آراء

من التجريد إلى الإعادة: قصة المرسوم ٤٩ وأثره على المظلومين

أكرم شمو

منذ عقودٍ طويلة، ظلّت قضية الجنسية، بالنسبة لآلاف الكُرد في سوريا، جرحاً مفتوحاً في الجسد الوطني، إذ جرّد الإحصاء الاستثنائي الذي أُجري في محافظة الحسكة عام 1962 شريحةً واسعة من أبناء الشعب الكُردي من جنسيتهم السورية، وتركهم موزعين بين فئتين: “الأجانب” الذين قُيدوا في سجلات خاصة دون أن يُعترف بهم كمواطنين، و”مكتومي القيد” الذين لم يدوّنوا في أي سجل رسمي، وظلّوا بلا هوية أو أوراق ثبوتية.

ومع تراكم السنين تحوّلت هذه القضية إلى أحد أبرز مظاهر التمييز القومي، حيث عاش مئات الآلاف على أرضهم التاريخية محرومين من أبسط الحقوق، فلا وظيفة عامة، ولا ملكية، ولا سفر، ولا حتى إمكانية تسجيل الزواج أو الأبناء.

في نيسان عام 2011 صدر المرسوم التشريعي رقم ٤٩، معيداً الجنسية العربية السورية للمسجلين في سجلات “أجانب الحسكة”. وقد جاء هذا المرسوم في لحظة سياسية دقيقة، بالتزامن مع بداية الاحتجاجات الشعبية التي عمّت البلاد، وكان واضحاً أنه محاولة من النظام لامتصاص الاحتقان في الشارع الكُردي واحتواء غضبه المتنامي. ورغم ذلك، فقد استقبل الكثيرون هذا المرسوم بارتياح نسبي، ورأوا فيه خطوة متأخرة لكنها مطلوبة باتجاه رفع الغبن التاريخي الذي تعرّض له عشرات الآلاف من الكُرد.

بموجب المرسوم، تسلّم مئات الآلاف بطاقاتهم الشخصية لأول مرة منذ عقود طويلة، واستعادوا حقهم في الحصول على جوازات سفر، وتمكّنوا من تسجيل أولادهم وممتلكاتهم، كما فُتحت أمامهم أبواب التوظيف والتعليم الجامعي، وهو ما انعكس على حياتهم الاجتماعية والاقتصادية بصورة ملموسة.

غير أنّّ هذه الخطوة بقيت منقوصة ؛  لأنها لم تشمل الفئة الثانية من المحرومين، أي مكتومي القيد، الذين يقدّر عددهم بما بين مئة وخمسين إلى مئتي ألف إنسان. هؤلاء ظلّوا حتى اليوم بلا أوراق رسمية، عاجزين عن إثبات وجودهم القانوني، يواجهون مشكلات متواصلة في الزواج وتسجيل الأبناء والملكية والتنقل. وهكذا وبدلاً من إنهاء الملف بشكل كامل، أبقى المرسوم نصف القضية معلقة، وترك جرحاً آخر مفتوحاً في جسد المجتمع الكُردي.

لقد خلّف الإحصاء الاستثنائي وما ترتّب عليه من قوانين وقرارات ضرراً مادياً ومعنوياً واجتماعياً بالغاً على حياة عشرات الآلاف من الناس، إذ حرمهم من فرص العمل والتعليم والتملك لعقود طويلة، وفرض عليهم عزلة قسرية في وطنهم.

ومن الطبيعي أن لا يكتفى اليوم بمجرد إعادة الجنسية، بل ينبغي على الدولة أو الحكومة الحالية أن تتحمّل مسؤوليتها التاريخية والأخلاقية، وأن تعمل على تعويض المتضررين تعويضاً عادلاً يردّ لهم بعضاً مما فقدوه، ويعالج جزءاً من الظلم الذي وقع عليهم.

سياسياً، يمكن القول إنّ المرسوم كان رسالة موجهة أكثر منها حلاً عادلاً. فهو من جهة أقرّ بوجود مظلومية تاريخية للكُرد، لكنه، من جهة أخرى، لم يقدّم معالجة شاملة ولا اعترافاً بالحقوق القومية والثقافية، بل بقي محصوراً في الإطار الإداري والقانوني. ولذلك فإنّ أثره ظلّ محدوداً في الوعي الكُردي، حيث رأى كثيرون أنّ إعادة الجنسية لا تكفي ما لم تترافق مع خطوات فعلية تضمن المساواة، وتكسر سياسات التمييز، من التعليم باللغة الكُردية إلى الحق في التعبير السياسي، والمشاركة في القرار الوطني.

إنّ قراءة المرسوم ،بعد أكثر من عقد على صدوره ، تكشف أنه لم يكن سوى نصف حلّ لقضية معقدة، خطوة أراد النظام من خلالها شراء الوقت وكسب الهدوء في لحظة أزمة، لكنه لم يجرؤ على الذهاب أبعد نحو إنصاف حقيقي. فالذين استعادوا جنسيتهم استعادوا بعض حقوقهم الطبيعية التي سلبت منهم ظلماً، أما الذين بقوا مكتومين فما زالوا يواجهون شبح العدم القانوني، يعيشون غرباء على أرضهم وبين شعبهم.

إنّ هذا الواقع يجعل من الضروري إعادة فتح هذا الملف على المستوى الوطني والسياسي، ليس فقط من زاوية إغلاق صفحة الماضي، بل من زاوية بناء دولة عادلة تتسع لكل مكوناتها بلا استثناء. فالمواطنة ليست منحة تُعطى عند الأزمات، وإنما هي حق أصيل لا يمكن أن يظلّ رهينة للمساومات السياسية.

وإذا كان المرسوم ٤٩ قد عالج قسماً من المشكلة، فإنه في الوقت نفسه كشف حجم الهوة التي لا تزال قائمة بين الخطاب الرسمي ومتطلبات العدالة الحقيقية. وما لم يُصار إلى حل جذري يشمل جميع المحرومين ويقرّ بالحقوق القومية والثقافية للشعب الكُردي، فإنّ القضية ستبقى عنواناً بارزاً للتهميش واللاعدالة في تاريخ سوريا الحديث.

المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “335”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى