آراء

لماذا يجب تحصين حقوق الكُرد دستورياً في سوريا؟

جيندار بركات

هناك حقوق لا يمكن أن تكون محل مساومة أو تصويت، لأنّها ليست هبات سياسيّة من أحد، بل جزء من الوجود الطبيعي والتاريخي للشعوب، وفي مقدمة هذه الحقوق تأتي حقوق الشعب الكُردي في سوريا، والتي يجب أن تُصان بنصوص فوق دستوريّة، نصوص لا تملك أي أغلبيّة عدديّة أو سياسيّة سلطة المساس بها.

لقد دفع الكُرد في سوريا، لعقود طويلة، ثمن سياسات الإنكار والتمييز: من الإحصاء الاستثنائي إلى الحزام العربي، ومن منع اللغة والثقافة إلى الحرمان من الجنسيّة والإقصاء الكامل من مؤسسات الدولة، هذه الممارسات لم تكن مصادفات، بل قرارات سياسيّة أثبتت خطورة غياب الضمانات الحقيقيّة.

رغم تغيّر الوقائع السياسيّة والعسكريّة في سوريا خلال السنوات الأخيرة، إلّا أنّ جوهر القضية الكُرديّة لم يتغير، تبدّلت السلطات، وتغيّرت موازين القوى، لكنّ العقليّة التي ترى في الحقوق القوميّة مسألة مؤجلة أو قابلة للمساومة ما زالت حاضرة.

اليوم، كما بالأمس، يُطرح مستقبل الكُرد في إطار تسويات ظرفيّة، أو تفاهمات مؤقتة، لا في إطار حقوق ثابتة ومحصّنة، وهذا بحدّ ذاته يؤكّد خطورة غياب النصوص فوق الدستوريّة، لأنّ أي إنجاز سياسي أو إداري يبقى هشّاً، وقابلاً للانهيار مع أول تبدّل في المشهد السياسي.

لن نكرّر أخطاء الماضي:

الحقوق التي تُكتب في دستور عادي قد تُلغى بتصويت برلماني أو استفتاء شعبي، وهكذا يصبح مصير مكوّن بأكمله رهينةً لمزاج سياسي أو أغلبيّة قوميّة مهيمنة، وهذا ما نرفضه بشكلٍ قاطع.

لذلك نحتاج إلى نصوص فوق دستوريّة تؤكّد بوضوح: “الحقوق القوميّة واللغويّة والثقافيّة والإداريّة للكُرد في سوريا مصونة وغير قابلة للإلغاء أو التعديل، تحت أي ظرف”.

التحديات أمام ضمانات دستورية للكُرد:

إقرار حقوق الكُرد في دستور مستقبلي هو أمر بالغ الصعوبة في ظلّ الواقع السياسي المعقد في سوريا، من ناحية ، لا تزال الحكومة الانتقاليّة ترى في الاعتراف بحقوق الكُرد تهديداً لوحدتها الإقليميّة، وهو ما ينعكس في مواقف الحكومة تجاه مطالب الكُرد. ومن ناحية أخرى، هناك قوى إقليميّة مثل تركيا التي تعارض بشدّة أي شكل من أشكال الفيدراليّة أو الحكم الذاتي الكُردي، خوفاً من تأثير ذلك على الوضع في المناطق الكُرديّة داخل أراضيها.

علاوةً على ذلك، هناك العديد من الأطراف الدوليّة التي لها مصالح متضاربة في سوريا، مما يجعل أي ضغط خارجي لدعم حقوق الكُرد مرهوناً بالتوازنات السياسيّة والتحالفات الدوليّة المتغيرة.

هذه العوامل تعقّد الطريق أمام الكُرد للحصول على ضمانات دستوريّة حقيقيّة تُحمي حقوقهم، وتُحوّلها إلى واقعٍ قابل للتنفيذ بعيداً عن المناورات السياسيّة والمصالح الخاصة.

دروس من تجارب الشعوب:

هذه الفكرة ليست جديدة، بل درس تعلمته شعوب العالم من مآسيها:

ألمانيا بعد النازيّة، حصّنت كرامة الإنسان وحقوقه من أي مساس حتى لو صوّتت الأغلبيّة ضده.

بلجيكا وضعت نظاماً فيدرالياً يجعل أي تعديل يمسّ حقوق المكوّنات اللغويّة مستحيلاً دون موافقتها.

جنوب أفريقيا بعد الأبارتهايد، كتبت مبادئ دستوريّة تمنع العودة إلى التمييز.

العراق بعد 2003 أقرّ دستوراً يعترف بحقوق الكُرد والفيدراليّة كجزء لا يتجزّأ من الدولة.

هذه التجارب تؤكّد أنّ الديمقراطيّة من دون ضمانات قد تتحوّل إلى أداة إقصاء، بينما الديمقراطيّة المحصّنة قادرة على بناء استقرار حقيقي.

نحو سوريا عادلة تتسع للجميع:

بناء سوريا جديدة لن يكون على أنقاض حقوق الكُرد، بل على الاعتراف الكامل بها وضمانها نصاً وروحاً، نحن لسنا ضيوفاً في هذه الأرض، ولسنا أقليّة تبحث عن صدقة سياسيّة، نحن شعب أصيل، وحقوقنا غير قابلة للتصويت أو التفاوض.

حماية حقوق الكُرد لا تعني فقط حماية الكُرد وحدهم، بل تعني حماية التعدديّة والتنوع وضمان مستقبل عادل لجميع السوريين، وأي دستور لا يتضمّن هذه الضمانات هو دستور ناقص، وغير قادر على جمع السوريين في مشروع وطني مشترك.

أثر الاعتراف بالحقوق الكُردية على المجتمع السوري:

إنّ ضمان حقوق الكُرد في سوريا لا يعني فقط توفير العدالة لهم، بل هو خطوة مهمة نحو بناء سوريا أكثر استقراراً وتعدداً.

إنّ حقوق الكُرد ليست متناقضة مع حقوق بقيّة الشعب السوري، بل هي جزء أساسي من مشروع وطني مشترك، فعندما يُعترف بحقوق الكُرد، يصبح المجتمع السوري أقوى وأكثر قدرة على التعامل مع التحديات المستقبليّة، هذه الحقوق ستضمن للمجتمع الكُردي الفرصة للازدهار مع بقية المكونات السوريّة، مما يعزز التنوع الثقافي والتعايش السلمي بين جميع الأعراق والطوائف.

لن تقتصر هذه الفوائد على الكُرد فحسب، بل ستنعكس إيجاباً على جميع السوريين، إذ سيخلق هذا الاعتراف بيئة من الشراكة والتعاون بين مختلف المكونات، مما يُسهم في إعادة بناء سوريا على أسس ديمقراطيّة، تضمن الحريّة والعدالة للجميع دون استثناء، بذلك، تصبح سوريا أكثر قدرةً على مواجهة التحديات الكبرى التي قد تظهر في المستقبل، سواءً كانت سياسيّة أم اقتصاديّة أم اجتماعيّة.

معركة سياسيّة وقانونيّة:

التاريخ علّمنا أنّ الوعود السياسيّة تنهار عند أول عاصفة، أما النصوص فوق الدستوريّة، إذا فُرضت وانتُزعت، فهي تبقى صمام أمان للأجيال القادمة. ولهذا فإنّ معركتنا اليوم ليست فقط سياسيّة، بل هي أيضاً قانونيّة ودستوريّة، من أجل تثبيت حقوقنا في أعلى سلطة قانونيّة في البلاد.

حقوق الكُرد خط أحمر، ومن يفكّر بتجاوزها سيكتشف أنّ الأمر لا يتعلّق بحزب أو تيار، بل بإرادة شعب كامل مصمّم أن يعيش بحريّة وكرامة على أرضه التاريخيّة، وبشراكة عادلة مع جميع السوريين.

إنّ التجربة السوريّة بكلّ مآسيها أثبتت أنّ الحقوق التي لا تُحمى دستورياً تتحوّل إلى أوراق تفاوض، وأنّ الشعوب التي لا تثبّت وجودها القانوني الأعلى، تبقى عرضةً للإقصاء مهما تغيّرت الظروف.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “339”

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى