ما الهدف من فتح ترامب “سيركاً” للسلام في واشنطن ؟

علي تمي / كاتب وسياسي

ضياع البوصلة

يتذكر الجميع بأن الإمارات العربية المتحدة، ومنذ فترة ليست ببعيدة فتحت سفارتها في دمشق ، وحاولت مد خطوط الاتصال مع النظام السوري ، وحينها صرح عبدالحكيم النعيمي، القائم بالأعمال الإماراتي في دمشق بالقول : “آمل أن يسود الأمن والأمان والاستقرار في سوريا في ظل ما وصفه ب (القيادة الحكيمة للدكتور بشار الأسد”) ، كما أشاد النعيمي بالعلاقة “المتينة والمتميزة والقوية” بين البلدين ..

– تدخل واشنطن وتل أبيب على الخط لخلط الأوراق .

شعرت واشنطن ومعها تل أبيب بالقلق حيال فتح الإمارات خطوط التواصل مع النظام السوري، معتقدين بأن انخراط (أبوطبي ) في هذا المسار ربما يدفع جميع دول الخليج إلى سلك نفس الطريق، وبالتالي خروج النظام وعلى مراحل متتالية من عزلته الدولية والإقليمية ، ومن ثم ضرب المشروع الأمريكي في الشرق الأوسط بعرض الحائط ، و محاولة الانتقال إلى الحلف الروسي ، بدورها لم تعارض الإمارات (على عكس السعودية) تحركات موسكو رسمياً في سوريا وقلب موازين القوة لصالح النظام منذ 2015 .

قانون “قيصر” وضعت إشارة(stop) على طريق دمشق.

شعرت واشنطن بأن الإمارات ومعها دول الخليج ،قد فتحت شهيتها للتقرب من النظام في ديسمبر 2018. ومن ثم محاولة عقد صفقات اقتصادية بمليارات الدولارات، جاء قانون “القيصر” الذي دخل حيز التنفيذ في 17 يونيو 2020 ليقول للجميع (stop) إن من دفع فاتورة محاربة داعش، يحق له فقط مناقشة إعادة الإعمار، وعقد الصفقات مع الشركات ، شعرت أبوظبي بخيبة أمل، بسبب قطع واشنطن الطريق من امامها وأمام الدول الاخرى لعقد الصفقات مع النظام ، ومن ثم جاءت اتفاقية التطبيع بين الإمارات والبحرين من جهة، وإسرائيل من جهة اخرى ،لتضع النقاط على الحروف ،ولتحقق هدفين لا ثالث لهما :

1- لمنع ( ابوظبي) من الانخراط والغرق أكثر في حلف ( دمشق ، طهران ، موسكو ) وإعادتها إلى “حظيرة” تل أبيب

2- توقيع اتفاقية “السلام” في هذا التوقيت ،يخدم ترامب في الإنتخابات، كون “اللوبي اليهودي” بات يطالب بثمن وصول ترامب إلى الرئاسة الأولى وربما الثانية .

أما واشنطن، فقد حذرت الإمارات من اللعب بالنار بعد فرض قانون “قيصر” مهددةً بإمكانية أن تطال العقوبات شخصيات أو كيانات إماراتية بعد التعامل مع نظام الأسد ، ومن هنا أدارت ( ابوظبي) ظهرها للنظام السوري، وتوجهت نحو تل أبيب ، وكانت النتيجة عقد اتفاقية ( السلام ) إلى جانب ( المنامة) مع تل أبيب في البيت الأبيض برعاية الرئيس ترامب.

الشقاق الإماراتي – التركي .

تعتقد الإمارات أن سياسة أنقرة في الشرق الأوسط تشكل تهديداً جدياً لمصالحها ولمصالح الدول الحليفة لها، وتهديداً للدور الإماراتي الطامح إلى فرض النفوذ في دول عدة بالمنطقة ،وفي شمال إفريقيا والقرن الإفريقي، لذلك تجد نفسها في صدام مباشر مع تركيا في سوريا وليبيا، إضافة إلى ما يتعلق بقطر والسودان وليبيا، لتمكين نفوذها في هذه البلدان ، بينما تركيا هي الأخرى تتهم( أبوظبي) بالسعي لـ”إثارة البلبلة، وزرع الفتنة، وإلحاق الضرر بتركيا ،وإثارة الفوضى فيها”، حسب تصريج لوزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، في 16 فبراير/شباط الماضي ، بين هذا وذاك ، تنقسم المنطقة شيئاً فشيئاً إلى تحالفات جديدة ( دمشق ، طهران ، موسكو ) الخليج و تل أبيب وواشنطن ، بينما أنقرة وباريس ،فكل منهما تبحث عن مصالحها بشكل انفرادي بعيداً عن التحالفات القائمة مستفيدتان من التناقضات الموجودة بين المحورين .

ماهي مكاسب دول الخليج من توقيع اتفاقية ( السلام) مع تل أبيب ؟

رفض الفلسطنيون الاقتراح الأميركي بعقد اتفاقية للسلام بين تل أبيب والدول العربية قبل إانسحاب إسرائيل إلى حدود (48) ووقف ضم أجزاء من الضفة الغربية إليها ، وجاء الاتفاق ليحقق لدول الخليج المكاسب التالية :

1- تطوير العلاقات التجارية والدبلوماسية والأمنية مع إسرائيل ، وحصول دول الخليج على أجهزة ،ومعدات ، وشبكات التجسس المتطورة منها.

2- الحصول على الأسلحة الأمريكية المتطورة بما فيها (f35) التي كانت محظورة في السابق.

3- تشكيل حلف جديد لمواجهة الدول الصاعدة في المنطقة تحديداً ( تركيا وإيران).

الخلاصة : بعد دخول إسرائيل إلى مرحلة جديدة، وتحقيق أهدافها من خلال ( الفوضى الخلاقة) ، حان الوقت لتقطف ثمار سياستها في المنطقة، وتحديداً في سوريا .

خرجت إسرائيل من عزلتها العربية التي كانت تحلم بها طول القرن المنصرم ، إسرائيل التي تشكل إلى جانب ( أنقرة ، طهران ، الرياض ) العواميد الأربعة في المنطقة ، ستطمح من خلال تحالفاتها الجديدة إلى إزالة العواميد الثلاثة من أمامها معتمدة على دول الخليج ،وتطبيق المقولة التالية: ( العقل اليهودي والمال الخليجي ) عندما يجتمعان سيطيحان ( بأكبر الرؤوس ) في المنطقة ، وهنا علينا ألا ننكر بأن دور أنقرة وطهران الصاعد، والمتمرد في المنطقة ،لا يمكن مواجهته بسهولة، وبالتالي ستبقى سوريا هي كلمة الفصل بين جميع هذه الأجنحة ( من يسيطر على سوريا، سيسيطر على المنطقة بطبيعة الحال) ، لهذا السبب الصراع طال وأمتد أكثر من 10 سنوات ، لكن الخوف والقلق السائد، هو عدم وجود مشروع أمريكي في المنطقة ، وهناك خشية ونظرية تقول: ( ربما موسكو وواشنطن ) متفقتان على الخطوط العريضة في الشرق الأوسط وترغبان ( اللعب بخريطة المنطقة ) لصالح تل أبيب ..بينما الرئيس ترامب قد أعلن في آخر تصريح له عن قائمة بأسماء الدول التي ستنخرط لاحقاً في إتفاقات السلام مع إسرائيل ويأتي كل ذلك في إطار الحشد ضد التمدد الإيراني في المنطقة تمهيداً لتمرير خططهما ( الجيوسياسية ) في المنطقة .. لننتظر ونرى .

قد يعجبك ايضا