معضلة الأزمة السوريّة إقليمياً ودولياً بعد تسع سنوات من الثورة

فؤاد عليكو
لايخفى على أي متابع لمآلات الصراع الحالي في سوريا بعد مرور تسع سنوات على هذه الاستمرارية التراجيدية وما خلفتها  كل هذه التراجيديا من دمار وقتل  وتدمير وتهجير ممنهج،  يدرك المرء بجلاء عمق الأزمة التي يعاني منها الشعب السوري طيلة السنوات المنصرمة ، خاصة بعد فشل جهود الجامعة العربية في البدايات ومن ثم تحويل الملف إلى مجلس الأمن الدولي وإصدار القرار الدولي 2118 لعام 2012  وتكليف المبعوث الدولي المرحوم كوفي عنان بإدارة الملف وصولا إلى تطبيق القرار الدولي ، ثم فشله في احراز اي تقدم في تنفيذ القرا  الدولي ،بعد ذلك كلف الجزائري الأخضر الإبراهيمي بالمتابعة، والذي استطاع بعد جهود مضنية عقد مباحثات جنيف2  في أوائل عام 2014 وبعد عجزه عن إحراز اي تقدم استقال واعتذر من الشعب السوري،  وحمل النظام وحلفائه الدوليين مسؤولية عدم الاستجابة للقرار الدولي في معالجة الأزمة، بعد ذلك دخلت الأزمة في نفق مظلم وسيطر المنطق العسكري، بدلا من المفاوضات، على الساحة، وتوزعت الجغرافية السورية  بين عدة قوى عسكرية (النظام وداعش والنصرة والفصائل العسكرية الموالية للمعارضة وy p g)  ولم يبق بيد النظام سوى 22% من مساحة سوريا، وكاد أن يسقط النظام  لولا التدخل العسكري الروسي المباشر والكثيف لصالح النظام في ايلول 2015، حيث بدأت الكفة العسكرية تميل تدريجيا لصالح النظام، وأصبحت روسيا تستأثر بالملف السوري أكثر من أية قوة دولية أخرى، لذلك جاءت المباحثات الدولية في فيينا في شهري تشرين الأول والثاني بعد ذلك مباشرة ،وانبثقت عنها  مجموعة من القرارات اعتبرت مرتكزا أساسيا للقرار الدولي 2254 في نهاية 2015 والتي أجمع المراقبون بانها تراجعا نسبيا عن القرار الدولي 2118  وذلك نزولا عند الارادة الروسية بالدرجة الأساس، وتم تكليف السيد ستيفان ديمستورا مبعوثا دوليا جديدا  لتنفيذ القرار، لكن وبعد عدة جولات من المفاوضات المعقدة وغير المباشرة  بين أعوام  2016 و 2019 أخفق المبعوث الدولي  الثالث، مرة أخرى، من إحراز اي تقدم في ملف الأزمة، رغم تجزئته لملف الأزمة إلى عدة عناصر، ووضع ملف الدستور في أولوية الملفات، ظناً منه بأنه الأسهل والأقرب إلى إحراز تقدم فيه ومع ذلك لم ينجح ،
لذلك جاءت استقالته كحالة موضوعية لحالة عدم التفاهم الدولي حول إيجاد الحل للأزمة السورية، ثم جاء تكليف النرويجي “غير بدرسون” لإدارة الملف من جديد والعمل على تنفيذ القرار 2254 وبعد جولات مكوكية ومكثفة للدول المعنية بملف الأزمة السورية استطاع عقد اجتماع في خريف 2019 في جنيف، لكنه أخفق أيضا  في أحداث اي اختراق في الملف للأسباب ذاتها السالفة الذكر.
وهكذا نجد بوضوح أن الأزمة السورية تحولت إلى معضلة دولية بين عدة قوى مختلفة الأهداف والتوجهات وفي مقدمتها :
روسيا : التي تسعى إلى الاستئثار بالكعكة السورية والسيطرة على الساحل السوري والنفط والغاز واعتبار سوريا جزءا من العمق الاستراتيجي العسكري الروسي في المنطقة، لذلك ترى أن تحقيق ذلك يتم عبر الحل العسكري، بالسيطرة على الجغرافيا السورية وتأهيل النظام لهذا الغرض، لأنه يشك أن تتحقق تلك المصالح من خلال المفاوضات والقرارات الدولية المعنية.
إيران: ترى أن السيطرة الأ يديوجية على سوريا وعلى الجغرافيا مهم استراتيجيا لإيران،  بغية ربط طهران وبغداد ودمشق وبيروت تحقيقا للهلال الشيعي وتطويقا لدول الخليج واسرائيل معا، وتتقاطع مصالحها مع روسيا بالابقاء على النظام وعدم تنفيذ القرارات الدولية، ومن هنا لانجد غرابة في التنسيق المتكامل بين روسيا وإيران حول سوريا منذ بداية الأزمة وحتى اليوم؛ رغم وجود بعض التبايانات في المو اقف خاصة ما يتعلق بإسرائيل.
امريكا واوربا: ابتعدتا بداية عن التدخل العسكري المباشر واكتفيا بتقديم الدعم العسكري للمعارضة السورية  بالأسلحة الدفاعية غير المؤثرة، لكن بعد تمدد داعش بشكل كبير في العراق وسوريا فقد تشكل تحالف دولي عسكري لمحاربة داعش بالاعتماد على قوات الحماية الشعبية y p g  التابعة لحزب اتحاد الديمقراطي p y d ذات القوام الكردي، والتي تحولت فيما بعد لتغير تسميتها إلى قوات سوريا الديمقراطية  (قسد) بناء على الرغبة الأمريكية، واستطاعت امريكا والتحالف الدولي وقسد من القضاء على داعش في غضون أربع سنوات من الحرب القاسية، واستأثرت بمنطقة شرق الفر ات، وسيطرت على منابع النفط بالكامل وتقدر هذه المساحة بحدود ربع مساحة سوريا.
تركيا: التي تتجاوز حدودها مع سوريا 900كم شمالا ترى نفسها ملزمة بحماية حدودها من جهة وبحماية المكون السني ذات الأغلبية في سوريا من التهديد الإيديولوجي الإيراني، واكتفت في البداية بتقديم الدعم العسكري اللوجستي للفصائل العسكرية التابعة للمعارضة، بالتنسيق مع أمريكا ودول الخليج، لكنها بعد 2017 تدخلت عسكريا بشكل مباشر وسيطرت على جزء كبير من الشريط الحدودي حتى الان (اعزاز-جرابلس-الباب-عفرين-تل ابيض ورأس العين وقسم من شمالي  إدلب ). وهي ترى بأنها الأحق من الجميع في الانخراط في ملف الأزمة السورية، خاصة وأنها ترى p y d جزءاً من p k k الذي يخوض صراعا مريرا معها منذ أربعة عقود، وترى بأنه يهدد أمنها القومي.
الدول العربية وفي مقدمتها السعودية : ترى أن سوريا دولة عربية وليس من حق أحد، لا تركيا  لا إيران، التدخل في الشأن السورى والحصول على إمتيازات فيها، وتقوم الآن بدعم القوى المحلية المناهضة لإيران وتركيا معا.
أما إسرائيل: فهي تتقاطع مصالحها الاستراتيجية الآن مع الدول العربية في الملف، لذلك لايستبعد أن يحصل تنسيق مستقبلي بينهم في محاولة منهم لإبعاد  إيران أولا، وتركيا ثانيا، من الملف السوري.
في المحصلة نرى أن الأزمة السورية تحولت إلى معضلة دولية واقليمية أو بالأصح معضلات دولية، ولايمكن تحقيق التوافق بين الجميع في المدى المنظور نتيجة التباعد الكبير في الرؤى والأهداف بين هذه الأطراف ومن المؤسف القول أن الشعب السورى يدفع ضرائب باهظة في الأرواح والممتلكات وتدمير البنية التحتية في ظل هذه الاستمرارية القاسية منذ تسع سنوات وحتى اليوم.

 

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “٢٧٢”

قد يعجبك ايضا