
من العقوبات الشاملة إلى المشروطية القانونية: قراءة سياسية–قانونية في تحوّلات قانون قيصر والمرحلة الانتقالية في سوريا
المحامي أكرم شمو
منذ دخول قانون قيصر حيّز التنفيذ، وجدت سوريا نفسها أمام اختبار مزدوج لم يشهده التاريخ الحديث: اختبار صبر شعبها على وقع العقوبات، واختبار قدرة الدولة على تحويل هذا الضغط الخارجي إلى إصلاح فعلي ومسؤولية حقيقية. لقد خلفت العقوبات الشاملة آثاراً ثقيلة على حياة المواطنين وعلى البنية الاقتصادية والاجتماعية، دون أن تلمس جذور الانتهاكات أو الفساد الذي كان يجب مساءلته.
ومع الانتقال الأخير نحو إجراءات رقابية محددة زمنياً، يبرز سؤال جوهري: هل نحن أمام تعديل شكلي، أم تحوّل قانوني واستراتيجي يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة للإصلاح؟
التحول من العقوبات الشاملة إلى الإجراءات الرقابية المحددة زمنياً يعكس إدراكاً جزئياً لحقيقة أنّ العقوبات الجماعية لم تعد وسيلة فعّالة لفرض الإصلاح الداخلي. هذه الإجراءات الجديدة تربط أي تخفيف للعقوبات بخطوات ملموسة، محددة، قابلة للقياس، تعكس السلوك السياسي والإصلاح المؤسسي. وهكذا يتحوّل القانون من أداة عقابية جامدة إلى أداة ضغط سياسي مشروط، يمكن استثمارها لتخفيف معاناة السوريين وإعادة ترتيب العلاقة بين الضغط الدولي والإصلاح الداخلي بشكلٍ أكثر عقلانية وواقعية.
الاختبار الأكبر يقع اليوم على عاتق السلطة الانتقالية في دمشق، والتي يفترض أن تثبت قدرتها على تحقيق المواطنة المتساوية والعدالة الناجزة لكل مكونات المجتمع السوري.
فالنجاح لا يقاس بالخطابات الرسمية أو الوعود الإعلامية، بل بمدى قدرتها على ضمان المساواة بين جميع المواطنين، وإنهاء التمييز، وبناء قضاء مستقل يضمن العدالة الناجزة دون انتقائية أو انتقامية (ثأر سياسي).
ويشمل هذا كل السوريين الذين طالهم الإقصاء أو فقدان الحقوق، من الكُرد إلى العرب والمسيحيين، لتأكيد أنّ العدالة والمواطنة ليستا شعارات، بل ممارسات حقيقية تقاس بنتائج ملموسة على الأرض.
أما قانون قيصر نفسه، فيظلّ أداة ضغطٍ سياسي مشروط، وليس ضمانة للتغيير بحد ذاته. فهو يضع سوريا في دائرة فعل دولي متدرج، ويتيح مساحة للتأثير وتخفيف الضرر عن المجتمع، لكنه لا يحلّ محلّ إرادة داخلية أو مشروع وطني قائم على الحقوق والمواطنة.
فالقوة الحقيقية للتغيير تكمن في قدرة الدولة والمجتمع على تحويل الضغط الخارجي إلى إصلاح ملموس، وإعادة الثقة بين الدولة والمواطنين، وترسيخ قواعد العدالة التي لم تعد خياراً بل ضرورة وطنية.
اليوم، أمام السوريين فرصة تاريخية لإعادة رسم العلاقة بين الدولة والمجتمع، ولإثبات أنّ العدالة والمواطنة يمكن أن تكونا الأساس لأي استقرار سياسي مستدام.
إن ّاستثمار هذه الفرصة يتطلّب إرادة حقيقية، إجراءات عملية، والمضي قدماً بلا تأجيل في محاسبة كل من انتهك حقوق المواطنين. أي إهمال أو استمرار للتمييز سيحوّل الضغط الدولي إلى عبء إضافي، ويعيد إنتاج آثار العقوبات السابقة بلا أي فائدة حقيقية.
هذا الاختبار ليس مجرد مسألة قانونية، بل هو مشروع سياسي وأخلاقي يضع حقوق السوريين في قلبه، ويقيس جدوى أي إصلاح من خلال النتائج الفعلية على الأرض، وليس من خلال التصريحات أو الورقيات.
إنّ سوريا اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، ومسؤولية تحويل الضغوط الدولية إلى إصلاح داخلي ملموس لم تكن أبداً أكثر وضوحاً وأهمية، وهي فرصة يجب استثمارها بحكمة وجرأة لصالح الوطن والمواطن، لتصبح العدالة والمواطنة أساس أي استقرار مستقبلي، وقاعدة لبناء سورية عادلة ومتماسكة تنبض بالحقوق والمساواة.
المقال منشور في جريدة يكيتي العدد “339”






