آراء

ماذا بعد إيران، هل تركيا ستكون المحطة الأخيرة؟

جوان ولي

لقد تناولت في مقالات سابقة، نُشرت في جريدة يكيتي، دور إيران السلبي في الشرق الأوسط، وتورطها في إثارة المشاكل والتوترات ، بهدف التدخل في شؤون دول المنطقة والسيطرة على قراراتها، وهو ما تحقّق بالفعل في عدة عواصم عربية.

أدّى تمدد النفوذ الإيراني إلى تحولها إلى قوة إقليمية حقيقية، تتدخل في شؤون الدول المجاورة وتتحكم بها ، وذلك بغضّ نظر أمريكي وإسرائيلي، حيث كان وجود إيران كقوة شيعية يمثّل تهديدًا لدول الخليج، مما جعلها تعتمد على دعم الولايات المتحدة.

إضافة إلى ذلك، فإنّ الصراعات الطائفية والقومية بين دول المنطقة، التي ترفض التطبيع مع إسرائيل وتحرض ضدها، تحقّق فوائد سياسية لإسرائيل، حيث تخفّف من الضغوطات عليها، وتفتح أبوابًا لن تُفتح في حال تحسنت العلاقات بين إيران ودول المنطقة.

لقد منحت الضمانات الأمريكية لحماية إسرائيل من أي خطر خارجي شعورًا بالأمان لدى إسرائيل، لكن ذلك الأمان تلاشى بعد هجوم حماس عليها في 07.10.2023 واقتراب إيران من امتلاك القنبلة النووية.

أدركت إسرائيل أنّ وجود محور الشر، المتمثل في إيران والميليشيات التابعة لها ، يجعلها في وضع غير آمن، حيث تهدّد إيران باستمرار بمحو إسرائيل من الوجود. كما أنّ وجود ميليشيات إيرانية في المنطقة وقريبة من حدود إسرائيل تعطيها القدرة على تنفيذ هجمات داخل إسرائيل، بالإضافة إلى قرب إيران من تطوير سلاح نووي، غيّرت حسابات إسرائيل وجعلتها تفكّر بشكلٍ منفرد أحياناً عن الولايات المتحدة. ولذلك، قرّرت إسرائيل إنهاء الخطر والقضاء على التهديدات، سواء من الميليشيات التابعة لإيران أو من إيران نفسها.

كان ترتيب إسرائيل لاستهداف الجهات التي حاربتها منذ السابع من أكتوبر ذا أهمية كبيرة، حيث أثّر بشكلٍ كبير على نجاح حربها بأقل التكاليف الممكنة، إذ بدأت من الاجنحة والاطراف، حماس، ثم حزب الله، ثم نظام الأسد، وبعدها جماعة الحوثي، وصولاً إلى إيران. لو كانت إسرائيل قد هاجمت إيران قبل القضاء على أذرعها، لكانت إيران قد حركت تلك المجموعات المسلحة ضدها، مما كان سيتسبّب في خسائر كبيرة. لكن تفرد إسرائيل بتلك المجموعات واعتقاد إيران بعدم قدرتها على استهدافها سهّل على إسرائيل التخلص من تلك التهديدات واحدة تلو الأخرى دون تدخل إيراني مباشر.

ما حصل يؤكّد أنّ إسرائيل هي التي تقود القرار في ضرب إيران وبضوء أخضر أمريكي وإحداث تغييرات كبيرة منذ هجوم حماس، حيث لم تشارك الولايات المتحدة بشكل حقيقي في الحرب ضد إيران إلا في صباح ٢٢-٦-٢٠٢٥،حيث شاركت طائراتها في قصف المفاعلات النووية الإيرانية في ثلاثة مواقع رئيسية، نطنز، فوردو، اصفهان، الولايات المتحدة لم تكن ترغب فيما حدث، وكان الوضع قبل هجوم حماس على اسرائيل يحقّق مصالحها من حيث وجود نوع من التوازن في القوة بين إيران و ميليشياتها من جهة و بين دول الخليج من جهة أخرى.

إنّ وجود نية إسرائيلية لإحداث تغييرات جذرية يتطلّب تغيير النظام الإيراني، لأنّ بقاء النظام يعني استمرار سياسة تصدير الثورة إلى دول الجوار و هذا ما ترفضه إسرائيل.

من جانب آخر، وأثناء تراجع النفوذ الإيراني في سوريا، بدأت تركيا بالتفاوض مع حزب العمال الكُردستاني وقدّمت تسهيلات لعبدالله أوجلان، الذي طلب حلّ الحزب وإنهاء مرحلة الكفاح المسلح. بعد تراجع النفوذ الإيراني وسقوط نظام الأسد تصاعد دور تركيا وبدأ تحكمها يزداد على سوريا وباتت تسعى إلى إنشاء قواعد عسكرية جديدة، مما أدّى إلى صراعاتٍ بينها وبين إسرائيل، حيث أنّ تركيا، بحلتها الإسلامية، لن تكون بديلاً أفضل من إيران بالنسبة لإسرائيل، لذا لم تقبل إسرائيل بأن تقوم تركيا بملء الفراغ الذي نتج عن تراجع النفوذ الإيراني.

يبدو أنّ الدولة العميقة في تركيا لديها معلومات عن إمكانية حدوث صراع بينها وبين إسرائيل، لذلك بادرت قبل تصاعد التوترات إلى التحضير لإجراء تغييرات تجنّبها تقديم تنازلات لاحقًا لا تستطيع التحكم في حجمها، وبدأت بالتفاوض مع زعيم حزب العمال الكُردستاني عبدالله أوجلان لإيجاد مخرج للقضية الكُردية في تركيا،وتغييراً محدوداً في هذا الملف.

أعتقد أنّ تركيا لم تكن الهدف المباشر من التغييرات التي بدأتها إسرائيل، بعد هجوم حماس عليها، لكن ازدياد نفوذ تركيا في سوريا و تحركاتها قد تجعلها في نهاية المطاف جزءًا اساسياً من هذا الصراع و تكون في قلب المتغييرات، لأنّ إسرائيل لن تقبل بوجود أي تهديد لها في المنطقة بعد الآن.

بالتأكيد، لن يكون تعامل إسرائيل مع تركيا كتعاملها مع إيران، حيث أنّ وجود تركيا في حلف الناتو يمنحها وضعًا مختلفًا.

خلاصة الكلام، نحن أمام شرق أوسط جديد، يتمّ تشكيله بيد إسرائيل وموافقة أمريكية حذرة ولو بشكل غير علني.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “333”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى