ما كلّ ما يكتب يلفظ

دوران ملكي

منذ القدم وجدلية المصالح والمبادىء قائمة حيث أصبحتا متلازمتين ما إن اختفت إحداهما حتى تظهر الأخرى ولكلتا الحالتين أبدعت البشرية وسائل متطورة لتحقيقهما من أسلحة وتكنولوجيا واتصالات واختراق الفضاء بغية تحقيق الوسائل اللازمة من فكرية لاستمرار المبادئ وقوة لتحقيق المصالح

عندما تندثر الصراعات قليلاً تبدأ المصالح بالنهوض ويدخل في خدمتها جميع المجالات من سياسية وثقافية وعسكرية وتصبح حقاً مشروعاً تستخدم الدول في سبيلها الغالي والنفيس وفي هذا الحين تنزل المبادئ إلى الدرك السفلي وينسى الإنسان أنه كتب في يومٍ ما

كُتاب الفلسفة والاقتصاد ّوالسياسة كتبوا المبادئ وانحنت لهم القامات لأن الحق يُقال إنهم أبدعوا ووضعوا فلسفة للبشرية تستطيع فيها جميع المتناقضات أن تعيش في فلك واحد من خلال تقريب وجهات النظر الفلسفية بين جلّ المتناقضات

تبنّت نظرياتهم فئات اجتماعية وطبّقتها على أرض الواقع إلا إن الحقيقة المكرهة هي أنها اصطدمت بعقلية المنفّذين لأنّ النخب هم قلة تدرك الواقع أما الغالبية فتتأثر بموجات التيار دون إدراك حقيقي لتُستغلّ من قبل تيارات متعددة من دينية وأيديولوجية وعرقية وهي من تقود القطيع وتشجّع على التضحية ونكران الذات لتصبح الأساس في البحث عن المصالح

في نهاية القرن الماضي وبداية القرن الحالي غابت ظاهرة المصالح قليلاً من الساحة العالمية لانشغال أغلبهم بمسألة الأمن نتيجة لظهور حركات إرهابية تهدّد الإنسان دون استسناء من منطلقات دينية وهي تهدّد خصومها دون تردد مستخدمة أبشع الوسائل مستفيدة من طاقة الظلام الهائلة التي قلما استعملت حتى الآن مما دفع بأغلب الدول إلى البحث عن حلفاء لمواجهة هذا الخفاش المرعب وأصبحت الشغل الشاغل لأغلب الدول والكيانات السياسية

خانتنا الذاكرة وانضممنانحن الكُرد إلى حلف مواجهة الإرهاب ظناً منا أنّ البشرية عادت إلى رشدها وستعيد ترتيب الأولويات بدءاً بتطبيق المبادئ الأساسية وانتهاءاً بالمصالح الجماعية إلا أنه وكما يبدو أنّ ظاهرة الجشع تصبح لفترات وقتية متنحية أو كامنة تنتعش حينما تتيسّر لها الظروف وهي بالأساس سلوك فردي تطور ليصبح سلوك جماعي تتبناه الدول تحت يافطة(المصالح القومية)متجاوزةً جميع القيم الإنسانية التي وضعتها البشرية على مر القرون عن طريق الفلاسفة والمفكرين الذين نتفاخر بهم

بالنظر إلى ميثاق الأمم المتحدة حدث ولاحرج سترى جميع المواثيق موضوعة بالخط العريض إلا أنها لا تُلفظ إلا إذا كانت في خدمة المصالح

حقّ الشعوب في تقرير مصيرها أصبح من الأقوال المنسية وأي مساس بها يعتبر تدخلاً في الشؤون الداخلية ولا أحد يساند هذا الحق إلا من منطلق المصالح كذلك حقوق المرأة وحماية الدول الضعيفة ومكافحة الفقر وحماية البيئة ومخاطر التهديد الكوني يجب أن تمرّ من الكاريدور الأساسي وهي المصالح القومية

في الأمس القريب كان يهلهل لنا واليوم بدأت مقاساتنا بالعد التنازلي لأن الخطر أوشك على الزوال

تعقد الصفقات علينا دون أن نعلم ما يدور في خلدهم وننتظر حتى يبان المرج

أين نحن من حجم تضحياتنا

وأين نحن من بلوغ أهدافنا وطموحاتنا

لماذا نتغيب عندما تظهر مصالح الأخرين؟

آهي وقتية آنية لاتعير إهتماماً للغد ؟

أم تعقد على أساس الدول ونحن لم نشكّل دولة بعد؟

داعمي الأرهاب سيتحولون إلى أبطال في زمن المصالح والمغوار الذي أغنى الارض بدمائه سينال الألقاب الفخرية

سقط السجال أرضاً عندما ارتوت الأرض بالماء واندملت الشقوق وزال الخطر لتستعيد المصالح مكانتها وترجع الأمور إلى سابق عهدها وكأننا لم نحط الرحال قط لا بل علينا أن نزيل آثار مرابعنا وأطلالنا وحجارة مواقدنا لكي يعرف القاصي والداني(لم يمرّ أحد من هنا)كما علينا ان نغسل رائحة سبطانات أسلحتنا من رائحة البارود بماء البصل لكي يكون قسمنا صادقاً(لم نطلق طلقة واحدة) وأن نسوّي بالأرض قبور شهدائنا وأن نبني عليها العمارات والمدن لأن من كان يدعم الإرهاب سيصبح علينا رقيباً في زمن المصالح

نعيش في زمن التراجيديا ذي المأساة والملهاة نضحك أحياناً لقلة إدراكنا ونبكي أحياناً لشدة الظلم المطبق بحقنا

أوجدوا الإرهاب بمحاذاتنا لنضطر للدفاع عن أنفسنا وليبينو لخصومهم بأنّ عندهم فقط تفك العقد وأنهم الأولى لأن بيدهم المصالح

الشرق المتمثل بالماركسية والشيوعية تركنا لأنه كان تربطهم بالحكام (المصالح)والغرب أيضاً تركنا لأنهم يلهثون خلف (المصالح)ومواجهة

استقلال كُردستان وانتهاء ثورة السوريين ودمار سوريا وتهجير شعبها كان سببها المصالح

أين المواثيق الدولية التي نتفاخر بها وأين قواميس الرقي والحضارة الإنسانية التي ثقبت جدار صمّنا وأصبحت كالزاد والماءوالهواء لنا وهي لاتلفظ ولاتكتب ومتى ستكتب ؟حتماً تقف خلفها المصالح

الصراعات في الشرق واستقلال كاتلونيا والتايونيين وإقليم كشمير في الهند تقف خلفها المصالح

متى يزول عصر المصالح أم يجب ان نصبح براكماتيين وأن نركض أيضاً خلف المصالح

يجب أن نعيد النظر وندرس بدقة مالنا وما علينا وكيف نضع قضيتنا في طريق مصالح المتنفذين وأن نعترف بالحقيقة الأزلية إن لاحدود للمصالح ولا توقيت لانتهائها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن وجهة نظر كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي Yekiti Media

قد يعجبك ايضا