آراء

لا سلطة على هوية الكُرد

ماهر حسن

لنكن واضحين: ما يجري ليس التباساً عابراً في توصيف الهوية، ولا خطأ يمكن تبريره بسوء تنظيم أو ضعف إداري. نحن أمام سلوك متكرر يكشف ذهنية راسخة ترى في هوية الكُرد مسألة قابلة لإعادة الصياغة، لا حقيقة قائمة بذاتها. وهذا، بحدّ ذاته، هو جوهر المشكلة.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: لماذا يكتب هذا الوصف أو ذاك؟ بل لماذا يُعاد إنتاج الفكرة نفسها، رغم كل ما أثبتته التجارب من فشلها ؟

لماذا هذا الإصرار المستمر على إلصاق صفة “عربي” بالكُرد، وكأنّ الأمر إجراء طبيعي، لا يحمل في طياته أي إنكار أو إقصاء، ولا يفتح جرحاً لم يغلق أصلاً.

الإجابة، في جوهرها، لا تتعلّق بالكُرد بقدر ما تتعلّق بطبيعة التفكير الذي يدير هذه المسألة. هناك عقلية لا تزال تنظر إلى الهوية من زاوية السيطرة، لا من زاوية الاعتراف. عقلية تفترض أنّ التنوع مشكلة يجب احتواؤها أو تذويبها، لا واقعاً يجب التعامل معه كما هو.

ومن هنا، يصبح “التعريف” أداة، لا توصيفاً، ويصبح النص الإداري وسيلة لإعادة تشكيل الواقع، لا لتسجيله.

اختيار صفة “عربي” تحديداً ليس عشوائياً. في هذا السياق، يتمّ التعامل معها كإطار جاهز يُراد تعميمه، لا كهوية ثقافية مفتوحة. حين تفرض هوية بهذا الشكل، فإنها تفقد معناها الحقيقي، وتتحوّل إلى وسيلة لإعادة تشكيل الآخرين وفق نموذج واحد، يفترض أنه الأصل وما عداه استثناء. وهذا ما يجعل المسألة تتجاوز حدود التوصيف، لتدخل في نطاق الفرض الصامت، الذي لا يعلن نفسه لكنه يعمل باستمرار.

وراء هذا السلوك يقف عاملان أساسيان: الخوف، والوهم. الخوف من الاعتراف بتعدد حقيقي داخل الدولة، بما يفرضه ذلك من استحقاقات سياسية وقانونية معقدة. والوهم بأنّ تغيير الكلمات يمكن أن يغيّر الوقائع. كأنّ اعادة التسمية كفيلة بإعادة تشكيل التاريخ، أو على الأقل بإخفاء تناقضاته. لكن المشكلة أنّ الواقع لا يتعامل مع اللغة بهذه البساطة، وأنّ ما يمحى على الورق يبقى حياً في الذاكرة والمجتمع.

لكن التجارب، القديمة والحديثة، تقول عكس ذلك تماماً. الهوية ليست قراراً إدارياً، ولا نتيجة نص مكتوب، ولا بنداً يمكن تعديله بمرسوم. هي تراكم تاريخي وثقافي واجتماعي طويل، يتغذّى من اللغة، والأرض، والذاكرة الجمعية، ولا يمكن شطبه أو استبداله بإرادة جهة واحدة. وكل محاولة لفعل ذلك لا تؤدّي الا إلى نتيجة واحدة: تعميق الفجوة.

المشكلة الحقيقية هنا ليست في الخطأ بحد ذاته، بل في الإصرار عليه. في الاستمرار بالتعامل مع المسألة وكأنها قابلة للحسم عبر التسمية، لا عبر الاعتراف. وهذا ما يكشف أنّ القضية أعمق من مجرد إجراء، وأنها مرتبطة برؤية كاملة لمفهوم الدولة وحدودها، ولطريقة تعريف مَن ينتمون إليها.

الدولة، في تعريفها الحديث، ليست أداة لصهر الهويات، بل إطار ينظّم وجودها ويضمن حقوقها. وعندما تفشل في استيعاب هذا التعدد، فإنها لا تضعف مكوناً بعينه، بل تضعف بنيتها هي. لأنّ الإنكار لا يصنع استقراراً، بل يؤجّل الانفجار، ويحوّل التوتر إلى حالة دائمة تحت السطح، تنتظر فقط لحظة ظهورها.

وما يزيد الأمر تعقيداً أنّ هذا النمط من التفكير لا يظهر فقط في اللغة، بل في السياسات المتراكمة أيضاً. من إدارة الملفات السكانية، إلى التعامل مع الجغرافيا المحلية، إلى إعادة تشكيل الأسماء، وصولاً إلى طريقة صياغة الهوية في الوثائق الرسمية. كلها حلقات في سلسلة واحدة، حتى لو بدت منفصلة في الشكل.

فمسألة تعريب أسماء القرى والمدن، على سبيل المثال، لم تكن مجرد تغيير لغوي. الاسم ليس علامة محايدة، بل جزء من ذاكرة المكان. تغيير الاسم يعني، بشكل مباشر أو غير مباشر، إعادة كتابة العلاقة بين الإنسان وأرضه. ومع ذلك، ظلّ هذا الملف يُعامل كأنه تفصيل ثانوي، رغم أنه يمسّ جوهر الانتماء.

وإذا كان الماضي قد أنتج هذه السياسات، فإنّ الحاضر لم يقدّم ما يكفي لتجاوزها. لا مراجعة جادة، ولا اعتراف واضح بما ترتب عليها من اثار، ولا حتى نقاش رسمي مفتوح حولها. وكأنّ تجاهلها كفيل بإلغاء وجودها، أو كأنّ الزمن وحده يمكن أن يعالج ما لم يُعالج سياسياً وقانونياً.

لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. فكل أثر لم يعالج، يتحوّل مع الوقت إلى طبقة جديدة من المشكلة. وكل تأجيل للاعتراف، يضيف عبئاً إضافياً على المستقبل. لأنّ القضايا التي تترك دون حل لا تختفي، بل تتراكم، وتعود بأشكال أكثر حدة وتعقيداً.

ما يجري اليوم قد يبدو، للبعض، مجرد تكرار لنمط قديم. لكنه في الحقيقة يكشف استمرار نفس المنطق: منطق إدارة التعدد عبر إعادة تسميته، لا عبر الاعتراف به. ومنطق التعامل مع الهوية كشيء يمكن ضبطه من الأعلى، لا كحقيقة تنشأ من الأرض والناس.

النقطة التي لا تحتمل التأويل هي أنّ الكُرد، كغيرهم من المكونات، ليسوا موضوعاً للتعريف من الخارج. هم حقيقة قائمة، لا تحتاج الى إثبات إداري، ولا تتأثّر بتبدل المصطلحات. وأي محاولة لإعادة صياغتهم وفق رغبة مسبقة لن تغيّر هذه الحقيقة، بل ستكشف فقط حدود مَن يحاول فرضها، وحدود الأدوات التي يستخدمها.

وفي النهاية، لا يتعلّق الأمر بمصطلح يكتب هنا أو هناك، ولا بإجراء إداري معزول. بل بمسألة أعمق بكثير: هل يعترف بالناس كما هم، أم يعاد تشكيلهم كما يُراد لهم أن يكونوا ؟ .. هذا هو السؤال الحقيقي، وكلّ ما عداه تفاصيل إضافية تدور حوله، دون أن تغيّره.

المقالة منشورة في جريدة يكيتي العدد 343

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى