آراء

محاولات الإدارة السورية الانتقالية لتشتيت القوى الكُردية: رسائل مزدوجة وهدف واحد

جوان ولي

تشهد الساحة السورية في المرحلة الحالية تحركات سياسية مكثفة من جانب الإدارة السورية الانتقالية، التي تحاول إعادة ترتيب علاقاتها مع مختلف القوى المحلية. وفي قلب هذه التحركات يبرز الملف الكُردي بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً.

خلال الفترة الماضية، لجأت الإدارة إلى توجيه رسائل متوازية من خلال التواصل مع كلٍّ من المجلس الوطني الكُردي وحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، في محاولة لإيصال انطباع لكل طرف بأنه “المفضّل” أو “الشريك الأقرب”. إلا أنّ هذه الرسائل المتناقضة تبدو جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى تشتيت الموقف الكُردي من خلال إفشال الاتفاق الذي تمّ في الكونفرانس الكُردي ، ومنع تشكّل موقف موحّد قادر على فرض شروطه.

تسعى الإدارة السورية الانتقالية إلى خلق انطباع لدى كل طرف كُردي بأنه يحظى بأولوية في التواصل، وذلك عبر:

– إيحاءات سياسية تُظهر المجلس الوطني الكُردي كطرف “معتدل” يمكن البناء عليه.
– خطابات موازية تُرسل إلى حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) لتأكيد أنه الطرف الفاعل وصاحب القرار في مناطق الإدارة الذاتية المتبقية في منطقة الجزيرة.
– قنوات اتصال منفصلة تمنع أي تقاطع بين الطرفين، وتُبقي كلاً منهما في دائرة الغموض.

كما تمّ، وفق هذا الطرح، تحقيق هدف مهم يتمثل في إحداث شرخ بين الأطراف الكُردية، من خلال تجاهل الإدارة للوفد الكُردي المشترك بشكل مقصود لمدة طويلة إلى أن فقد المؤتمر الكُردي زخمه، والضغط على الطرفين الأساسيين (المجلس الوطني الكُردي وPYD) من جهة أخرى، مع إظهار الأمر وكأنّ القوى الكُردية هي التي تعرقل تفعيل هذا الوفد. وساهم في ذلك أيضاً وجود أطراف داخل مكونات المؤتمر عارضت الاتفاق الكُردي منذ البداية وعملت على إفشاله، مستفيدة من حالة عدم الثقة القائمة بين المجلس وPYD.

إضافةً إلى عدم قبول إدارة دمشق فتح باب التفاوض مع الوفد الكُردي المشترك، فإنّ حزب الاتحاد الديمقراطي PYD والمجلس الوطني الكُردي يتحمّلان أيضاً جزءاً من المسؤولية. فـ PYD وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” فاوضت الشرع لمدة ثمانية أشهر، لكنها لم تمارس ضغطاً جدياً على إدارة دمشق لفتح قنوات تفاوض مع الوفد المشترك.

ومن جهة أخرى، ماطل المجلس الوطني الكُردي في الذهاب إلى دمشق بعد لقائه بالشرع وقبول الأخير بلقاء الوفد الكُردي المشترك، متذرعاً بضرورة الاتفاق أولاً مع PYD بشأن المرجعية والشراكة في إدارة المناطق الكُردية. لكنه حتى في هذا الملف ماطل ولم يصل إلى اتفاق، و تذرّع بأنّ الظروف تغيّرت بعد فشل الادارة الذاتية في حماية مناطقها من الانهيار.

هذه السياسة ليست جديدة في السياق السوري، لكنها اليوم أكثر وضوحاً، لأنها تأتي في لحظة ضعف كُردي داخلي وانقسام سياسي عميق، ما ينعكس سلباً على قدرة الكُرد في تحقيق أهدافهم المشروعة.

لعلّ أكبر نكسة تعيشها الحركة الكُردية الآن، نتيجة الضغوطات التي تُمارس ضد الكُرد، هي التصريحات التي تعطي إشارات بأنّ قرارات المؤتمر الكُردي لا تتناسب مع الظروف الحالية. والغريب في الأمر أنّ برامج الكونفرانس هي نفسها برامج المجلس الوطني الكُردي، والظروف الحالية أفضل من تلك الظروف التي أُقرت فيها هذه القرارات.

ورغم الرسائل الودية التي تبعثها الإدارة الانتقالية إلى الأطراف الكُردية، فإنً الواقع السياسي يشير إلى أنّ الهدف الأساسي ليس الشراكة الحقيقية، بل الحصول على غطاء كُردي للاستخدام الدولي.

ويعود ذلك إلى ثلاثة عوامل رئيسية:

1. الشرعية الدولية: إذ أنّ أي عملية انتقال سياسي تحتاج إلى إظهار تمثيل لمختلف المكونات، والكُرد عنصر أساسي في هذا التوازن، خاصةً في ظل وجود دعم دولي لهم، لا سيما من الكونغرس الأمريكي والبرلمان الأوروبي.
2. الضغط الغربي: حيث تراقب الدول الأوروبية والولايات المتحدة بدقة كيفية تعامل القوى السورية مع الملف الكُردي.
3. غياب مشروع واضح: إذ لا تمتلك الإدارة تصوراً متكاملاً لحل القضية الكُردية، ما يدفعها إلى الاعتماد على الرمزية بدلاً من الحلول الفعلية.

بمعنى آخر، لا تسعى الإدارة إلى حلٍّ حقيقي للقضية الكُردية، بل إلى تقديم صورة سياسية يمكن تسويقها في المؤتمرات والاجتماعات الدولية. كما أنّ غياب ضمانات دستورية واضحة يجعل أي تفاهمات حالية عرضة للتغيير أو الإلغاء في حال تثبيت السيطرة السياسية. بالإضافة الى الدور السلبي للإدارة السورية المؤقتة في التعامل مع الوفد المشترك فإنّ الأطراف الكُردية أصبحت مترددة في المطالبة بشكل واضح بما يريده الشعب الكُردي في كُردستان سوريا بتطبيق النظام الفيدرالي في سوريا و غيرها من المطالب المشروعة للكُرد و التي تمّ تبنيها في الكونفرانس الكُردي.

النتيجة هي إضعاف الموقف الكُردي بدلاً من تعزيزه، إذ تؤدّي هذه السياسة إلى:

– تقوية الانقسام الكُردي عبر تغذية الشكوك بين الأطراف.
– إضعاف القدرة التفاوضية للكُرد في العملية السياسية.
– تقديم غطاء سياسي مجاني للإدارة دون أي التزامات واضحة تجاه الحقوق القومية الكُردية.

إنّ استمرار القوى الكُردية في التعامل مع هذه الرسائل بشكل منفصل يجعلها أدوات في لعبة سياسية أكبر، بينما المطلوب هو موقف كُردي موحّد قادر على فرض نفسه على أي طاولة تفاوض.

ولعلّ ما حدث مؤخراً في العملية الانتخابية من حيث آلياتها ونتائجها، بما في ذلك رفض بعض الأسماء المقدمة من المجلس الوطني الكُردي ومنح تمثيل محدود للكُرد في مناطق تُعدّ من أكبر مناطق وجودهم، يعكس بوضوح طبيعة التعامل السياسي مع هذا الملف. وتكشف هذه الممارسات مدى محدودية الرؤية تجاه الدور الكُردي في مستقبل سوريا.

وفي المحصلة، يبقى القرار بيد الحركة الكُردية، التي تواجه خياراً تاريخياً: إما الاستمرار في حالة التشتت، أو التوجه نحو وحدة سياسية قادرة على حماية مصالحها وصياغة مستقبلها بوضوح.

وخلاصة القول، إنّ الإدارة السورية الانتقالية تحاول اتباع سياسة “التفضيل المزدوج” تجاه القوى الكُردية، لكنها عملياً تسعى إلى اكتساب شرعية دولية عبر غطاء كُردي شكلي. أما مستقبل القضية الكُردية، فلن يُبنى على الرسائل السياسية أو المجاملات، بل على وحدة القرار الكُردي وامتلاك مشروع سياسي واضح يفرض نفسه على الجميع.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “344

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى