متناقضات الوعي الممارس – بعض الكُتّاب العرب أنموذجاً

وليد حاج عبدالقادر / دبي

هناك بعض من اﻷقلام احترمناها وقرأنا لها حتى على أرضية الخلاف ، وسعينا بكلّ جدّيةٍ ألا يتجاوز النقاش حدود اللباقة ، خاصةً أننا أقرّينا مراراً بأننا دون اﻵخرين قادة وشخصيات بارزة ، ومع ذلك بقي سؤال يطرح نفسه – وليعذرني بعضهم – : لماذا يتلاقى تخوين بعض الأنماط ويتقاطع مع تكغير اﻷصوليين ؟
وهل هي مستلزمات التوحد مثل التوحيد وبالتالي تلاقي مبدأ قطع الرؤوس مع اﻹقصاء واللذين بموجبه يمنحان نفسيهما سطوة الاستعلاء إلى درجة الانفصال الذهني عن الواقع وأدنى مراتب اللامعقول ، فتلاقى وتتقاطع أسلوب كتاباتهم مع منطق أجهزة اﻷمن في اﻷنظمة الشمولية ومبدأ التشكيك بكلّ شيءٍ وتخوين كلّ مخالفٍ وبالتالي فلا حرج من استخدام المحرج من معانٍ وصفات حتى الشكّ بإنسانية اﻹنسان ..

كم هو صغير من يستغبي غيره في أمر ما وهو يمارسه – الغباء – ، أجل ! هناك أمور كثيرة في الواقع تستوقفنا لدى مطالعتنا لبعضٍ من الصحف العربية ، وفي الأخص عندما تكون الكتابات بأقلام أسماء ـ أقولها بصدق ـ غُررنا بهم كثيراً في خاصياتٍ كانت بعيدةً عن الواقع والجغرافيا المحوّطة بتوصيفاتٍ عربية ، حيث التنميق النظري والمصطلحي ولباقة اختيار الكلمات التي كانوا يصفونها ويصفّونها في نهشٍ للفكر والمنطق السائدين . وعلى الرغم مما جرى ويجري في المنطقة ببعدها الإقليمي ، وبالتماس مع البعد القومي كانتماء عربي لبعض من تلك الأسماء ، خاصةً بعد ما تعارف عليه من ثورات الربيع العربي ، وبشكلٍ خاص ، ما يتعلّق بالذي حدث – يحدث في ساحات سورية بكاملها ، وبالرغم من حمامات الدم التي لاتزال تُهدر بغزارةٍ في أزقة وشوارع كما أحياء غالبية التجمعات البشرية السورية .. يصرّّ بعضٌ من القومويين / العروبيين الغارقين إلى حدّ الآن في منهج النزعويّة القومية ومرادفة نظرية المؤامرة وفوبيا الصهيونية / إسرائيل وبالتالي كلّ الويلات والمصائب إنما هي أعاصير هابّة من لدنها أيضاً .. على هدي طوابير الأسد وإعصار ـ ساندي المدمّر !! ـ فترى ـ كاتباً !! ؟ / مثل عبدالإله بلقزيز / يعتبر كلّ ما جرى ويجري بدءاً من حروب صدام وويلاته ـ بالطبع صدام كان منها بريئاً ـ ماهي إلا تباشير نظرية ـ الفوضى الخلّاقة ـ ذات الطابع الكولونيالي والمتسترة ـ حسب رأيه ـ برداء ـ التحرر والعدل والحرية ـ فإذا بها بنيات واضحة تبدو مساعيها والغاية منها فقط هي الذهاب بالنسيج الإجتماعي والوطني وكأنّي بها ـ تلك الدول ـ لم تكن في الأساس مجزوءة ومبرقعة و .. مكونة من تفتيت آخر .. ويرى بلقزيز .. أنّ الوطن العربي قد خضع إلى ثلاث تجارب ونماذج من ـ الفوضى الخلّاقة الكولونيالية الجديدة .. نموذج العراق كان الأول حيث دمّرت الدولة و .. النسيج الاجتماعي !! واطلاق العصبيات من القمقم !!! ويتناسى ببراعة .. بأنّّ القماقم هي أوّل من تصدّت للقوات الإنكليزية .. / محمود الحفيد وثورته وإعلان مملكة كُردستان 1919 ../ وإشاعة الفوضى والحرب الأهلية وصولاً إلى … ـ نظام المحاصصة ـ والنموذج الليبي .. ـ ولم يكن الهدف فقط إسقاط نظام القذافي وإنما … تفجير تناقضات المجتمع الليبي بين شرق وغرب ، بين القبائل ، بين الإسلاميين والليبراليين !! .. ـ .. أما في النموذج الثالث والذي يُطبّق في سورية / .. فتتوسّل سياسة الفوضى الخلاقة سلاح الداخل السوري المدعوم بجحافل الجهاديين المستقدمين .. لتفتيت تناقضات المجتمع السوري وتفتيت كيان الدولة خدمةً للصهيونية ـ ..

ولعلّ أسوأ تعبيرٍ وأمضّها إهانةً للثورات المعاصرة ما يختتم به ـ بلقزيز ـ مقاله * / ليس الجامع بين هذه النماذج الثلاثة من ـ الفوضى الخلاّقة ـ أنّ الفاعل ـ الخارجي ـ واحد ، وأنّ الهدف ـ التفتيت ـ واحد ، وإنما ـ أيضاً ـ الذريعة المتخذة .. واحدة ـ تحقيق الديمقراطية ـ .. / ولا أدري حقيقةً هل كلماته تستحق حتى مجرد الرد ، أو النقاش ـ مثلاً ـ؟ وكنّا نعلم أنّ ـ صدام حسين ـ كانت لديه ـ كوبونات نفط ـ مدفوعة القيمة لبعضٍ من الكتبة ، إلا أنّ النظام السوري نفسه يقتات على فتات فقهاء الظلام ليست إلا .. وليتها المسألة توقّفت عند ـ كاتبنا هذا ـ ولم تصبح مثل السلسلة تتابع وبمنهجية ، الأمر الذي يجعلني حقيقةً أستغرب ـ شخصياً ـ تتاليها بسياقات متعددة ، فيتحفنا آخر ـ د . محمد السعيد إدريس ـ وبمتوالية مقيتة حقّأ فيفسّر الأزمة السورية ومن جديد بالعبور لا من الضفة الغربية أو قناة السويس بل من عمق الجراح السورية التي يرى في أزمتها لابل ويضربها أخماس بأسداس وليصرخ بنزعويّة ـ ممضة من جديد ـ .. / سورية هي التي تضيع وإعادة ترسيم الخرائط السياسية مشروع يجري تجديده في سورية بعد أن تعثّر كلياً في العراق ، وجيش سورية يتعرّض الآن للتبديد كما هي منشآته العسكرية ، لكن الأخطر هو وحدة سورية ، ولايمكن أن تكون محصلة .. مصلحة الكيان الصهيوني / * ويعود في مقطع سابق من نفس المقال ليقول .. / .. وفي كلّ الأحوال فإنّ كلّ مَن يموتون ويشوّهون … هم سوريون ، وما يدمّر .. هي كلها أملاك الشعب السوري ، والخطر الذي يتهدّد شمال شرقي سورية حيث النفوذ الكُردي ، لايقلّ خطراً عما يتهدّد الشمال الغربي في سورية حيث النفوذ التركي يتوسّع / ..وشخصياً ، أحبّ ألاّ أسترسل في الردّ على هكذا قراءة لأمّيٍّ حقيقة أنّ في الجغرافيا بشقّيها الطبيعية والبشرية كما التاريخ وبالتالي ربطه المعادلة الكُردية ووجوده كشعب على أرضه ومكانه والتمدّد المتعدّد الأشكال وسياسة بطله الفاتح محمد أردوغان السلطان المعظّم .. وبعد جملةٍ من الأسئلة الفضفاضة يختتمها بسؤاله الرتيب حيث يقول .. / وأين ستكون وحدة سورية إذا ما انطلقت دعوة انفصال كُردية في الشمال الشرقي بعد أن سحب الرئيس السوري قواته من هذه المنطقة وسلمها لقوات حزب العمال الكُردستاني – التركي المعارض !! نكاية بالحكومة التركية ؟ / … و …. يختتم ملحمته الموقّرة قائلاً .. / .. ويبقى السؤال ماهو الحل ؟ …

الإجابة فلسطين ، نعم فلسطين هي الحل ، فإذا عادت الأولوية إلى فلسطين سيعود الرشد إلى العقل الغربي .. / * .. ويبدو أنّ هذا التوجّه قد غدا منهجاً يسير عليه كاتبنا في مطّه وتحليله!! لمجمل القضيّة السورية ليستخلص وفي مقالة أخرى حيث يقول .. / .. الصراع الدائر على سورية الآن من أطراف عربية وإقليمية ودولية نموذج شديد الوضوح للتدمير أوّلاً ولتفكيك الرابطة العربية . جيش سورية ومنشآتها وقدراتها البشرية والإقتصادية وتماسكها الوطني يدمّر تدميراً منهجياً في هذا الصراع ومعه يتحوّل الكيان الكُردي السوري المحتمل إلى واقع لايمكن الهروب منه كمقدمة محتملة لكيانات انفصالية أخرى . تماماً على نحو ما حدث للعراق ، وما يحدث للسودان من حرب انفصال الجنوب … / * وللحقيقة سأختصر ردّي بجملتين .. أما سبقت إشكاليات جميع الشعوب التي ذكرها د . إدريس وتشكّل هذه الدول ؟ .. وأقصد بها العراق وسورية والسودان وما يمور الآن في بعضٍ من دول المغرب العربي ؟ ..

قضيّة البربر وأحداث ـ تيزي أوزو ـ في الجزائر / 1978 -1979 / أيام بومدين .. وحوادث الريف المغربي ووووو .. أوليست كلها قضايا أوجدتها الكولونيالات؟ !! وزادت أنظمة الاستبداد والقمع والتسيد الفوقي لقومية واحدة .. الخ ؟؟ وبالنتيجة .. أوليست قضيّة الحرية والديمقراطية تسبق في أفضليتها الخبز والأمن ؟ .. أو الأمن والخبز .. كم تحزّ في نفوسنا وهذه السذاجة في التبسيط .. نعم .. استرخاص دم واضطهاد كما هتك مشاعر السوريين ….
وبالمحصلة فإنّ غالبية النسق من أمثال هؤلاء ، هم ممن تعوّدوا استقطاع الوقائع واختزالها بما يجول في خواطرهم كسرديات مطوبة ويتجاهلون عن عمد لكلّ حقائق التاريخ والوثائق كما الخرائط التي تموضعت وببصمات الدول الكبرى ومقررات أممية هامة كانت ولم تزل نسخها الأصلية محفوظة ..

إنّ قراءة التاريخ على طريقة قضم الحقائق أثبتت فشلها الذريع أمام حجم الوقائع النافية لها .

* الفوضى الخلاقة .. الاسم الحركي للتفتيت .. عبد الإله بلقزيز .. الخليج ص 26 العدد 12223/ تاريخ 5-11-2012

* سوريا ومأساة العصر .. د . محمد السعيد إدريس .. الخليج ص32 العدد 12194تاريخ 7-10-2012

*العجز العربي وخطر ـ المجالات الحيوية ـ … د . محمد السعيد إدريس .. الخليج ص 26 العدد 12223 تاريخ 5-11-2012

قد يعجبك ايضا