ملامح ميثولوجية

وليد حاج عبدالقادر

مما لاشك فيه أن الخوض في مجال الإرث المتحول إلى تراث والذي على ارضيته يتمأسس الوعي الذهني الذي يراكم آفاق الذهنية الميثولوجية بقداساته وتطويباتها، فتركز وبانفتاح وشبه شمولية على أنماط المجتمع انتاجا من جهة وتشكلات البنى على الأسس الطقسية و تجلياتها المقدسة ، ذلك النمط الذي يؤسس على أشكال التسيد ذكوريا أو أنثويا ، وفي احايين كثيرة يكون هناك تداخلا ممزوجا بصراع خفي منه أو ظاهري ، فتقونن من جديد أنماط تأشكلها من جهة وطبيعة الحياة المعاشة كنمط أنتجت قوانينها .. أدناه أنموذجين أنثوي وذكوري وهما : ( حكايتا – قازي – و – كجل ، كوري يي جوتيار .. الفلاح ) .

– في قصة قازي : فهي تتداخل مع هذا النمط من القصص المتشابكة مع الأسطورة والموازية / المتدرجة في سياقات ذهنية لاحقة لتهبطإلى سويات الحكايا الشعبية المعبرة عن حكم ومعايير كما وقضايا تهم المجتمعات كانت حينها ، لابل ، ولعلها كانت صيرورة نشاط العقل البشري في هندسة الآفاق والوعي البيني في إطاري الفرد / العائلة / المجتمع ، ومما يثير فينا تلك الدهشة الموازية للدهشة البدئية في الحياة البشرية ! أن بعضا من هذه الأقاصيص / الحكايا الموغلة جدا في سياقاتها القديمة والتي ترسخت – بالضرورة – وأصبحت وبعبارة أدق وازت وبقيت تتشبث ببيئتها وصيروة نموها وتطورها بنمطيها المتلازمتين بشريا واقتصاديا ، فكان ذلك الانعكاس الجلي لظاهرتي الزراعة كاستقرار والراعي كمتحول لايزال متنقلا ، وعليه كان نمط التحول الاقتصادي – الإنتاجي وإن لم يخل الأمر من بعض التداخلات / التشاركات وكذلك التفرد إلى درجة الخصائصية شبه النقية والتي طبعت بيئتها ولتنعكس فئويا داخل اطرها ، وكان هيمنة أو طغيان الجنس / العنصر السائد وبالتالي طقسية الذكورة والأنوثة ، وبالترافق هنا وبتركيز شديد على ظاهرة الاستلاب وفق صيرورة المجتمع وافرازات تمحور وتغيير الطوباويات وتحولاتها في المشهد كنتاج لخلخلة أو تغيير نمطي في بنية المجتمع وتحولاتها . ولعل أكثر الأمور مدعاة للتساؤل – لدي – هو كيفية حفاظ هذه الحكايا وبأحداثها المتدفقة ومن ثم روايتها بمفاصلها الأساسية بشكل مدهش ، والأهم شفاها من ناحية و .. فقدان التواصل مع ثقافات شعوب أخرى قراءة نظرا تفشي الأمية وانقطاعها بالتالي عن ثقافات أو حكايا لشعوب تقاطعت كثيرا بخصائصيتها وسردياتها مع ذات النموذج وباختلافات قليلة جدا ، وهنا احددها بالضبط مع الثقافة الرومانية ، ولا أخفي حقيقة مدى اندهاشي حينما قرأت بعضا من حكايا وسير كثير من الآلهة الرومانية ، لابل والشك فيما اذا كانت جدتي الأمية كانت ، قد تكون قرأت هذه الأساطير ومن ثم نثرتها شفاها في ليالي الشتاء تلك ، تلك القصص التي تقاطعت أحداثها الرئيسة إلى حد التطابق مع حكاية / سيرة واحدة / واحد من الآلهة الرومانية ، والقصة لها أسماء متعددة أكثرها رواجا هي – قازي – أي الوزة ، ومنهم من يعنونها بإسم – طيرك – او الطير والتي تقول أحداثها :

قيل من جملة ما قيل أنه في واحدة من الممالك كان يعيش راع مسكين مع زوجته في كوخ وكان يخرج كل صباح مع القطيع إلى البراري ويعود مساءا فتستقبله زوجته وهكذا مضت بهم السنين ولا ولد او تلد يزين عليهما ليلتهما او تؤنس الأم مع خروج زوجها . وفي ليلة من الليالي ، دق باب كوخهم على غير المعتاد ، فأسرع الزوج وفتح الباب ، فإذا برجل ذي هيبة على الباب ، وبعد السلام طلب القادم السماح له بالمبيت حتى النهار فهو غريب وامامه طريق طويل ، رحب به الزوج ودخلا سوية إلى الكوخ ، طلب الراعي من زوجته ان تعد للضيف ما يتيسر من طعام ، وبعدها بدأوا يتسامرون ويتكلمون في أمور الدنيا ، وهنا ، سأل الضيف أهل الدار : أما عندكم فاكهة في البيت ، هرعت الزوجة وجلبت ما يتوفر من بعض الزبيب والجوز ، إلا أن الضيف أعتذر وقال أنه يقصد فيما ان كان لهم أولاد فهم فاكهة البيوت ، ورد الراعي بألم وغم وقال بأنهما متزوجان منذ سنين عديدة ولم يرزقا بعد بأولاد .. خفف الضيف عنهما همهما وقال : سترزقان قريبا مما يفرج عنكما كربكما .. في الصباح ودع الراعي ضيفه وذهب بقطيعه الى البراري ، وما مضى اسبوع على ذلك حتى بدأت عوارض الحمل تظهر على زوجته وأخذت الدنيا كلها لا تسع فرحتهما ، ولتمضي الأيام والشهور حتى جاء اليوم الموعود ، وقدمت الولادة وبعد جهد فظيع ولدت الزوجة ولكن ! ياللمفاجأة ؟ مخلوق على شكل طير ، ومع كل هذا لم تنطفئ ملامح الفرحة الكبيرة على الوالدين فرعياها خير رعاية وحوطاها بعزلة عن عيون الناس ، ومضى الأب إلى النجار مترجيا ان يفصل له قفصا جميلا ، ولم يخبره النجار ففصل له قفصا رائعا وعاد إلى الدار ووضع فيه طائره وعلق القفص إلى جانب الكوة الوحيدة في أعلى جدار الكوخ ، ومع الأيام كبر الطير وبدأ بالكلام وبدت انها أنثى وأخذت تصبح على أبيها مودعة وترحب به عائدا ، وهكذا تسلي أمها وتساعدها في التوجيه لأمور في عمل البيت .

وفي العودة إلى المملكة / وأحوالها فقد كان يحكمها ملك كبر في السن هو وزوجته الملكة وكان لهما ولد واحد يحبانه إلى درجة كبيرة ويخافان عليه من ظله ، والولد بعد ان بلغ سن اليفاعة بدا ولها بالصيد والذهاب الى البراري ولقلق والده الشديد عليه ارتأى أن يحوط مساحة كبيرة من الأرض بسور عال جدا ، حتى الطيور تستصعب الطيران فوقها ، وجلب لها شتى أنواع الأشجار المثمرة والفواكه وبنى فيها بركة كبيرة للسباحة ، ووجه ابنه اليها ، واخذ ابنه الأمير يتردد على الحديقة حتى عشق المكان وأصبح مكانه المفضل ، ومع الأيام ازداد تعلقه بالحديقة ، وأوكل أمرها الى شخصين يتناوبان على حراستها ومعهما اوامر شديدة بمنع دخول اي كان ، او قطف أية ثمرة من شجرها .. كبر الأمير والملك والملكة بدت عليهما عوامل الشيخوخة وأخذا يلحان عليه بالزواج وهو يتهرب . وفي العودة إلى الراعي والطير والقفص ، فقد كبرت الطير ، ومع دخولها عامها السادس عشر ، أخذت تلح على والدتها أن تسمح لها بالخروج من القفص وتتدرج على الأرض قليلا ، فرأفت بها الأم وأخذ تسمح لها وتظل تراقبها وترافقها أينما ذهبت ، وذات يوم لمحت سلة فارغة معلقة بجدار البيت ، فطلبت من أمها برجاء بأن تسمح لها بالخروج والطيران قليلا ومعها السلة لتبحث عن بعض مما تستطيع ان تجمعه كقوت لهم ، نهرتها الأم وهي تسرد لها عشرات القصص عن صيادي الطيور وبراعتهم كما متانة الأفخاخ التي ينصبونها وختمت في القول أنه إن أصابتها أية أمر فأن أباها سيقتلها . وأمام الحاحها ، رأفت بها الأم وسمحت لها مع وعد قاطع منها ألا تبتعد كثيرا او تتأخر ، فانطلقت والسلة تتدلى من عنقها وتوجهت إلى حيث حديقة الأمير ابن الملك وتسللت إليها وعبر كثافة الأشجار دنت شيئا فشيئا إلى حيث البستاني يعمل ، بعد فترة أحس البستاني بالتعب فتمدد على بساط عشبي وغط في نوم عميق . نزلت هي بهدوء وعلقت السلة بغصن شجرة كثيفة وظليلة وتقدمت إلى بركة الماء وتلفتت حولها بدقة ، ولما تيقنت بعدم وجود اي كان ، أزاحت القناع من على جسدها ، وتلفتت حواليها ثانية و … من ثم نزلت الماء تسبح وتستحم إلى أن أحست بالتعب فخرجت وارتدت قناعها وأخذت تتجول بين الأشجار المثمرة وتنتقي من كل نوع بعضا من ثمارها الطازجة وطارت إلى حيث الكوخ ووالدتها يكاد القلق ان يطيح بها ، هبطت بالسلةالتي أخذت الفاكهة تتدحرج منها وبعد تعنيف شديد من الأم ، أعادت السلة فارغة إلى مكانها ، وصعدت إلى حيث قفصها قبل أن يعود والدها ، ومع الأيام تعودت أن تخرج وعلى نفس المنوال ، وفي العودة الى الأمير ، وما يحدث في بستانه والثمار التي تختفي يوما بعد يوم ، فقد كان يتفقد أشعاره واحدة بواحدة ، ومع إصرار الحارسين بأن لا أحد يستطيع أو تسلل إلى الحديقة ، ارتأت أن يراقب الوضع بنفسه ، تخفى الأمير ذات صباح بين شعيرات كثيفة بالقرب من المسبح بحيث يرى كل شيء ولا أحد يراه ، وبعد فترة حط طير على شجرة قرب المسبح وقد طوق عنقه بسلة وأخذ يتلفت حواليه وعينه على البستاني الذي مالبث ان تمدد على ارض معشبة وغط في نوم عميق ، استعد الطير للنزول ، علق سلته بغصن ونزل بهدوء وحذر وهو يتلفت في جميع الاتجاهات ، وقف بقرب المسبح ومن ثم رمى القناع ! .. يا إلهي ؟! .. كاد الأمير أن يصرخ من الدهشة والجمال الذي يرى .. فتاة ليست كأية فتاة ! وجمال طاغ أخذ يطيح بكل جبروته .. تمالك نفسه وأخذ يتابع المشهد ، ونزلت هي إلى الماء وأخذت تغط وتسبح لا مبالية بما حولها .. تقدم الأمير بخفة وهدوء و .. التقط القناع من دون ان تحس به وعاد إلى مخبأه .. خرجت الفتاة من الماء وهرعت إلى قناعها ! .. ويحي ؟! أين ذهب القناع ؟ دارت حول المسبح كله والأمير يراقبها ! وايقنت بأن احدهم قد استولى على القناع ! تطلعت في البستاني ! انه لايزال نائما ! .. لم تجد مناصا بأن تصرخ : ارجوك انت الذي اخذت قناعي ! أدرك بأنك تختبئ قريبا ؟! إظهر ! أرجوك ان كنت جنا أو إنسيا ؟ البرد يكاد أن يقتلني ؟ وأمي ستموت خوفا ورعبا علي ! .. خرج الأمير من مكانه والقناع بيديه وخاطبها : سأعطيك الأمان والقناع شرط ان تدلينني على اهلك ؟ فقد أصبت قلبي مقتلا في عشقك ؟ .. فأخبرته بقصتها ومن تكون، وبدوره أعطاها قناعها وطلب منها الزواج ، واشترطت الفتاة عليه بالموافقة فقط إن أقنع والديه وجاءوا يخطبانها من كوخ والديها كطير وخلاف ذلك ، فهو لن يحظي بها ابدا .

انطلقت تحمل سلتها ، وما ان وصلت محيط الكوخ ، حتى شاهدت أمها المسكينة بين المصدومة والمفزوعة والقلق يأخذها إلى كل الاحتمالات ، وما ان حطت في صحن الكوخ ، أقسمت الأم بأنها لن تسمح لها بالخروج مطلقا . أما الأمير فقد أخذ يقفز وينط حينا ، يرقص ويغني متوجها إلى القصر وسط دهشة الجميع ، ودخل على والديه والفرحة تسبقه ، ومن دون أية مقدمات هتف : اليوم سأوافق على طلبكما ؟ … لقد قررت الزواج ! .. نهض الوالدان فرحا وسألاه سوية ؟ .. ومن هي العروسة ؟ .. رد الأمير بثقة : قازي .. تيركا كافان .. طائر الراعي ! .. كانت صدمة قوية للأبوين ، وظنا بأن مسا قد أصاب ولدهما ! ومع أخذ وشد وجدال وصراخ ، قابلها تصميم وإصرار من الأمير على موقفه ، وأمام خوف الملك والملكة على ولدهما ، هدأت الأميرة الجو ، وطلبت من الملك أن تجاريه وتخطب له الطير يتسلى بها عدة ايام ولابد له ان ينضج أكثر ليختار له فتاة تكون بمقامه ، اقتنع الملك بذلك ، وأرسل بعضا من جنده إلى كوخ الراعي يطلبه إلى لقاء الملك ، والراعي المسكين أخذت تأخذه الهواجس في كل الاتجاهات والطير في القفص تهدئ من روعه ، فهي تعلم تماما بالذي يحدث ، وفي الصباح وقبل ان يغادر أباها ترجته بألا يوافق على أي أمر إلا بعد الرجوع إليهما ، وافق الأب وانطلق إلى حيث قصر الملك الذي طلب منه الموافقة على زواج طائره من ابنه الوحيد … جاء الخبر الصاعقة على الراعي المسكين وأخذ يترجى الملك بأن يدعه والفطائر المسكين الذي هو الوحيد لهما هو وزوجته العجوز ، وأمام إصرار الملك ، تذكر الراعي الوصية فقال : ارجو من ملكنا اذن أن يمنحني فرصة استشارة أهل بيتي ، وعاد إلى البيت واحزانه تسبقه، هللت هي من القفص ترحب به وسألته عن سبب الدعوة ، فأخبرهم ودموعه تسبقه ، طالب اه أن يوافق بشرط ! أن يأتي هو وحاشيته إلى الكوخ يطلب يدها لإبنه ، وأن تتم إجراءات العرس كما عادة الملوك ، ونقل الراعي الطلب إلى الملك الذي قدم مع حاشيته وبعد إجراءات مقدمات الحالة ، وافقت هي ايضا بشرط أن يبني الملك لأبيها وأمها قصرا بجانب القصر الملكي ويفرد لهما ما يكفيهما ضنك الحياة و … بدأت الإستعدادات لعرس الأمير وفي يوم الزفاف اقتيدت هي عروس حقيقي إلى قصر الملك ، وبعد انصراف المدعويين ، اخذتها إلى غرفتها وهي لاتزال مقنعة ، والأمير يكاد الفرح والشوق أن يطيحان بملكات عقله ، أغلق الباب ، وقال : ها نحن لوحدنا ! اخلعي القناع أرجوك و .. كأي عروسين أخذا يقضيها وقتهما وصوت ضحكاتهما تضج في ردهة جناحهما ، وفي العودة الى الملك والملكة اللذين انتابهما غم فظيع مع فضول عما يمكن ان يفعله ولدهما مع تلك المخلوقة ، فارتأيا الذهاب الى جناح الأمير ، وما ان دخلا الى الردهة حتى تناهى الى مسمعهما صوت ضحكات العروسين وهرجهما وسط ذهول حقيقي من الأبويين ، اقترب الملك من باب غرفة النوم ينظر من ثقب المفتاح و .. ليفتح الباب والعروس تنوي الخروج لجلب بعض الماء و .. وسط فرحة كبيرة تملكت الأبوين أمام الإنكشاف على حقيقة الطير ، وفي اليوم التالي ، أو عز الملك الى جنوده بالذهاب إلى كوخ الفقير ونقله مع زوجته إلى القصر الذي كان قد جهزها لهما .. وفي الليلة الأولى وبينما كان الزوجان قد مليا من الصمت وكادت أن يذهبا إلى النوم ، وإذ ببابهما يدق ! خرج الزوج ليتأكد من هو الطارق ؟ والمفاجأة كان ذلك الضيف ذاته …

ملاحظة : تجليات هذه الحكاية متعددة والأرز فيها في النص الإغريقي الضيف يتجلى ب زيوس او زيفس الإله الأب وفي السيرة الكوردية ب خوجة خرز او خضر … ناهيك عن متواليات مؤسطرة كثيرة سترد – تحليلا وتقاطعا – لاحقا …

2 –

أنموذج ذكوري ذي نمط إنتاجي تتقاطع مع مفردة تجلي الوعي واستخدام ملكة العقل في التصرف وهي قصة من عدة قصص يغلب فيه التصرف بحكمة وادناه واحدة من تلك القصص المعروفة بقصة الفلاح وشروط صاحب الأرض الثلاث للفلاح الذي كان يعمل عنده ان اخطأ في اية واحدة منها فسيعمل فقط مقابل اكله وشربه لسبعة سنوات وان اجاب عليها فستكون ابنته زوجة له وسيحصل أيضا على كامل مستحقات ماتم الاتفاق عليه لسبع سنوات .. وتقول القصة بأنه مع تباشير اليوم الأول ذهبت الفتاة ابنة صاحب الأرض إلى الفلاح ، ومعها زوادة الطعام ، وأخبرته بأن أباها تطلب منه أن ( hûr bajo, kùr bajo ù dewara he westîne ) ، أي احرث الأرض بعمق وخطوط ناعمة ، هز الفلاح برأسه موافقا ، وبعد ان تناول طعامه ، جهز الثورين وبدأ يخطو بهما عدة خطوات ويفكهما ويأخذهما إلى جانب الساقية يشربان الماء ويأكلان من الحشائش والعشب النامي على طرف الساقية ، وقبل غروب الشمس كان قد خط في قطعة الأرض خطين مستقيمين عميقين وهي تربة ناعمة بدت كانها فتتت بأصابع اليد ، هزهز المالك رأسه وهو يهدده في دواخله ، وكمن يقول ان غدا لناظره قريب . وفي صباح اليوم التالي ، جاءت ابنة الملاك تستجلب معها سطلا من اللبن لازال مغطى بقشدته ، وبيدها خبزين من التنور لا تزال تفوح منها رائحتها الشهية ، وقالت له بأن أباها تريده ان يأكل الرغيفين دون كسر الدائرة المحوطة وايضا اللبن دون تمزيق قشدتها . رد عليها بالإيجاب وطلب منها أن تنتظر لتأخذ معها ما طلب والدها .. تناول خنجرا كان معه ، وبدأ بالرغيفين حيث قطعهما دائريا ، وناول الفتاة الدائرتين ، ومن ثم رفع السطل وثقبه من الأرضية ، واخذ يأكل خبزه ويرتشف اللبن من الثقب الأسفل حتى التصقت القشدة بقاع السطل . عادت الفتاة بدوائر الخبز والسطل والقشدة الى والدها . فكر المالك كثيرا ! كيف له ان يوقع هذا الفلاح فقد بقي يوم واحد مع شرط واحد ! . انتبه الى زريبة الثورين وطاقة التنفس في أعلى الحائط وابتسم في سره وهو يقول : يتوقع بك أيها الفلاح ؟! .. في صباح اليوم التالي ذهبت الفتاة إلى الفلاح في الحقل ورمت عليه الشرط الثالث والأخير قائلة : أبي يطلب منك حين عودتك مساءا أن تدخل الثورين إلى القريبة من الطاقة العليا ! .. أجابها بنعم وتابع عمله غير مبال. وقبل غياب الشمس كان قد وصل بالثورين إلى جانب الطاقة بعد ان انهكهما جيدا ، أطاح بهما أرضا ، وذبحهما وأخذ يقطعهما ويرميهما من الطاقة الى داخل الزريبة ، التم من حوله الجيران وسط دهشتهم واستغرابهم ، ووصل الخبر إلى المالك الذي هرع وجنونه يسبقه ، وأخذ يصرخ به : ماذا تفعل أيها المعتوه ؟ . رد عليه بهدوء تام : أنفذ شرطك الأخير وهاهو الثوران وقد دخلا من الطاقة .. أريد منك ان تنفذ شروط الاتفاق و … فعلا زوجه المالك ابنته وأعطاه ما تم الاتفاق عليه مسبقا .

هذه القصة او السيرة الشعبية المتقاطعة أيضا في كنية الشخص ب – كجل. . كوري – من ناحية والمتقصدة لبيئة الاستقرار – ديمانا – ان لتشكلات ريفية او مدينية وكذلك يلمح فيها تداخلات عديدة مع قصص وسير لأكثر من بطل – فتى – لاوك وكمثال : ذبح الثورين وارتباطها مع ما يقال أيضا في سيرة سيامندي سليفي مع والده – عمه ردا على مقالب زوجة أبيه – عمه ، وهناك نقطة أخرى مهمة أسعى للتعمق والتدقيق فيها توسعا أكثر ، وهي تعني في ماهية الشرط الأول وطبيعة ما قام به كجل الفلاح اي ان يحرث بعمق وبنعومة وألا يرهق الثوران متمنيا من اي كان ألا يبخل علينا بما لديه . وهنا من المهم كتأريخ وتقاطع ميثولوجي ، ملاحظة عدة أمور : الثور ، الفلاح والمالك وشرط ال 7 سنين المتواترة كثيرا في القص الشعبي الكوردي و .. الإبنة التي ستقدم كزوجة ، وهنا نتذكر التقاطع مع سيرة كجل و – طافك ز طافي بهاري. .. – وزواجه من ابنتي الملكين وايضا بعد حله لمعضلات والغاز وايصا ثلاث ، والأهم في السيرتين : هي مسألة الطاقة / الفتحة العلوية في أعلى الجدار ، والتي هي دائما كانت في المعابد كرمز للتواصل مع السماوي كان ، ونلاحظ كنوع من المقاربة – لاحقا – شمولية ( كجل ، كوري ) في – طافك ج تافي .. ) كتجسيد فعلي وحقيقي رمزية الطقس والأسطورة فيما – أسميه بتواضع – في الذهنية التراثية – الميثولوجية الكوردية ..

قد يعجبك ايضا