
محاكمات علنية في أحداث الساحل السوري: توجيه تهم القتل والنهب لـ21 متهماً
انتهى اليوم الأول من جلسة المحاكمة العلنية للمتهمين بارتكاب انتهاكات في أحداث الساحل والتي عقدت في قصر العدل بمدينة حلب، شمالي سورية. وقرر القاضي، اليوم الثلاثاء، تعليق الجلسة إلى تاريخ 25 ديسمبر/كانون الأول القادم. وشهد القصر العدلي توافد عشرات الأهالي لحضور أولى جلسات المحاكمة العلنية للمتهمين بارتكاب انتهاكات خلال أحداث الساحل التي وقعت في آذار/مارس الماضي.
وخُصصت الجلسة الأولى لمحاكمة 14 عنصراً متهمين بارتكاب انتهاكات في السادس من مارس/آذار، إلى جانب سبعة عناصر من النظام البائد الذين أعيد فتح ملفاتهم بعد العثور على أدلة تتعلق بجرائم ارتُكبت بحق مدنيين. وتؤكد مصادر قضائية أنّ المحاكمات ستتم “وفق قانون العقوبات وبشكل وطني مستقل”، في محاولة لإظهار تغيّر نهج العدالة بعد سقوط النظام السابق.
القاضي المكلّف بملفات أحداث الساحل قال، في تصريح مقتضب عقب الجلسة، إنّ التهم الموجهة للمتورطين تشمل جرائم الفتنة وإثارة الحرب الأهلية، وتشكيل عصابات مسلّحة، ومهاجمة قوى عامة، إضافة إلى القتل والنهب، وأشار إلى أن جلسات المحاكمة العلنية ستستمر خلال الأسابيع المقبلة، وأن باب الحضور مفتوح للأهالي ووسائل الإعلام “لضمان الشفافية”.
وللمرة الأولى منذ تلك الأحداث الدامية، تُفتح قاعة المحكمة على العلن لمحاكمة عناصر متورطين بعمليات قتل ونهب وتحريض طائفي، إضافة إلى مسؤولين سابقين وُجهت إليهم تهم تشير إلى ضلوعهم في جرائم حرب بحق مدنيين. وداخل القاعة الواسعة، حيث اختلط الهمس بقلق الأهالي، بدت ملامح التوتر واضحة. وتحاول أم محمد، التي وصلت قبل بدء الجلسة بلحظات، فهم ما ينتظر ابنها المعتقل منذ نحو عام، وتقول بصوت يختلط فيه التعب بالخوف لـ”العربي الجديد”: “بتمنى تكون المحكمة عادلة وتنصف المظلومين. لسا ما بعرف شي، وما فيني أعطي رأي على شي ما شفتو. ابني معتقل من أيام مجزرة الساحل.. الله يظهر حق الجميع”.
وغير بعيد عنها، كان أيمن محمد البكور، القادم من محمبل في جبل الزاوية، ينتظر بدوره موعد محاكمة ابنه الموقوف منذ سبعة أشهر. وعمل الشاب ضمن الفرقة 82، وانتشر له مقطع مصور أثناء الانتهاكات التي وقعت خلال تلك الأيام. يقول الأب لـ”العربي الجديد”: “اليوم أول محكمة.. نتمنى من الله أن يفرج عنه”.
وفي الخارج، كان الأهالي يغادرون على عجل، تتنازعهم مشاعر القلق والرجاء. بعضهم خرج أكثر طمأنينة، وآخرون أكثر خوفاً، لكن الجميع بدا متفقاً على أمر واحد: أن العدالة، بعد سنوات طويلة من القمع والانفلات، تواجه اليوم اختباراً حقيقياً أمام أعين السوريين.
وبدأت صباح اليوم الثلاثاء أولى جلسات محاكمة المتهمين بارتكاب انتهاكات خلال أحداث الساحل السوري في قصر العدل بمدينة حلب، شمالي سورية، بشكل علني. وبُثت الجلسة مباشرةً على قناة “الإخبارية السورية”، فيما قال قاضي المحكمة (لم يعلن اسمه) في بداية الجلسة إنّ المحاكمة “ستكون وطنية مستقلة وفق قانون العقوبات، وسنوجه للمتورطين تهم جرائم الفتنة وإثارة الحرب الأهلية”، مضيفاً أنه “ستوجه للمشتبه بهم تهم تشكيل عصابات مسلحة ومهاجمة قوى عامة والقتل والنهب”. ووجهت المحكمة إلى شخص يدعى حسن حلبية تهماً بالمؤامرة والتخريب وتزعم عصابات مسلحة وتمويلها وتجنيدها لقتال عناصر وزارة الدفاع، لكنه نفى ذلك، قائلاً إنه كان في لبنان وقت وقوع تلك الأحداث. وقبل انطلاق المحاكمات، قال المتحدث الرسمي باسم اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق في أحداث الساحل ياسر الفرحان لقناة “الإخبارية السورية”، مساء أمس الاثنين، إن اللجنة أحالت 563 مشتبهاً بهم إلى القضاء، وفق القوانين الوطنية والمعايير الدولية.
وأضاف أنّ هذه الإجراءات تهدف إلى منع إفلات المتورطين من العقاب وضمان إنصاف الضحايا، مشيراً إلى أنّ إجراءات الإحالة إلى المحاكمة بدأت تباعاً، حيث ستشهد جلسة اليوم الثلاثاء اتهاماً أو قراراً ضمنياً من قاضي الإحالة. وأضاف أن القضاء هو الذي يحدد ما سيُعلَن، وأكد أن اللجنة مستمرة في عملها حتى تحقيق العدالة وجبر ضرر الضحايا.
وفي سبتمبر/ أيلول الفائت أعلنت اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق في أحداث الساحل إحالة 298 متهماً بالاعتداء على المدنيين، و265 آخرين بالاعتداء على عناصر الأمن العام إلى القضاء. وقال المتحدث باسم اللجنة ياسر الفرحان إن عدم إعلان أسماء المتهمين يهدف إلى حماية حقوقهم وضمان مثولهم أمام العدالة، وتجنب أي ردات فعل انتقامية قد تؤدي إلى توترات أهلية في مناطق متداخلة جغرافياً. وأوضح الفرحان أنّ اللوائح المتضمنة أسماء المتهمين وبياناتهم الكاملة أُحيلت إلى النيابة العامة، مؤكّداً أن وزارة العدل باشرت فحص الملفات وتنفيذ إجراءات التوقيف والتحقيق.
وكان من المرتقب أن تبدأ أولى جلسات المحاكمات صباح أمس الاثنين، على أن تكون مفتوحة أمام الإعلام، وفق ما أعلن القاضي جمعة العنزي، رئيس اللجنة الوطنية للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل السوري. وشهدت مناطق الساحل السوري أحداثاً دامية في مارس/ آذار الماضي، استمرت عدة أيام، بعد هجمات شنها مسلحون موالون للنظام المخلوع على القوات الأمنية هناك، وانتهت باستعادة قوات الحكومة السورية السيطرة على المنطقة، بعد عملية واسعة شاركت فيها “فصائل غير منضبطة” وتخللتها انتهاكات واسعة وعمليات قتل بحق مدنيين، فضلاً عن سلب الممتلكات وحرقها. ووثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 1662 شخصاً منذ تاريخ السادس من مارس 2025 وحتى 16 إبريل/ نيسان.
وكان وزير العدل السوري مظهر الويس قد أكد في أواخر الشهر الماضي أنّ السلطات القضائية ستجري محاكمات علنية للمتهمين بارتكاب انتهاكات خلال أحداث الساحل السوري ومحافظة السويداء لـ”ضمان الشفافية ومحاسبة المتورطين وعدم إفلات أي طرف من العقاب”. وفي سياق مشابه، أكدت اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث السويداء، جنوبي سورية، أول من أمس الأحد، توقيف عدد من الأشخاص المنتمين إلى وزارتي الدفاع والداخلية وإحالتهم إلى القضاء، لارتكابهم “مخالفات” خلال الأحداث الدامية التي شهدتها المحافظة في يوليو/ تموز الماضي، وخلّفت مئات القتلى والجرحى.
ووصف مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني محاكمة المتهمين بـ”الخطوة الجيدة في الاتجاه الصحيح”، مضيفاً: “هذا ما طالبنا به منذ الأيام الأولى لوقوع التجاوزات بحق المدنيين في الساحل. هذه المحاكم شكل من أشكال المحاسبة”. وتابع، في حديث مع “العربي الجديد”: “هذه المحاكمات رسالة حقيقية للضحايا ولذويهم بأن الوعود التي قطعتها الحكومة بمحاسبة المتورطين تجد طريقها نحو التنفيذ العلني الشفاف، وهذا ما نريده في المنظمات الحقوقية”، وأشار إلى أن المنظمة السورية لحقوق الإنسان ستُراقب هذه المحاكمات، مضيفاً: “يجب أن تتوفر كل شروط المحاكمات العادلة، ويجب أن تشمل المتهمين من أجهزة الأمن والجيش ومن فلول النظام البائد، وبسوية قضائية واحدة، وأن ينالوا حقوقهم كافة”.
العربي الجديد






