مساهمة الأستاذ فؤاد عليكو في مبادرة “معاً في مواجهة خطاب الكراهية بين السوريين”

مساهمة فؤاد عليكو في مبادرة “معاً في مواجهة خطاب الكراهية بين السوريين” التي اطلقها اللقاء الوطني الديمقراطي في سوريا.
مساهمة متواضعة في تحليل ظاهرة خطاب الكراهية.

فؤاد عليكو

قبل الخوض في تحليل ظاهرة خطاب الكراهية التي طغت على سطح الأحداث مؤخرا، بين أطياف وشرائح ومكونات المجتمع السوري، خاصة بعد أن أخفقت الثورة السورية في تحقيق التغيير المأمول للنظام في فترة زمنية وجيزة، على أمل العمل نحو بناء سورية جديدة، تختلف قواعدا وسلوكا وممارسة عما ألفناه منذ أكثر من 60 عاما، حيث كان قمع الدولة البوليسية وتدمير الحياة السياسية والمجتمعية هو السائد، بالترافق مع غياب تام للقانون وحتى عدم احترام الدساتير المصنعة على مقاس الأنظمة الاستبدادية المتعاقبة ،ليحل محلهما – الدستور والقانون- ثقافة الوساطة والرشوة وانتشار الفساد والمحسوبية في جسد الدولة بشكل يصعب إجراء أية معالجة بوسائل إصلاحية لمؤسسات الدولة، نتيجة الفساد المسشتري فيها ، ولم يكن المفكر السوري المرحوم الدكتور “طيب تيزيني” مخطئا حين أطلق ثلاثيته في الفساد والإفساد المجتمعي، والذي توصل إلى استنتاج خطير مفاده بأن هناك (فسادا وإفسادا منظما يمارسه النظام بحق المجتمع السوري، لدرجة تتجاوز قدرة اية جهة من إصلاح مؤسسات الدولة في فترة قصيرة نتيجة هذا الإفساد المنظم ).وعليه فقد فقدنا العناصر الأساسية الضرورية في تحقيق الدمج المجتمعي وبناء الدولة الوطنية المأمولة، نتيجة لغياب المساواة والعدالة داخل المجتمع السوري، إضافة إلى فقدان العمل بالقانون والقضاء كحكم لحل المشاكل الاجتماعية بين الأفراد، وبقيت سمة اللجوء إلى العرف والزعماء الاجتماعيين القبليين لحل قضاياهم، بدلا من الركون لقضاء الدولة، ونتيجة لذلك فقد حصل انغلاق للجماعات المختلفة دينيا أو قوميا على ذاتها أكثر من ذي قبل، واضحت تجد ملاذها في الحفاظ على حالتها القبلية، أي حالة ما قبل الدولة، والنظر إلى الآخر بعين الريبة باستمرار (ومن هنا لانجد حاليا غرابة في تكوين تجمعات سياسية عشائرية، تتصدر المشهد نخب ثقافية أكاديمية تنتمي إلى ارومة زعماء القبائل)، بالإضافة إلى شعور أبناء هذه الطوائف والمكونات بالغبن تجاه الآخر المسيطر على مفاصل الدولة واضطهاده له، دون ذنب اقترفه سوى انتمائه لطائفة معينة أو مذهب او قومية مختلفة عنه.

ومن هنا نستطيع القول بأن أحلامنا الوردية بشأن تغيير النظام الحالي سوف تنسحب بالضرورة ومباشرة الى بناء دولة مدنية ديمقراطية تعددية، تحقق الحرية العدالة والمساواة بين أبناء المجتمع السوري، اي دولة المواطنة الحقة، و غير ذلك يعتبر ضرب من الخيال والحلم الجميل، لأن الموضوع أكبر من أن يعالج بتغيير نظام وإحلال بديل عنه، حيث الأمر متعلق بثقافة
أجيال كاملة وضرورة إقناعه بأن الدولة هي الأب الروحي له، وان القانون هو الحامي الأساسي في معالجة قضاياه العامة والخاصة، وهذا ما يحتاج إلى مواظبة وثقافة جديدة وتعليم مترافق لذلك منذ الصغر .

ومع استمرارية. الأزمة السورية لمدة قاربت العشر سنوات، فقد رُفع الغطاء عن الأحقاد الكامنة داخل المجتمع السوري، والتي تبلورت وفق منحيين، قومي ومذهبي.

– ففي الحالة القومية ظهر على السطح قضايا القوميات غير العربية(الكرد بالدرجة الأساس ثم الآثوريين والتركمان) والتي أعربت عن شعورها بالغبن التاريخي، الذي ألحقت بها نتيحة تطبيق النظام سياسة أحادية الفكر القومي العروبي، ومحاولاته المستمرة في تطبيق نظريته العنصرية في الدمج المجتمعي، من خلال الصهر القومي القسري، منطلقا من مبدأ (أن سوريا عربية جغرافيا وبشريا) ، وعليه فإن كل من يعيش على هذه الجغرافيا، يفترض أن يكونوا عرباً، وما عدا ذلك تعتبر كل دعوة بالمطالبة بالحقوق القومية والمساواة مساسا بوحدة سوريا وأمن (الوطن العربي) ككل ويجب أن يقمع بالضرورة، وقد نال الكرد النصيب الأكبر من هذا الغبن التاريخي، وتعرضت كوادر وقيادات الحركة الكردية طيلة تلك العقود إلى سياسة القمع المستدام، وطبق بحق الكرد العديد من المشاريع العنصرية منذ عهد ” جمال عبدالناصر” وحتى اليوم نتيجة ذلك فقط.

أما الطائفة العلوية فقد كانت تسيطر عليها أيضا شعور الغبن والاضطهاد التاريخي من قبل الأغلبية السنية منذ العهد العثماني وحتى تكوين الكيان السوري، لذلك لم يكن غريبا حين طالب زعماء الطائفة فرنسا 1944(1) بعدم تركهم يتعرضون للاضطهاد السني مرة أخرى، ويطالبونها بكيان خاص بهم اسوة بالكيان اليهودي في فلسطين.

وعندما لم يتحقق لهم ذلك لجؤوا إلى اتباع سياسة التطوع في الجيش، وتشكيل لجان سرية فيما بينهم بغية الوصول إلى استلام السلطة، وكان حافظ الأسد أحد أعضاء هذا التنظيم الطائفي العلوى/الإسماعيلي 1959م(2) في زمن الوحدة.

وقد تحقق لهم ذلك تدريجيا في انقلابات البعث المتتالية في أعوام 1963/1966/1970، حيث سيطر حافظ الأسد في النهاية بالكامل على مفاصل الدولة، تمكن من إقصاء بقية زملائه الضباط المشاركين معه في تلك اللجنة، وبدأ حافظ الاسد منذ اليوم الأول من سيطرته على الدولة بتقوية دور الطائفة، وذلك باتباع سياسة التمكين للطائفة من خلال تشجيع شباب الطائفة الى التطوع في مؤسسة الجيش، حتى وصلت بهم إلى زيادة نسبة القبول من شباب الطائفة في الكليات العسكرية إلى أكثر من 70% علما أن نسبة عددهم لايتعدى ال10% من سكان سوريا،كل ذلك خوفا من ان تخرج السلطة من يدهم مرة أخرى.

هذه الوضعية دفعت بالطائفة السنية (الأكثرية ) إلى الرفض والتمرد ووصل الصراع إلى الذروة في 1980م وبقي مستمراحتى اليوم، ولازال القمع سائدا، وشعور الغبن والخوف المتبادل طاغ أيضا، وهذا يعني أن مناخ خطاب الكراهية هو السائد داخل المجتمع السوري ، ولايمكن الخروج من هذه الدوامة إلا بعقد اجتماعي جديد و تأسيس الدولة الوطنية السورية وفق دستورجديد، حتى يشعر جميع الافراد والطوائف والمكونات بأن هذا الدستور حام لهم، و لن يتكرر الغبن مرة اخرى، أي العمل على بناء دولة المواطنة الحقة بكل مفرادتها ورؤاها، وهذا بعيد المنال في المدى المنظور، لكن ومهما كانت مساحة التشاؤم كبيرا، فإننا يجب أن نعمل ضمن هذا الحيز الضيق المتاح، و قد يكون منبركم
هذا جهدا متواضعا في الاتجاه الصحيح.
الهوامش :
(1) رسالة ارسلت الى المندوب السامي الفرنسي تطالبه بإيجاد وضع خاص للطائفة وأحد الموقعين هو سليمان الاسد والد حافظ الأسد ، الرسالة منشورة بالكامل في النت.
(2) تشكلت لجنة عسكرية سرية في مصر زمن الوحدة.
من الضباط محمد عمران (علوي )
صلاح جديد (علوي) حافظ الاسد (علوي)
أحمد المير (اسماعيلي)
عبد الكريم الجندي (اسماعيلي ).
وكان الهدف العمل بشكل سري داخل الجيش بغية الوصول للسلطة و قد تم لهم ذلك، لكن حافظ الأسد
عمل بشكل سري خاص وتمكن من إزاحة الجميع تدريجيا والاستفراد بالسلطة كاملة عام 1970م.
* فؤادعليكو مواليد 1950 درباسية /الحسكة
عضو اللجنة السياسية لحزب يكيتي الكردستاني -سوريا
برلماني سابق 1990/1994
عضو هيئة التفاوض في مفاوضات جنيف
2016/2017

تمت قراءتها 994 مرة

قد يعجبك ايضا