من كُرد سوريا والتي تعود للمناطق الكُردية في تركيا، أو ما يتعلّق بنتائج نشاط الأحزاب الكُردية من الدول الأخرى ضمن المجتمع الكُردي السوري، وما حدث بعد النزوح من عدم التمكّن بالاندماج بشكلٍ كامل ضمن المجتمع التركي، وعدم استقرار النظرة باتجاه مستقبل سوريا، أظهر وجود تشتت فيما يتعلّق بمفهوم الهوية الذاتية الوطنية، ففي حين أنّ معظم أفراد العينة فضّلوا على أن يصنّفوا أنفسهم بالمرتبة الأولى كـ كُرد عندما كانوا في سوريا ولاحقاً الهوية الإسلامية ويتبعها الوطنية، تغيّر الواقع في تركيا، لتكون نقطة التعريف والتصنيف الذاتي الأولى بإنهم سوريون، ونتج هذا الأمر بجزء منه نتيجة التصنيف الكلي الحاصل من قبل المجتمع التركي نفسه، ونتيجة رغبة الكُردي السوري بالانتماء لكيانٍ سياسي ذي حدودٍ واضحة.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “311

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى