
من إزالة اللغة الكردية في الحسكة إلى سؤال الشراكة الحقيقية: أيُّ سوريا تُبنى اليوم؟
الدكتور نور الدين خوشناو
أثارت الصور المتداولة من مدينة الحسكة، والتي تُظهر إزالة اللغة الكردية من لوحة القصر العدلي، موجة واسعة من الغضب والنقاش بين السوريين، وخصوصًا بين الكرد الذين رأوا في هذه الخطوة رسالة سياسية وثقافية تتجاوز مجرد “تغيير لوحة”. فالقضية بالنسبة للكثيرين لم تكن تتعلق بكلمات كُتبت أو أُزيلت، بل بما تمثله اللغة من هوية واعتراف ووجود تاريخي في منطقة يُشكّل الكرد أحد أبرز مكوناتها الأساسية.
لكن في وسط هذا الجدل، يبرز سؤال أعمق وأكثر أهمية من مجرد لافتة: هل المشكلة الحقيقية هي اللوحة؟ أم أن القضية الأكبر تتعلق بموقع الكرد في سوريا الجديدة، ودورهم في صياغة مستقبل الدولة والدستور والمؤسسات؟
لا شك أن احترام اللغة الكردية ووجودها في المؤسسات الرسمية ضمن المناطق الكردية يُعتبر حقًا طبيعيًا، وليس منّة من أحد. فالدولة التي تخاف من لغة أو ثقافة، هي في الحقيقة تخاف من التعددية ومن الاعتراف بحقيقة مجتمعها المتنوع. سوريا لم تكن يومًا دولة ذات لون واحد أو قومية واحدة، بل كانت عبر تاريخها الطويل فسيفساء من العرب والكرد والسريان والآشوريين والأرمن والتركمان وغيرهم، إضافة إلى تنوع ديني وثقافي واسع.
لكن في المقابل، هناك من يرى أن التركيز الكبير على قضية اللافتة جاء في وقت تعيش فيه المنطقة ملفات أكثر حساسية وخطورة، مثل ملف الأسرى، والانهيار الاقتصادي، وارتفاع الأسعار، ومستقبل العلاقة بين الإدارة الذاتية والحكومة السورية، إضافة إلى المفاوضات المتعلقة بدمج المؤسسات الأمنية والقضائية والإدارية ضمن إطار الدولة السورية الجديدة.
وهنا تظهر المخاوف الحقيقية لدى كثير من الكرد: هل يجري التعامل مع الكرد كشريك سياسي حقيقي في مستقبل سوريا، أم فقط كملف أمني وإداري يجب “احتواؤه” ضمن ترتيبات المرحلة القادمة؟
التصريحات الأخيرة المتعلقة بمفاوضات القصر العدلي في الحسكة والقامشلي تعكس حجم التعقيد الموجود. فالحكومة السورية تتحدث عن “وحدة المؤسسات” و”سيادة الدولة” و”قانون واحد وعلم واحد”، بينما تخشى قطاعات واسعة من الكرد أن تتحول هذه العبارات إلى عودة غير مباشرة إلى عقلية المركزية القديمة، ولكن بصيغة جديدة.
المشكلة الأساسية ليست في مبدأ وجود دولة موحدة، بل في شكل هذه الدولة، وفي مدى قدرتها على الاعتراف بالتعددية القومية والثقافية والسياسية داخلها. فالكرد لا يطالبون فقط بلوحات باللغة الكردية، بل بضمانات دستورية حقيقية تحمي لغتهم ووجودهم السياسي والثقافي والإداري، وتضمن مشاركتهم في مؤسسات الدولة على قدم المساواة مع بقية السوريين.
لهذا السبب، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث في المرحلة القادمة هو انشغال الناس بالرموز فقط، ونسيان المعركة الأهم: معركة الدستور والحقوق السياسية.
الدستور السوري القادم هو الذي سيحدد مستقبل البلاد لعقود طويلة. وإذا لم يكن للكرد حضور قوي وفاعل في صياغته، وفي البرلمان القادم، وفي الحكومة الانتقالية، فإن أي حقوق أخرى ستبقى هشة وقابلة للتراجع مع تغير الظروف السياسية.
إن المشاركة الكردية في البرلمان والحكومة وصناعة القرار ليست “امتيازًا”، بل ضرورة لبناء دولة مستقرة. فإقصاء أي مكون رئيسي لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة السورية بشكل جديد. والتجارب السابقة أثبتت أن الإنكار القومي أو فرض هوية أحادية بالقوة لا يصنع استقرارًا، بل يؤجل الانفجار فقط.
وفي الوقت نفسه، يتحمل الكرد أنفسهم مسؤولية تاريخية. فبدل الاكتفاء بردود الفعل الغاضبة على مواقع التواصل، هناك حاجة إلى مشروع سياسي ودستوري واضح، وإلى خطاب أكثر هدوءًا وعمقًا، يركز على بناء التحالفات، وكسب الرأي العام السوري، والعمل من أجل تثبيت الحقوق ضمن إطار وطني وديمقراطي شامل.
كما أن على النخب العربية السورية أن تدرك أن احترام الحقوق الكردية لا يهدد سوريا، بل يحميها. فالدولة العادلة لا تُقاس بقدرتها على فرض لغة واحدة أو هوية واحدة، بل بقدرتها على حماية جميع مواطنيها دون خوف أو تمييز أو إنكار.
إن أي عملية انتقال سياسي حقيقية في سوريا لا يمكن أن تنجح إذا بقيت بعض المكونات تشعر بأنها مراقَبة أو مشكوك في انتمائها الوطني. فالكرد، مثل بقية السوريين، دفعوا ثمن الحرب، وسقط منهم آلاف الضحايا، وكانوا جزءًا من التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية. ولذلك فإن التعامل معهم بمنطق “الملف المؤقت” أو “الحالة الاستثنائية” لن يؤدي إلى الاستقرار، بل سيعمّق فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع.
كما أن مستقبل سوريا لا يجب أن يُبنى فقط على التفاهمات الأمنية أو التر…






