آراء

محطات في تاريخ منطقة عفرين ( ﭼياي كورمينج ) Çiyayê Kurmênc

علي شيخو برازي

منطقة عفرين المعروفة تاريخياً باسم: جبل الكُرد Çiyayê Kurmênc, وهي تسمية كُردية قديمة, وكناية للشعب الذي يسكن هذه المنطقة, وهذا ما جعل العثمانيين يترجمون الاسم من الكُردية إلى التركية ( كردداغ ).

الوجود الكُردي في شمال وشمال غربي حلب عريق في التاريخ, وكان هذا الوجود متصلاً بالبحر الأبيض المتوسط في العصور السابقة,  هذا ما أكّدته كتب التاريخ, إن كانت مصادر غربية أو عربية,  وكان للكُرد كثافة سكانية في هذه المنطقة, بجبلها وسهلها حتى الساحل السوري الشمالي في العصور التالية:  الأيوبي, المملوكي, والعثماني, وقد تجلّى ذلك في إمارات الكُرد في ولاية حلب: ( إمارة  أكراد لواء حلب ) و( إمارة الأكراد في منطقة القصير)  التي شملت منطقة القصير وجبل الأكراد في اللاذقية ومناطق حماه, وغيرها, ودولة علي باشا جانپولات في ولاية حلب.

1 – قبل الميلاد:

هناك بعض المصادر القديمة تعود إلى ما قبل الميلاد, بعد موت الاسكندر المقدوني, والتي تتحدث عن الوجود الكُردي في ساحل بلاد الشام, ذكر الباحث أحمد وصفي زكريا تحت عنوان تاريخ أنطاكية: ” بنى انتيغونوس سنة 317 ق.م,  بين العاصي ومخرج بحيرة أنطاكية فيما قيل بليدة دعاها آنتيغونيا, وأسكن فيها قوماً من الأكراد وهم بقية جيوش الآشوريين, الذين ظلّوا في هذه البقاع يحترفون الصيد والرعي. ثم لما انتصر سلوقوس نيكاتور على أنتيغونوس وقتله سنة 301 ق.م, وبسط سلطانه على معظم البلاد الآسيوية, شاد سنة 300 ق.م , مدينة أنطاكية تكريماً لاسم أبيه أنطيوخس, كما شاد لائوديسيا (اللاذقية) لاسم أمه, وأفاميا (قلعة المضيق) لاسم امرأته, وبدا له أن يغيّر موقع آنتيغونيا, فأمر ببناء أنطاكية, في سفح جبل سيلبيوس ونقل إليها أنقاض آنتيغونيا بعد أن دكّها, وأسكن فيها مزيجاً من الكُرد واليونانيين والمقدونيين واليهود.” (1) .

2 – في العهد الإسلامي:

منطقة ﭼياي كورمينج ( كُرد داغ ) تعرف تاريخياً بمنطقة ب ( جومة ) في التاريخ العربي, فتحها العربي المسلمون أيام خلافة عمر بن الخطاب, بقيادة أبا عبيدة بن جراح عام 637 م. يقول البلاذري بعد الصلح مع أهل حلب: ( جالت خيوله فبلغت بوقا وفتحت قرى الجومة وسرمين ) (2) . أثناء الفتح العربي لسوريا والجزيرة الفراتية, أبت الكثير من القبائل النصرانية العربية والكُردية وغيرها من سكان الشمال السوري والجزيرة الفراتية, تغيير دينها  والدخول في دين الإسلام مثل: إياد وتغلب وبني كلاب وغيرها, ووقفت إلى جانب الروم وحاربت الجيش الإسلامي, وكذلك القبائل الكُردية والسريانية, يقول الكاتب الأرمني أرشاك بولاديان عن كُرد منطقة طرسوس, وهي أقرب منطقة إلى ( كُرد داغ ) çîyayê kurmênc ويستند في ذلك على ابن الأثير: ” لعب تقارب القبائل الكُردية والهراطقة – الباوليكيانيين وسواه من الظروف, دوراً كبيراً في علاقاتهم مع الإمبراطورية البيزنطية, وأتاح للأكراد إمكانية الاحتكاك بوثاقة أكثر مع الروم, والارتداد عن الإسلام في بعض الحالات. ومعلومات ابن الأثير التالية على سبيل المثال شيقة من هذه الجزئية: فبعد وصفه للصدام العسكري بين العرب وبيزنطة, كتب قائلاً: إنّ العرب قاموا بتحطيم البيزنطيين وأسرهم في طرسوس في عام 927 م . وبعد ذلك التقى الجيش العربي في المكان ذاته بأحد الزعماء الأكراد المدعو ابن الضحاك, الذي كان يملك حصناً باسم الجعفرة, فقد ارتدّ عن الإسلام وانضمّ إلى طرف الإمبراطور البيزنطي, الذي عامله بالحسنى وسمح له بالعودة إلى حصنه. وبعد التقائهم ابن الضحاك, حاربه المسلمون وقاموا بأسر جميع الموالين له وقتلهم.” (3)

3 – الإمارات الكُردية في ولاية حلب:

في أواخر العهد الأيوبي يبرز دور الكُرد المنديين أسلاف الجانپولاتيين في جبل الكُرد (كُرد داغ), ويشكّلون إمارتين في الشمال السوري باسم: إمارة أكراد لواء حلب, وإمارة الأكراد في منطقة القصير كما أسلفنا, ونرى تفاصيل هاتين الإمارتين في كتاب شرفنانه. مند شاه الذي هو الجد الأول لأسرة جانپولات (جنبلاط)  تزعّم العشائر الكُردية الإسلامية واليزيدية في شمال حلب وغربها, في بداية العهد الأيوبي, ثم تولّى حكم الكُرد في ولايتي حلب والشام. يقول البدليسي: ” إنّ مند قد كان جمع في بدء ظهوره, قوة من العشائر الكُردية, ذهب بها إلى أنحاء مصر والشام .(*) فأنعم عليه أحد أولئك السلاطين العادلين, بناحية القصير القريبة من ولاية أنطاكيا, كسنجق يقيم بها مع أشياعه وأتباعه. ثم اجتمع حوله من الأكراد اليزيدية في تلك النواحي الكثيرون, فلاحت آثار الكفاية وأمارات الشهامة على جبينه, فعلا شأنه, وأخذ يتدرّج في توسيع نفوذه, فلحق به الأكراد القاطنين في چوورم وكلس أيضاً.

فعطف عليه السلطان الأيوبي, وشمله بمراحمه, و ولّاه على الأكراد القاطنين في ولايتي الشام وحلب.” (4) ونشب صراع بين مند والطائفة اليزيدية على الحكم في بداية عهده, لكنه انتصر عليهم بسياسته وحكمته, حتى خضع له جميع الكُرد القاطنين بين كلس وحماه , ويذكر ذلك شرفخان البدليسي بقوله: ” نازعه الملك في أوائل عهده فئة من الشيوخ اليزيدية الساكنين بين حماه ومرعش, فنشبت بينهما حرباً امتدّت أياماً, إلا أنّ مند انتصر عليهم, وأخضعهم لأمره بلطف وعطف تارة, وقسر وكراهية تارة أخرى, ثم دان له من بعد جميع الأكراد في تلك الأنحاء, فلما جاءته الوفاة خلّفه ابنه عرب بگ .” (5) وبعد وفاة عرب بگ تسلّم حكم الإمارة ابنه الأمير جمال, وبعد وفاة الأمير جمال تسلّم الحكم ابنه أحمد بگ الذي انتهت في فترة حكمه الدولة الأيوبية, فاستقلّ بإمارته  ولم يخضع لحكم المماليك حسب ما ورد في كتاب شرفنامه, حكم أحمد بگ مدة طويلة وبعد وفاته خلّف حبيب بگ وقاسم بگ .

وقد زار ابن بطوطة إمارة الكُرد في القصير في النصف الأول من القرن الرابع عشر الميلادي, حيث قال: ” سافرت إلى حمص القصير, تصغير قصر, وهو حصن حسن, أميره علاء الدين الكُردي, وقاضيه شهاب الدين الأرمنتي ” . (6)

تولّى حبيب بگ أمر إمارة الكُرد فترة من الزمن, ثم تمكّن سلاطين الشراكسة من استمالته إليهم ودعوته إلى حلب  حيث قتلوه فيها غدراً . وتسلّم من بعده حكم الإمارة أخوه قاسم بگ, وكان ذو قوة وسياسة, ولكن سلاطين الشراكسة كانوا قد سلّموا أمر الإمارة الكُردية إلى الشيخ عز الدين الأيزيدي, وعملوا على إقصاء قاسم بگ عن الحكم, من خلال تنصيب شهريار بگ رمضانلو قائداً, وضمّ قسم من جند حلب إلى جنده . فاعتصم قاسم بگ مع رجال القبائل الكُردية بجبل صهيون, فأرسل السلطان الغوري ابن أخته مع جماعة كبيرة من جند حلب, واصطحبوا  عز الدين معهم للإغارة على قاسم بگ, فنشبت معركة بين الطرفين انتصر في نهايتها قاسم بگ على الجيش الشركسي وقوات عز الدين الأيزيدي.

يقول البدليسي : ” لما أزمع السلطان سليم خان على غزو البلاد العربية, ونوي احتلال مملكتي الشام ومصر, سار للقضاء على الشراكسة, ولإجلائهم عن هذه البلدان, عرض قاسم بگ مع خير بگ الشركسي الطاعة عليه عام 1516 م , وحظيا بزيارته. ثم لما احتلّ القطرين المذكورين مع حلب, حمل قاسم بگ معه ابنه جان فولاد ( جان بلاط ) وكان يومئذ في الثانية عشرة من عمره, وسار في الموكب السلطاني إلى الآستانة . وفي تلك الآونة قصد الشيخ عز الدين اليزيدي ( قراجه باشا ) أمير أمراء حلب , وتمكّن بواسطة بعض المفسدين من إغرائه وحثّه على الوشاية بالأمير قاسم بگ, فانخدع بهم, وعرض مساوئ قاسم بگ على ملازمي السدة السلطانية, وبالغ في الوشاية به, إلى أن قال:

“إذا تمكّن قاسم بگ من الانصراف والعودة إلى حلب, فإنه سيعيث في المنطقة فساداً كبيراً. فقاموا  يدلون بالبراهين الدامغة لإقناع السلطان بالقضاء عليه, فأصدر الأمر المطاع لقتله, وبادر السيافون بتنفيذ العقوبة فيه . أما ابنه جان فولاد, فقد أودع في البلاط الملكي , وأدخل في عداد مماليك الخزينة, وعني بتربيته ورعايته .” (7)

قال ابن الحنبلي عن الشيخ عز الدين : ” عز الدين بن يوسف الكُردي العدوي, أمير لواء أكراد حلب في أواخر الدولة الجركسية,  وأوائل الدولة العثمانية. كان من طائفة ينتسبون إلى الشيخ عدي بن مسافر, رضي الله عنه, ويعرفون ببيت الشيخ مند, الذي كان يأتيه من لدغته الحيّة, فيطعمه من خبز رقى عليه ونفث فيه, فيأكله  فيبرأ بإذن الله تعالى. كان الأمير عز الدين شهيراً بهذه الخاصية بين الأكراد, مع إدمانه على شرب الخمر, وقتل النفوس سياسة, وكان لهم غلو زائد فيه حتى يلقّبونه بالشيخ عز الدين, وربما قيل للواحد منهم : أنت من أكراد ربنا أو أكراد عز الدين ؟ فيقول : بل أنا من أكراد عز الدين. وكان شيخاً معمراً يصبغ لحيته بالسواد وله شامة, ووصلة أكيدة بخير بك  كافل حلب في آخر الدولة الجركسية . وفي أيامه كان صلب الأمير حبيب بن عربو تحت قلعة حلب, وذلك أنه كان بين الأمير عز الدين وبيت عربو, وهم طائفة معتبرة من أمراء قصير, عداوة بيّنة من جهة الدنيا,  وكذلك من جهة الدين, لأنّ ابن عربو كان من أهل  السنة والجماعة  رضي الله عنهم, وبيت الشيخ مندو كانوا يزيدية, فكان يغدر بهم حتى سعى في قتل جماعة منهم كالأمير حبيب وأخيه الأمير قاسم, وكان قتله بالباب العالي السليماني, عن عرضٍ عرضه أحمد باشا المشهور بقراجا باشا أول من كان باشا بحلب, في الدولة العثمانية السليمية, وذكر فيه أنه جمع بين تسعة نسوة في زمن واحد بمكر الأمير عز الدين به عنده ” (8).

 

وهذا الحوض الكبير الكائن داخل باب آغيول (*) من إنشاء الأمير عز الدين , وكان يزعم أنه عمّره من حلال مال والده, توفّي الأمير عز الدين سنة 940 ه 1534م .

وذكر مؤرخ حلب كامل الغزي في حوادث سنة 922هـ/1516م : ” صلب تحت القلعة الأمير حبيب ابن عربو, من طائفة معتبرة من أمراء القصير, من أهل السنة والجماعة لاتهامه بأنه جمع بين تسعة نسوة في آن واحد ” (9) .

بعد انتقال حكم السلطنة إلى السلطان سليمان القانوني 1520-1566. أخرج جان پولات بك من البلاط السلطاني، وأُدخل في تشريفات الباب العالي. ولما ظهرت منه في بعض المعارك أعمال جليلة، استحقّ بها عطف السلطان، واستدعى منحه حكومته التي ورثها من آبائه وأجداده. بيد أنّ السلطان سليمان خاف من أن يؤدي رجوعه إلى إثارة الأكراد، فأنعم عليه تولية الحكم في أحد السناجق التابعة لولاية حلب، لكن جان پولات بك لم يرضَ بها، فأسند حكم الإمارة إلى (حسين خان الخادم)، وفوّض إليه القيام بتفحص أحوال الأكراد في إيالة كلس، وإمكانية منح حكومتها الوراثية لجان پولات بك. وبعد أن درس حسين خان الحالة، رفع إلى السلطان تقريراً جاء فيه: ” إذا لم تسند إمارة الأكراد في هذه المنطقة إلى جان پولات بك، فليس هناك من يستطيع القيام بمهام حكومتهم، وإخماد الثورات والفتن بينهم، والقضاء على أشقيائهم . ولا يأمن السكان وأبناء السبل والمارة من حلب وسائر الولايات العربية مكرهم… ” فأدّى هذا التقرير إلى أن ينعم السلطان بأيالة كلس وملحقاتها على جان پولات  بگ، فأدار شؤونها بدراية وحزم  .

توفّي جان پولات بك سنة 1572 عن عمر قارب 100 سنة، وخلّف عدداً كبيراً من الأولاد عرفت أسماء عشرة منهم وهم: حبيب بگ ,عمربگ , أحمد بگ , عبدالله بگ, حسين بگ , جعفر بگ , غضنفر بگ ,  زينل بگ , حيدربگ , وخضر بگ .

بعد وفاة جان پولات، تولّى ولده جعفر حكم كلس بموجب وصية  والده , والعهد الصادر من ديوان السلطان مراد. وبعد مرور أربع سنوات على حكمه، كان مصطفى باشا السردار قد اتجه إلى منطقة شيروان في كُردستان ليحتلّها، فعزم جعفر بك على الالتحاق به، وسار إلى دياربكر، غير أنه لما بلغ جبل “قره جه داغ الواقع بين سيورك ودياربكر”، سقط عن حصانه ولقي حتفه.

أما حبيب بك فقد كان قد تعرّض إلى الكثير من الظلم على يد أخيه جعفر مع حرمانه من الميراث بموجب وصية والده. ولكنه كان صلب العود، يثأر لنفسه، فبعث من يتظلّم له في ديوان السلطنة، وحظي بمقابلة الوزير الأعظم محمد باشا. ولكي يقطع هذا الأخير دابر النزاع، منحه سنجق نابلس من أعمال الشام، إلا أنّ حبيب بك لم يرضَ بذلك، والتمس منحه إيالة بالس من أعمال حلب، وكانت تحت تصرف شقيقه حسين بك، وتحقّق له ذلك.

ولما بلغ حسين بك هذا الأمر، أوفد إلى الأستانة من استصدر أمراً بإلغاء الأمر السابق وبعزل حبيب بك. فلما سمع حبيب بك بذلك، قصد أعتاب السلطان مراد حاملاً معه خمسة آلاف دينار ذهب ليهديها إلى شيخ السلطان الخاص، وعرض عليه أن يتوسّط لدى السلطان لإعطائه حكومة كلس. فأدّى توسط الشيخ إلى أن يصدر الأمر بمنحه سنجق سلمية في إيالة حلب. غير أنه لم يرضَ بها، وأمام إلحاحه على الشيخ، صدر الأمر السلطاني بمنحه إيالة كلس، وأسند سنجق سلمية إلى أخيه حسين بك.

ظلّ حبيب بك يحكم كلس لمدة ثلاثة أعوام، إلى أن عزل وأسند حكم الإمارة إلى شقيقه حسين بك، وبقي على حكمها سنين عديدة بالاستقلال التام. كما نال منصب ميرميران «أمير الأمراء» في طرابلس الشام سنة 1592م، إضافة إلى حكومة كلس، ومنح لقب باشا، وأصبح ذا مكانة ونفوذ. (10)

4 – حسين باشا جانپولات الكُردي أمير الأمراء بحلب

قال المحبي: ” حسين باشا جانپولات الكُردي أمير الأمراء بحلب, كان في ابتداء أمره من المتفرقة, ثم تولّى إمارة كلس منصب والده, وعزله عنه أخوه الأمير حبيب, وشبّت العداوة بينهما, ثم استمرّا يتعازلان فتولّى ديو سليمان كلس, فاحتاج إلى جمع السكبانية, وكان ابتداء كثرتهم وظهور قوانينهم من عبد الحليم اليازجي, أحد أتباع المسطور. ولما سجن صاحب الترجمة بحلب وبيعت جميع أسبابه وعقاراته بأبخس الأثمان لمال سلطاني, كان عليه تولي كلس بعد ذلك, وصمّم على الامتناع عن تسليمها إن عزله أحد.

فكان إن عزل من جانب السلطة سعى في العودة من غير تسليم المتولي الجديد, فعلم أكابر الدولة أنهم إذا صمّموا على عزله, شقّ العصا فتركوه وارتضوا بالمال, فكثرت أجناده وأمواله, وكان له فتوة ومروءة ومحبة للعلماء الصالحين, إلا أنه كان ظُلمًا لاحتياجه إلى علوفات السكبانية, وكان له فضيلة في علم الفلك والزابرجاد والتقويمات والرمل , وصرف أكثر عمره في ذلك. ولما توّجه محمد باشا الوزير ابن سنان باشا الأعظم, سرداراً على حسين باشا أمير لواء الحبشة, وكان خرج عن الطاعة وشقّ العصا, فتوجّه صاحب الترجمة لحربه صحبة السردار, فتقدّم إلى كلس خارجي من السكبانية يقال له رستم ومعه من البغاة أجناد كثيرة .

فنهب كلس وصادر أعيان أهل القرى, ولما تولّى نصوح باشا كفالة حلب وكان عساكر دمشق تغلّبوا على حلب ونواحيها, وأمره السلطان احمد بإخراجهم وعجز عن ذلك, فاستعان بصاحب الترجمة, فبعث ابن أخيه الأمير علي بعسكر عظيم, فأصبح نصوح باشا وقد أخذ القلعة ووضع متاريس تحت قلعة حلب, واستعدت جماعته فكانوا نحو ستمائة, فأخذت العساكر الدمشقية باب بانقوسا, واستعدوا وجمعوا عساكرهم نحو ألفين, وهم لا يعلمون أنّ صاحب الترجمة بعث عساكر. فأحضر نصوح باشا إلية كنعان سردار الدمشقيين, وأخبره السلطان رفعهم من الاستخدام, وأمرهم بإخراجهم من حلب بعيالهم فامتنعوا . ثم توارت الأخبار أنّ الأمير علي بن جانبولاذ وصل إلى قرية حيلان بعساكر لا تحصى, فخرجوا في الظلام ولم يبقَ منهم واحد .

وفي اليوم الثاني دخل الأمير علي بعساكره المتكاتفة, فتبعهم نصوح باشا ومعه الأمير علي إلى قرية كفر طاب, فوقع بينهم محاربة فانهزم الدمشقيون بعد ما قتل منهم جمع غفير, فصادر نصوح باشا أقاربهم وأتباعهم, وفعل حسين باشا مع نصوح باشا هذا الفعل, فأخذ نصوح باشا يتكلّم بين الناس : أنه يريد قتل حسين باشا . فسمع الخبر فأخذ في جمع العساكر, وبعث جماعة إلى السردار سنان بن جغالة, الذي أرسله السلطان لقتال الشاه فبلغ ذلك نصوح باشا فاشتدّت عداوته, فعزم على المفاجأة بالقتال, لكون كلس قريبة من حلب, فخرج في عساكره مجداً حتى وصلها في  يوم واحد, فقابله حسين باشا بعسكره فالتقت الفئتان, فانكسر نصوح باشا وقتل أكثر عساكره ودخل حلب منهزماً, ثم في اليوم الثاني أخد في جمع الأجناد وبذل الأموال لتكثير العدد ظناً منه إن صبح سعده أسفر. ثم جاء رسول من السردار سنان باشا جغاله يخبره بالأمر السردارية, أنه قد صار حسين باشا كافل الممالك الحلبية, وعزل نصوح باشا فلبس نصوح باشا جلد النمر وامتنع عن تسليم حلب لحسين باشا ….. فيما مضى أسبوع إلا وقد أقبلت عساكر حسين باشا, بمجموعها إلى قرية حيلان . فاستقبلهم نصوح باشا بالحرب فانكسر ثانيةً, واستولى حسين باشا على الديار الحلبية, وشحنها من السكبان وصادر الأغنياء والفقراء, لأجل علوفة السكبان ثم أمر سنان باشا حسين باشا بالتوجه إليه لقتال الشاه. وقدّم رجلاً وآخّر أخرى وتثاقل من السفر حتى حصلت الكسرة ببلاد العجم للعساكر العثمانية . وفي واقعة مشهورة قتل فيها جماعة من الأمراء, وكان في السادس عشر من جمادى الآخر سنة أربع عشر وألف ( تشرين الثاني 1605 م ) .

فلما رجع الوزير سنان باشا بن جغاله , أدركه حسين باشا في رجعته بمدينة وان فقتله لتأخره في السنة المذكورة, وكان يريد جعل ابن أخيه الأمير علياً قائمقامه بحلب فلما بلغه قتل عمه, تملّك حلب وخرج بها على السلطنة, وتولّدت من ذلك فتن عظيمة “. (11)

5 – الدولة الجانپولاتية في سوريا

علي باشا جانبولات سبق محمد علي باشا والي مصر, في الاستقلال عن الإمبراطورية العثمانية, حين بدأ الضعف فيها من جوانب عدة, وكان قد هيّأ لهذه الثورة كل مقومات الاستقلال من : علاقات دبلوماسية وتعبئة شعبية وتحضير لوجستي, في كل من سوريا ولبنان, وقد تزامنت هذه الثورة مع انتفاضة شعوب أوربا الشرقية : البلقان – اليونان – هنغاريا – البانيا – البوسنة – جورجيا – مقدونيا – وفي الأناضول وسط تركيا. وكان لثورة الفرس دور كبير في ضعف هذه الإمبراطورية, ثم في البلدان العربية مثل: العراق – لبنان – اليمن وغيرها .

بدأ التواصل بين قادة هذه الشعوب, واتفقوا على الدعم والمساندة في وجه العثمانيين وتوحيد هذه القوى الثائرة, وكان الأمراء المسيحيون أكثر تواصلاً مع الشاه عباس في إيران, وشارك علي باشا جانپولات في المعاهدات التي تمّت بينهم .

وفور إعلان علي باشا الثورة على الدولة العثمانية في ولاية حلب, أرسل فرديناندو الأول دوق توسكانا الأكبر, أسطولاً لاحتلال ميناء آياس شمالي سوريا ومواقع أخرى في الأناضول, واتصل مع شاه عباس الصفوي وكلّ من علي باشا جانبولات وفخر الدين المعني, وكان السبب الرئيسي لإعلان علي باشا الثورة على الدولة العثمانية, حادثة مقتل عمه حسين باشا على يد الوزير العثماني سنان باشا ابن جغالة, بحجة  أنّ حسين باشا تأخّر عن قصد, ولم يلتحق به أثناء حربه ضد شاه إيران كما أسلفنا.

قال المحبي: ” الأمير علي بن أحمد بن جانپولات بن قاسم الكُردي القصيري, قد أكثر أهل التاريخ والمجاميع ممن لحقوا واقعته من ذكره وذكر ما فعله في دمشق, وما جرى لحكام الشام وأهلها معه من الوقائع, وقد اخترت ما أودعته في هذه الأوراق من مبدأ أمره إلى منتهاه. وأما ذكر أصله ومنتزعته, فجده جانبولاذ هذا كان يعرف بابن عربو وكان أمير لواء بحلب, ولي حكومة المعرة وكلس وعزاز, وكان له صيت شائع وهمة علية.

 

ومبدأ الأمير علي هذا أنه كان في طليعة عمره ولي حكومة العزيزي, وقد تقدّم في ترجمة عمه حسين باشا, إنه لما قتله الوزير ابن جغاله لتراخيه في أمر السفر الذي كان عين له, خرج الأمير علي عن طاعة السلطنة وجمع جمعاً عظيماً من السكبانية, حتى صار عنده منهم ما يزيد على عشرة آلاف, ومنع المال المرتب عليه وقتل ونهب في تلك الأطراف, ودبر على قتل نائب حلب حسين باشا, وكان السلطان ولّاه نيابتها, ووصل إلى أذنة * وكان بأذنة حاكم يعرف بجمشيد, فكتب إليه ابن جابولاذ: أن يصنع له ضيافة ويقتله ففعل, ونما خبره إلى الأقطار واستمرّ في حلب يظهر الشقاق, إلى أن أرسل الأمير يوسف بن سيفا صاحب عكار إلى باب السلطنة رسالة يطلب فيها : أن يكون أمير على عساكر الشام والتزم بإزالة الأمير علي عن حلب, فجاءه الأمر على ما التزم, وأرسل إلى عسكر دمشق وأمراء ضواحيها, يطلبهم إلى مجتمع العساكر, ثم أنه راسل الأمير فخر الدين بن معن, أمير الشوف وبلاد صيدا, وأظهر له أنه قريبه مع بعد النسبة, فحضر إليه واجتمعا عند منبع العاصي, وتشاورا على أن يقصد طرابلس الشام لأجل الانتقام من ابن سيفا, فسار ابن سيفا في البحر وأخلى لهم طرابلس وعكار, وأرسل عياله وأولاده إلى دمشق, وأجلس مملوكه يوسف في قلعة طرابلس فتحصّن بها, وبعث ابن جانبولاذ الأمير درويش بن حبيب بن جانبولاذ إلى طرابلس, فضبطها واستولى على غالب أموال ما وجد هناك, واستخرج دفائن كثيرة لأهلها ولم يستطع أن يملك قلعتها, وسار الأمير علي ومعه ابن معن إلى ناحية البقاع العزيزي من نواحي دمشق, ومرّا على بعلبك وخرّبا ما أمكن تخريبه منها, واستقرا في البقاع وأظهرا أنهما يريدان مقاتلة عسكر الشام, ولم تزل العساكر الشامية ترد إلى دمشق , حتى استقرّ في وادي دمشق الغربي ما يزيد على عشرة آلاف, وتزاحف العسكر حتى ابن جانبولاذ وابن معن في نواحي العراد, وزحف العسكر الدمشقي إلى مقابلتهما, وكان ابن سيفا وصل إلى دمشق وأظهر التمارض ولم يرحل مع العسكر الشامي, واستمرّت الرسل مترددة بين الفريقين ليصلحهما فلم يقدر لهم الإصلاح, وتزاحف الجيشان فتوهّم ابن جانبولاذ من صدمة العسكر الشامي, فشرع في تفخيذ أكابر العسكر عن الاتفاق وأوقع بينهم, ثم أنه أرسل إلى طائفة من أكابرهم فوردوا عليه في مخيمه ليلاً, وألبسهم الخلع وتوافقوا معه على أنهم ينكسرون عند المقابلة, وكان من جانب ابن جانبولاذ ابن معن وابن الشهاب أمير وادي التيم ويونس بن حرفوش, فطابت نفسهم لملاقاة الشاميين, وتقابل الفريقان في يوم السبت من أواسط جمادى الآخرة سنة خمس عشرة بعد الألف .

ولم يقع قتال فاصل بين الفريقين, ثم في صبيحة نهار الأحد وقف العسكر الشامي في المقابلة واقتتلا, فأمر مقدار جلسة خطيب إلا وقد أنفل العسكر الشامي, حتى قال ابن جانبولاذ: العسكر الشامي ما قاتلناه وإنما قابلنا للسلام علينا.

فلما ولّى عسكر دمشق, زحف ابن جانبولاذ حتى نزل بقرية المزّة, كان له في الخيام وأما ابن معن فأنه كان ضعيف الجسد في هاتيك الأيام, وكان نزوله في جامع المزّة, وأصبحت أبواب البلدة يوم الاثنين مقفلة, وقد خرج منها ابن سيفا وجماعته ليلاً, بعد أن اجتمع به قاضي القضاة بالشام, المولى إبراهيم بن علي الأزنيق وحسن باشا الدفتري المقدم ذكرهما, ولم يمكّناه من الخروج حتى دفع إليهما مائة ألف قرش, ليفتدوا بها الشام من ابن جانبولاذ , ثم خرج معه الأمير موسى بن الحرفوش, ولما بلغ الأمير جانبولاذ غضب وقال: أهل دمشق لو أرادوا السلام مني ما مكنوا ابن سيفا من الخروج, وهم يعرفون أنني ما وردت بلادهم إلا لأجله, ونادى عند ذلك السكبانية ان يذهبوا مع الدروز وجماعة ابن معن لنهب دمشق, فوردت السكبانية والدروز أفواجاً إلى خارج دمشق, وشرعوا في نهب المحلات الخارجة .

فلما اشتدّ الكرب والحرب على المحلات وتلاحم القتال, خاف العقلاء في دمشق فخرج جماعة إلى ابن جانبولاذ وقالوا له : إن ابن سيفا قد وضع لك عند قاضي الشام مائة ألف قرش, وتداركوا له خمسة وعشرون ألف قرش أخرى, كما وقع عليه معه الاتفاق من مال بعض الأيتام, التي كانت على طريق الأمانة في قلعة دمشق, وبعد ذلك أدّاها أيضا ابن سيفا كالمائة ألف, فلما تكلّم الناس في الصلح, طلب ابن جانبولاذ المال الذي وقع عليه الصلح على يد الدفتري وقال: إن جاءني المال في هذا الوقت رحلت, فحملوا له مائة ألف قرش وخمسة وعشرين, ونادى بالرحيل عن المزّة في يوم الرابع من نزوله, واستمرّ النهب في أطراف دمشق ثلاثة أيام متوالية, وكانوا يأخذون الأموال والأولاد الذكور ولم يتعرّضوا للنساء.

ولما رحل جانبولاذ ارتفع النهب عن المدينة, وفتحت أبواب المدينة في اليوم الرابع, فازدحم الناس على الخروج أفواجاً أفواجاً ودخل إليها من نهبت أسبابه من المحلات الخارجة, وكانوا لا يعرفون لتغير أسبابهم ووجوههم, وابتدأت العساكر الهاربة تتراجع إلى دمشق ولم ينالوا بما صدر منهم من الفضيحة, ولما فارق جانبولاذ دمشق سار على طريق البقاع وفارق ابن معن هناك, ورحل إلى أن وصل إلى مقابلة حصن الأكراد وأقام هناك, وأرسل ابن سيفا يطلب منه الصلح والمصاهرة, فأجابه وأعطاه ما يقرب من ثلاث كرات من القروش, وزوّجه ابنته, وتزوّّج منه أخته لابنه الأمير حسين, ورحل جانبولاذ من هناك إلى جانب حلب, وجاءته الرسل من جانب السلطة تقبح عليه ما فعل بالشام, فكان تارة ينكر فعلته وتارة يحيل الأمر إلى عساكر الشام, وشرع يسدّ الطرقات ويقتل من يعرف إنه سائر إلى طرف السلطنة لإبلاغ ما صدر منه, حتى أخاف الخلق ونفذ حكمه من أدنه إلى نواحي غزّة, وكان ابن سيفا ممتثلاً لأمره غير تارك مداراة السلطنة, واتفق معه على أن تكون حمص تحت حكم ابن سيفا, وكانت حماه وما وراءها إلى الجانب الشمالي إلى أدنه في تعلق جانبولاذ, وانقطعت أحكام السلطنة عن البلاد المذكورة نحو سنتين, ووقعت الوحشة وانقطعت الطرقات إلى أن ولى الوزارة العظمى مراد باشا, وكان سافر في ابتداء وزارته إلى الروم وأصلح ما بين السلطان وما بين السلاطين المجر, فلما قدم عنه السلطان لدفع ابن جانبولاذ وبقية الخوارج, مثل: العبد سعيد ومحمد الطويل الخارج في نواحي سيواس, فتقدّم الوزير المذكور ومعه من العساكر الرومية ما يزيد عن ثلاث مائة ألف بين فارس وراجل, وكان كلما مرّ بقوم من السكبانية الخارجين يقتلهم, ولم يبقَ سوى العبد سعيد والطويل محمد, فأنهما حادا عن طريقه, ولم يستطع لحاقهما ووصل إلى أدنه فحصلها من يد جمشيد الخارجي, ولما انفصل عن جسر المصيصة إلى هذا الجانب, تيقن ابن جانبولاذ أنه قاصده, فجمع جموعه المتفرقة في البلاد حتى اجتمع عنده أربعون ألفاً, وخرج من حلب والوزير بلاد مرعش, وجزم بمقابلته وكان الوزير في أثناء ذلك يراسله بالكلمات الطيبة طمعاً في إصلاح أمره, فلم يزدد إلا عتّوا ولما تلاقى الفريقان برز عسكر ابن جانبولاذ إلى المقاتلة يومين, ولم يظهر لأحد الفئتين غلبة على الأخرى, ففي اليوم الثالث التحم القتال حتى كاد أن يكون عسكر البغاة غالباً, وكان من أعاجيب الأمر أنّ وزيراً يقال له حسن باشا الترياقي, كان من جملة عسكر السلطاني, رتب عسكر السلطان وقال : قاتلوا البغاة إلى وقت الظهر, فإذا حكم وقت الظهر فافترقوا فرقتين, فرقة منكم تذهب لجانب اليمين وأخرى تذهب لجهة الشمال, واجعلوا عرصة القتال خالية للأعداء وحدكم, وقد أخفى المدافع الكبيرة في مقابلة العدو, وملأها بالبارود, فلما اقترب عسكر السلطان ظنّ خرب ابن جانبولاذ أنهم كسروا, فبالغوا في إتباع عسكر السلطان إلى أن كادوا يخالطونهم, فلما قربوا ودخلت لهم عرصة القتال, أطلقوا عليهم المدافع ولحقوهم بالسيوف, إلى أن أزاحوهم عن خيامهم وكسروهم كسرة شنيعة, وقتلوا منهم خلقاً كثيراً, وهرب ابن جانبولاذ إلى حلب ولم يقرّ بها إلا ليلة واحدة, فوضع أهله وعياله وذخائره في قلعتها وخرج منها, إلى أن ألجأه الهرب إلى ملطية, وبقي الوزير يتبع أعوان ابن جانبولاذ فأبادهم قتلاً بالسيف, وجاء إلى حلب بالجنود, فرأى قلعتها في أيدي بعض أعوان البغاة فرام محاصرتها, فتحقّق من فيها أنّ كل محصور مأخوذ, فطلبوا الأمان من الوزير فأنزلهم بأمانه, وكانوا نحو ألف رجل وكان معهم نساء ابن جانبولاذ, وكان أكابر الجماعة أربعة من رؤوس السكبانية, فلما نزلوا بادروا إلى تقبيل ذيل الوزير, فأشار إلى النساء بالكن في مكان معلوم, وفرق الرجال على أرباب المناصب طلع إلى القلعة, ورأى ما بها من أموال ابن جانبولاذ وتحفه العزيزة, فضبط ذلك كله لبيت المال, ثم شرع يتجسّر في حلب على الأشقياء وأتباعهم, فقتل جملة من الأتباع وهجم الشتاء ففرق العساكر في الأطراف وشتا هو في حلب.

وأما ابن جانبولاذ فإنه خرج من ملطية وسار إلى الطويل العاصي في بلاد أناطولي*, وأراد أن يتحد معه, فأرسل إليه الطويل يقول له: أنت بالغت في العصيان, وأنا وإن كنت مسمى باسم عاص لكني ما وصلت في العصيان إلى رتبتك, فرحل عنه بعد ثلاثة أيام وسار إلى العاصي المعروف بقرا سعيد ومعه ابن قلندر, ولما وصل إلى جمعية هؤلاء العصاة , تلقوه وعظموه وحسنوا فعلته مع العساكر السلطانية, وأرادوا أن يجعلوه عليهم رئيساً, فشرط عليهم شروطاً فقبلوها, فاطمأنّ تلك الليلة إلى أن هجم الليل, وأخذ عمه حيدر وابن عمه مصطفى وابن عمه محمد وخرج, ولم يزل سائراً حتى وصل بروسة مع الليل, وتوجّه إلى حاكمها وأخبره بنفسه, فتحيّر منه ولما تحقّق ذلك قال: ما سبب وقوعك ؟ . فقال: ضجرت من العصيان وها أنا ذاهب إلى الملك فأرسلني إليه في البحر, فأرسله عن طريق البحر, فلما دخل دار السلطنة أعلم به السلطان, فقال: أحضروه, فلما حضر إليه قال له: ما سبب عصيانك ؟ فقال له: ما أنا بعاصي وإنما اجتمعت على فرق الأشقياء, وما خلصت منهم إلا بأن ألقيهم في فم جنودك, وفررت إليك فرار المذنبين فإن عفوت فأنت لذلك أهل, وإن أخذت فحكمك الأقوى .

فعفا عنه وأعطاه حكومة طمشوار في داخل بلاد الروم *, ونجا بذلك ولم يزل على حكومتها, إلى أن عرض له أمر أوجب قتاله لرعايا تلك الديار, ولزم أنه انحصر في بعض القلاع في بلاد الروم, فعرض أمره إلى باب السلطنة الأحمدية, فبرز الأمر بقتله وعدم إخراجه من تلك القلعة , فقتل وأرسل رأسه إلى باب السلطنة, وكان ذلك في حدود العشرين وألف والله أعلم . ” (12)

ولنذكر ما آل إليه وضع الأسرة الجانپولاتية بعد مقتل علي باشا جانپولات, حيث تمكّن بعض من أسرة جانپولات من النجاة من شر ( قيومجي مراد باشا) , والاختفاء في مناطق حلب وكلس, حتى أتيح لسعيد بگ جانپولات وابنه رباح في عام 1630 م, اللجوء إلى لبنان, والنزول عند آل معن( أسرة فخر الدين المعني ) الذي كان بينه وبين علي باشا جانپولات علاقات وثيقة, من صلة قربى وتحالف عسكري , وبهذا ينتهي حكم آل جانپولات في ولاية حلب, بعد أن دام أكثر من أربعة قرون من الزمن .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 – جولة أثرية , أحمد وصفي زكريا, الطبعة الثانية, دار الفكر دمشق 1984 , ص 88.

2 – فتوح البلدان الجزء الأول , البلاذري, شركة طبع الكتب العربية 1900 م , دون مكان الطبع, ص 155.

3 – الأكراد في حقبة الخلافة العباسية, أرشاك بولاديان, دار آراس للطباعة والنشر – أربيل – إقليم كُردستان العراق , ص 195.

4 – شرفنامه, شرفخان البدليسي, دار الزمان, الطبعة الثانية, دمشق – سوريا 2006 , ص .395

5 – نفس المصدر ص 396.

6 – رحلة ابن بطوطة , تحفة النظّار في غرائب الأمصار و عجائب الأسفار ، الجزء الأول , ص 92

7 – شرفنامه,  ص 397- 398.

8 – درر الحبب في تاريخ أعيان حلب, ابن الحنبلي, منشورات وزارة الثقافة, دمشق 1972 , ص 890 ج 1 .

9 – نهر الذهب في تاريخ حلب, كامل الغزي, المطبعة المارونية بحلب, ج 3 ص 252.

10 – شرفنامه, ص 398 – 404.

11 – خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر للمحبي, ص 84 ج 2.

12 – خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر للمحبي, ص 135 – 140 ج 3.

*- يقصد شرف خان : أثناء الحكم الأيوبي في مصر والشام .

* – أضنه .

* – الأناضول .

* – إحدى مقاطعات النمسا .

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “344”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى