
لماذا يخاف البعض من الفيدراليّة أكثر من الاستبداد؟
جيندار بركات
ليس من السهل فهم هذا التناقض الصارخ في الخطاب السياسي السائد في سوريا والمنطقة، كيف يمكن لمجتمعاتٍ عاشت لعقود طويلة تحت أنظمة استبداديّة مركزيّة، قمعت الحريات، وصادرت القرار، وألغت التعدّد، أن تخاف من الفيدراليّة أكثر مما تخاف من الاستبداد ذاته؟
السؤال هنا ليس استفزازياً بقدر ما هو كاشف لعطبٍ عميق في الوعي السياسي العام.
لقد جرى، عن قصد أو عن جهل، شيطنة مفهوم الفيدراليّة وربطه مباشرةً بالتقسيم والانفصال، حتى باتت الكلمة وحدها كافية لإطلاق حملات تخوين وتخويف.
في المقابل، جرى التطبيع مع الدولة المركزيّة، رغم أنّها كانت الأداة الأبرز لإنتاج الاستبداد، وإعادة إنتاجه، وحماية نخبه.
المفارقة أنّ المشكلة لم تكن يوماً في وحدة الدولة، بل في طبيعة هذه الوحدة: هل هي وحدة شراكة أم وحدة قسر؟
الفيدراليّة، في جوهرها، ليست مشروع تفكيك، بل نظام حكم يوزّع الصلاحيات ويحدّ من تغوّل المركز، ويمنح المجتمعات المحليّة قدرة على إدارة شؤونها ضمن دولة واحدة ذات سيادة، لكنّها تحوّلت في الخطاب السياسي العربي، وخصوصاً السوري، إلى فزاعة جاهزة تُستخدم كلما طُرح الحديث عن حقوق القوميات أو اللامركزيّة أو العدالة في توزيع السلطة.
الغريب أنّ كثيرين ممن يرفضون الفيدراليّة في سوريا، يثنون عليها في دول أخرى، ألمانيا دولة فيدراليّة ولم تتفكك، بل أصبحت من أقوى دول العالم اقتصادياً وسياسياً، سويسرا، بتعدديتها اللغويّة والثقافيّة، لم تجد في الفيدراليّة تهديداً لوحدتها، بل ضمانة لاستقرارها، كندا احتوت إقليم كيبك عبر نظام فيدرالي جنّب البلاد صراعات انفصاليّة خطيرة، وحتى العراق، رغم كل مشكلاته، لم يكن فشله نتيجة الفيدراليّة، بل نتيجة الفساد والصراعات السياسيّة وسوء التطبيق.
هذا يقودنا إلى السؤال الأهم: هل الخوف من الفيدراليّة نابع من حرص حقيقي على وحدة الدولة، أم من خوف النخب السياسيّة من خسارة احتكارها للسلطة؟
الواقع يقول إنّ كثيراً من القوى السياسيّة، سواء كانت سلطويّة أو معارضة، اعتادت التفكير بعقليّة المركز الواحد، والقرار الواحد، والزعيم الواحد، الفيدراليّة، بالنسبة لها، ليست خطراً على الدولة، بل خطراً على نفوذها.
في الحالة السوريّة، يزداد هذا الخوف عندما يُطرَح الموضوع من قبل الكُرد، فبدلاً من التعامل مع الفيدراليّة كحلّ وطني شامل لأزمة دولة متعدّدة القوميات والثقافات، يُنظر إليها كمطلب خاص أو تهديد محتمل، وهذا بحد ذاته يعكس أزمة ثقة، لا أزمة نموذج حكم.
الكُرد، في معظم طروحاتهم السياسيّة، لم يطالبوا بدولة مستقلة، بل بضمانات دستوريّة حقيقيّة تضمن الشراكة وعدم العودة إلى الإقصاء، لكن الذهنيّة الإقصائيّة لا ترى في الشراكة إلّا تقاسماً للسلطة، وهذا ما تخشاه.
الأخطر من كل ذلك، أنّ الخوف من الفيدراليّة غالباً ما يترافق مع صمت، أو حتى تبرير، للاستبداد، وكأنّ الدولة المركزيّة القمعيّة أهون شرّاً من نظام يحدّ من سلطة المركز ويمنح الناس حق القرار المحلي.
وهنا تكمن المفارقة الأخلاقيّة والسياسيّة: كيف يصبح الاستبداد مقبولاً باسم الوحدة، بينما تُرفض الديمقراطيّة باسم الخوف من التقسيم؟
إنّ النقاش الحقيقي الذي يجب أن يُفتح اليوم ليس: هل نريد فيدراليّة أم لا؟
بل: أي دولة نريد؟ دولة تُدار بالعقل الأمني والمركز الحديدي، أم دولة شراكة، تعترف بتنوعها، وتبني وحدتها على الرضا لا على القسر؟
الفيدراليّة ليست وصفة سحريّة، لكنّها أداة سياسيّة أثبتت نجاحها حين طُبّقت ضمن عقد اجتماعي واضح ودستور ضامن، أمّا الاستبداد، فقد أثبت فشله مراراً، ومع ذلك ما زال يُمنح فرصة تلو الأخرى، لأنّه يضمن بقاء السلطة بيد القلّة، لا بيد الشراكة والمساءلة، وربما لهذا السبب تحديداً، يخاف البعض من الفيدراليّة أكثر مما يخاف من الاستبداد.
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “340 – 341”






